مشاهدة النسخة كاملة : دروس الثورات.. هل سنفهمها وندركها حقا..؟!! (محمد ولد آكيه ولد الواقف)


ابو نسيبة
03-30-2011, 04:03 PM
دروس الثورات.. هل سنفهمها وندركها حقا..؟!! (محمد ولد آكيه ولد الواقف)

لا أحد منا في هذه الأيام يتصور السيناريوهات الدرامية لمآلات ونهايات بقية الأنظمة العربية المهترئة والبالية التي بدأت تسقط تباعا بشكل لم نعهد له مثيلا في تاريخنا المعاصر، فلا مراكز الدراسات والأبحاث الأكثر استشرافية وتطلعا لقراءة المستقبل، ولا الباحثون والدارسون في مجالات التحولات المجتمعية خمنوا أو توقعوا هذا السقوط الحر والمدوي لأولئك الطغاة الذين ساموا شعوبهم أبشع أنواع التنكيل والاضطهاد، اللهم إلا من درس أو قرأ لعالم المستقبليات، المفكر الدكتور المهدي المنجرة الذي أبعدته مبادئه ومنظومة القيم التي يؤمن بها عن بهارج السلطة ومنابر الحكام ووسائل إعلامهم، غير أنها قربته من قلوب وعقول آلاف طلاب العلم ودارسيه بل الملايين المتعطشين للحقيقة في مختلف جامعات ومعاهد الدنيا.
فهذا العالم أدرك وتنبه منذ عقود خلت أن هناك انتفاضات وثورات قادمة ستقلب الأمور رأسا على عقب بعد أزمنة الذل والقهر ودوس الكرامة الآدمية لهذه الشعوب، وما الانتفاضات الفلسطينية الأولى والثانية إلا مقدمة لانتفاضات وثورات أعظم وأشمل في البلدان العربية، وأن عجلة الإصلاح كلما تأخرت في هذه البلدان التي أدمنت الفساد وأنصاف الحلول والترقيع كانت التكلفة باهظة ومرتفعة، وقد تجلى ذلك واضحا في العديد من كتبه ومقالاته وما كتابه "انتفاضات في زمن الذلقراطية" إلا تجسيدا عمليا ورؤية واضحة لما قد تؤول إليه الأنظمة في عالمنا العربي الإسلامي لم يسبقه إليها غيره، غير أن اللافت هنا ليست تلك الثورات التي عصفت بهذه الأنظمة الواحد تلو الآخر لكن عدم اتعاظ بقية الحكام الذين ما زالوا يتلكؤون ويراوغون تارة في اتخاذ الإجراءات والحلول الترقيعية بإصلاحها إن كان لها إلى الإصلاح سبيل، وتارة في الدفاع المستميت عن الكراسي والعروش مهما كلف الثمن من دماء الأبناء وهدر المقدرات وتمزق الكيانات.
فلم إذن هذه المقاومة وهذا الإصرار والعزيمة التي لا تقهر في البقاء والخلود حتى آخر رجل وامرأة، أهو الإصلاح الذي فات وقته، أم محاولة التستر على تاريخ وسجل حافل بالفضائح والجرائم والملفات القذرة التي تراكمت على رفوف ودهاليز أجهزة القهر والقمع لهذه الأنظمة العفنة خشية ملاحقتها وإدانتها والحكم عليها في مشانق العدالة الشعبية كما يتكشف يوما بعد يوم.
ما يتضح للعيان أن مد هذه الثورات الجارفة لن يستثني أغلب أنظمة الحكم في المنطقة العربية على اختلاف أنواعها وتعدد تسمياتها فلا الملكيات ولا الجمهوريات ولا السلطنات ولا الإمارات التي لم يفلح جهابذة العلوم السياسية ولا أساتذة القوانين الدستورية بالإحاطة علما ببنيتها ولا نمط سلوكها في التعاطي مع قضايا شعوبها مع ادعاء كل منها الخصوصية في الحكم بالعدل والمساواة والإنصاف مع تجنب الظلم الاجتماعي والقهر الحقوقي، وإن كان الواقع لهذه البلدان يشي بغير ذلك. فهذه الثورات وليدة ونتاج أحدث الثورات التكنولوجية بوسائطها المتعددة (كاتويتر والفايس بوك والبريد الالكتروني) تختلف عن سابقاتها في التاريخ والوسائل والطرق ونمط التصرف، فضلا عن نمط التأطير والتسيير والغاية، الذي لم يأت من الأحزاب والنقابات...، من هنا باءت بالفشل واليأس جل محاولات الحكام المعاقين فكريا، والمقعدين حركيا في فك عضد أصحابها ونشطائها، نظرا لعدم مسايرتهم عصرها، وقلة حيلة وسائلهم وآلياتهم القديمة قدم أحكامهم البائدة، فلا أحزابهم ولا مثقفيهم ومتعاطي ومدعي الفكر في تلفزاتهم وإذاعاتهم، ولا ورشاتهم وندواتهم، ولا مؤتمراتهم ومتآمريهم استطاعوا إقناع وصد مدها الزاحف وإعصارها المزعزع لأركان أنظمتهم.
ما يحز في النفس أن مجموعة من السياسيين والمثقفين ورجال الأعمال وأنصاف المتعلمين استمرأوا النفاق والتملق ممن اعتادوا الاستفادة من مختلف الأنظمة المتعاقبة وهذا النظام بالذات، لا زالت تكابر وتتبع سياسة النعامة، متذرعة بخصوصية موريتانيا من حيث حداثة النظام واتباعه طريقة الإصلاح التدريجي ناسين أو متناسين أن هذه المقولة سقطت بخلع الرئيس حسني مبارك عندما ذكر أن مصر ليست تونس، وبترنح وفزع كل من العقيد القذافي الذي ادعى أن ليبيا ليست تونس ومصر، وبهلوسة وذعر عبد الله صالح عندما أكد أن اليمن ليست تونس ولا مصر ولا ليبيا والقائمة في ازدياد...
رئيس الاتحاد من أجل الجمهورية الذراع السياسي للنظام وخط الدفاع الأول في مواجهة منتقديه، عفوا شيخه المتدثر بعباءة الجنرالات الذي توحي ملامح نواصيه بالنسك والتعبد أقرب ما تكون إلى المراوغة والخداع السياسي، وقسمات وجهه بالطيبوبة والبراءة، من الاحترافية في المناورة والدفاع بالحق حينا والباطل أحايين أخرى، لم تدع التجاذبات السياسية ولا الظهور الإعلامي غير الموفق سبيلا للوقار والاحترام الذي حظي به خلال حياته الوظيفية ومسيرته المهنية السليمة، أو هكذا يفترض، عندما قبل ميراث تركة الحزب الواحد للدولة منذ ستينات القرن الماضي وحتى الآن، وإن اختلفت التسميات وتعددت الوجوه والشخوص من فترة لفترة ومن حقبة لأخرى، هذا الرجل على الرغم من طيب المنبع لم يسلم من إغراء السلطة التي انبرى في الدفاع عن سياساتها الخرقاء، وتبرير أخطائها النكراء، متجاهلا بطشها –غير المحسوب- بشقيقه المشهود له بالكفاءة والنزاهة على خلفية امتناعه عن المشاركة في ورطة تزوير الانتخابات الرئاسية عندما كان واليا للعاصمة الاقتصادية في عهد العقيد ولد الطايع فغيب مع آخرين وإلى الأبد، دون معرفة أخبار ومصير موظف من هذا القبيل كأبسط حق من حقوقنا في المعلومة والأخبار كمواطنين أولا وكرأي عام ثانيا في دولة الحق والقانون.
المثقفون والمتفيقهون وأنصاف المتعلمين المحملقين بأعينهم في شاشات الفضائيات لم يروا فيما يجري من حولهم ما يثلج صدورهم فرياح التغيير تجري بما لا تشتهيه سفن تحليلهم وتنظيرهم السياسي، فلا الواقع يقبل ما تلوكه ألسنتهم ولا الحاضر يصدق صمتهم وعماهم أما قادم الأيام فقد أذهلتهم عنه أطماعهم والتفكير فيما سيدخل جيوبهم.
الشعب الموريتاني لم يخلف يوما موعدا مع التغيير فقد كان سباقا وتواقا إليه فتذمره البادي، وتململه الاجتماعي، وحراكه السياسي، وضجره من سوء الأحوال الاقتصادية التي أوصله إليها حكم العقيد ولد الطايع سنة 2003، لم تدع للبلد مجالا للاستقرار ولا شكا للتأويل والمزايدة أن هذا الشعب لا يعرف التضحية ولا الاستماتة فيما يؤمن ويعتقد، وما تضحية ولد دحود بحرقه نفسه رغم حاله الميسور، وحجز الموريتانيين مواقع متقدمة -مع الاختلاف معهم- حول زعيم القاعدة ابن لادن عندما برز كمناهض ومناوئ للامبريالية الغربية في هيمنتها على موارد المنطقة العربية الإسلامية، فضلا عن تواجد بعض الشباب الموريتاني في صدارة القاعدة في المغرب الإسلامي للأسباب ذاتها، إلا دليلا دامغا وحجة ساطعة على إقدامهم. غير أن حفنة من المرتزقة وزمرا من النخب السياسية والمثقفين ما إن تنضج الأمور للتغيير داخليا بتدهور الأوضاع على مختلف الأصعدة، وخارجيا بعدم استثمار الدول المانحة في النظام بالمساندة حينا وبالدعم أحيانا أخرى بحجة عدم سيطرته على الوضع الداخلي، وفقد مكاسبها في نظام قاب قوسين أو أدنى من الانهيار أو التشكل من جديد، حتى تهب قلة من العسكر مسكونة بدوافع حب الكراسي وأنانية لا تخلوا من نوازع نرجسية تعود في نظرهم للأهل والقبيلة والجهة بالمال والجاه والسلطة، مدعومين في ذلك بسهولة انقياد مؤسسة عسكرية احترفت الانقضاض على السلطة حفاظا على المصالح التي نسجت في الإدارة والتجارة وحتى السياسية، ودرءا لأي تغيير حقيقي ينشده المجتمع ويفك أسره من الارتهان لتلك المصالح الضيقة، حتى أضحت موريتانيا بلا منازع تحتل الرقم الأول في قائمة الدول الأكثر انقلابا على السلطة، وتغييرا للأشخاص لا النظام، في شبه المنطقة.
الشعب الموريتاني اليوم بفئاته وشرائحه العمالية وشبابه وقواه الحية يجمع أن القيادة الموريتانية تكاد تكون الوحيدة في المنطقة التي لم تتخذ إجراءات فعلية وحقيقية للاستجابة لمطالبه بالحد الأدنى، فلا الخطابات البيداغوجية لمحاربة الفساد والمفسدين، ولا عصرنة الإدارة وتقريب خدماتها من المواطنين المشلولة أصلا، ولا تطهيرها المغشوش، ولا توزيع العدالة، ولا لعبة تخفيض الأسعار بدكاكينها المصحوبة بجولات الوزراء الم****ة المجحفة لجيوب دافعي الضرائب والمكلفة لخزينة الدولة، ولا المشاريع الوهمية للتشغيل وامتصاص البطالة، ولا جوقة الطرق والبنى التحتية المترهلة التي تخفى وراءها من التلاعب والفساد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر أن متعهديها من الباطن هم من سدنة النظام ومن كلفوا أنفسهم رعاية مصالح البلاد وشؤون العباد.
كل هذا وعين الشعب على الطريقة التي تدار بها أمور البلد، والتي لا تنم عن رؤية نابعة عن علم وإدراك لحاجات ومطالب الناس تكون منطلقا لإستراتيجية واضحة المعالم والأهداف، تترجم في خطة عمل تستند لمبادئ الحكم الرشيد الذي يفرض سيادة القانون والذي يداس باتصالات السلطة التنفيذية، متجاهلة بذلك مبدأ الفصل بينها والسلطتين التشريعية والقضائية، هذا فضلا عن غياب النزاهة والكفاءة فيمن يحظون باختيار أولي الأمر الذين لا يجدون حرجا و لا غضاضة في تكريم ابن العشيرة، وتعيين ابن القبيلة، ومنح المشاريع المدرة لبني الأعمام و القرابات، أما المحاسبة والعقوبة فلا يرى نصيبه منها إلا من اختلف سياسيا، ولم يوافق هوى في نفس القائد المفدى، ولئن كانت المشاركة بالرأي والمساهمة في اتخاذ القرارات المتصدرتين لمبادئ الديمقراطية لا تتسع دائرتهما إلا للنزر اليسير من الفئة المحيطة بصاحب الفخامة، فكيف بالشعب ومن يمثله؟؟؟!!
رسالة الموريتانيين الذين لا تخطئ أعينهم ما حدث ويحدث في الدول الشقيقة والصديقة هي متى وأين ستحجز الفئات-المتعلمة والتشكيلات السياسية والنخب المثقفة، فضلا عن ممثلي المجتمع المدني وفقهاء الإعلام الرسمي ومؤسستي الأمن والدفاع اللتين لهما العبرة فيما جري في تونس ومصر والعظة فيما يجري في ليبيا واليمن-مواقعها في سفينة التغيير إذا ما انطلقت والتي لا عاصم من أمر الله إلا من ركبها لينجوا من عواصف الشعب الهائلة وأمواج حناجره الهادرة التي لا تبقي ولا تذر، لواحة لأتباع وحواشي الأنظمة عندما تدق ساعة الصفر لرحيل الحاكم بجلده وماله وأهله، ويخلص حينها إلي أن الفهم المتأخر، والوعي المبستر، لمطالب الشعب بفئاته وطبقاته للعدل والإنصاف والعيش في كنف الحرية والكرامة إنما هي من إدراك وإيمان الغريق الذي لا يشفع لمن خرب البلاد وأكثر الفساد عن جهل بالحكم قاد وبتفقيرالناس ساد...!!

نقلا عن الأخبار