مشاهدة النسخة كاملة : ثورة البحرين والثورات العربية.. شبه أم تشبّه؟ ..{ مولاي عبدالله ولد مولاي عثمان }


ام خديجة
03-30-2011, 01:35 PM
ثورة البحرين والثورات العربية.. شبه أم تشبّه؟

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__moulay.jpg

مولاي عبدالله ولد مولاي عثمان

كان الرابع عشر من فبراير الماضي يوما مفصليا في تاريخ البحرين الخليفية (نسبة إلى آل خليفة) حيث أعلنته مجموعات شبابية فيسبوكية موعدا لانطلاق ثورة تابعتها الشعوب العربية بنفس القلوب المليئة تعاطفا وحماسا التي تابعت بها ثورتي تونس ومصر، وقد عشت شخصيا أول أيام هذه الثورة راضيا بل متضامنا معجبا بأدائها ومطالبها وسلميتها الظاهرة، لكنها أبت علي وعلى كثير من عارفي بعض تفاصيل ما حدث أن يحافظوا على مواقفهم تلك وإعجابهم ذلك.

وقبل أن أتحدث عن وجه الشبه أو "التشبه" بين "ثورة البحرين" وغيرها من الثورات العربية السابقات وربما اللاحقات، فإنني أود أن أضع صورة الواقع السياسي والمذهبي البحريني أمام القارئ يتأملها علها تساعده في اتخاذ موقف متبصر من هذه الأحداث ومن بعض الأفكار والملاحظات التي سنطرحها في هذه الرؤية التحليلية.


المذهبي والسياسي في البحرين.. صورة مجملة
ـ الواقع المذهبي والديني: يشكل السنة بأطيافهم المختلفة (الإخوان والسلفيون والصوفيون) والشيعة الإمامية الاثنا عشرية أكثر من 97% من البحرينيين بينما يشكل المسيحيون واليهود والبهائيون أقلية بمعنى الكلمة في مجتمع يقدر عدد نسماته بحوالي ستمائة ألف نسمة (600.000) تزيد قليلا أو تنقص قليلا، وإن كان عدد سكان البحرين في مجمله يرتفع حتى يصل إلى ضفاف مليون ومائتي ألف نسمة (1.200.000) أي أن عدد الوافدين والمقيمين يربو على نصف السكان أو هو هو.

وتكاد تقديرات الطوائف البحرينية تتفق على أن الشيعة يمثلون أغلبية السكان وإن كانت تختلف اختلافا بينا في نسبة تلك الأغلبية، فبينما يرفعها عموم الشيعة إلى أكثر من 65% لا يكاد يوصلها عموم السنة إلى أكثر من 50% مع العلم أن البحرين لم تعرف في المدى المتوسط والقريب إحصاء سكانيا على أساس مذهبي أو طائفي أو ديني، إلا أنها قرائن الأحوال وانعكاسات الواقع القائمة على نسبة التكاثر في هذه الطائفة قياسا إلى غيرها من الطوائف لأسباب لسنا في وارد بسطها الآن.

وتبعا لارتفاع نسبة الطائفة الشيعية من السكان على النحو الذي ذكرنا تنخفض نسبة الطائفة السنية والعكس بالعكس، مع أنك لن تعدم أن تجد من السنة من يرى أن مسألة أغلبية الشيعة هي قصة من أقاصيص التاريخ لم تعد لها رابط بالواقع اليوم الذي أصبح السنة يشكلون فيه أغلبية السكان حسب رأيه.

والحقيقة التي ثبتت أن كلتا الطائفتين في سباق محموم دائم نحو تحقيق أغلبية مّا؛ بوسائل مختلفة؛ بدءا من قصد رفع مستوى زيادة النسل وانتهاء بالتجنيس السياسي.

ـ الواقع السياسي: يقوم الواقع السياسي البحريني على جمعيات (أحزاب) سياسية تنتمي إلى إلى أيديولوجيات مختلفة وتتفاوت في عمقها وتأثيرها الشعبي، ويمكن تقسيمها إلى:
جمعيات معارضة يطغى عليها الطابع الشيعي وتشكل تحالفا يعرف باسم الجمعيات الست على رأسها جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (التيار الشيعي الرئيسي)، ومن حقائق الواقع أن هذه الجمعيات لا تحظى بعمق جماهيري باستثناء جمعية الوفاق التي تعتبر رقما صعبا في الشارع البحريني عموما والشيعي خصوصا؛ حيث حصدت في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية الأخيرة مقاعد جميع الدوائر الانتخابية التي رشحت فيها وخرجت بـ18 مقعدا برلمانيا من أصل 40 مقعدا.

وهناك جمعيات سياسية شيعية أخرى (غير معترف بها من الدولة) تصنف في دائرة المعارضة الراديكالية وتنادي بتغيير النظام وترفض المشاركة في أية انتخابات سياسية وهي جمعية "حق" بزعامة حسن مشيمع وجمعية "وفاء" بقيادة المعارض الشيعي في لندن سعيد الشهابي إضافة إلى "حركة أحرار البحرين".

وفي صف الموالاة تقف جمعيات يطغى عليها الطابع السني أهمها جمعية الأصالة الإسلامية (السلفيون) وجمعية المنبر الوطني الإسلامي (الإخوان) بالإضافة إلى كتلة سياسية من المستقلين السنيين يشكلون ثاني أكبر كتلة برلمانية بعد كتلة الوفاق الإسلامية التي استقالت مؤخرا من البرلمان على خلفية أحداث 14 فبراير.

وأشير هنا إلى أن الشيعة يشكلون أغلبية البحرينيين الموظفين في كبريات الشركات الوطنية كشركات النفط والألمنيوم، إضافة إلى سيطرتهم بشكل شبه مطلق على وزارتي الصحة والتعليم وحضور قوي في الإعلام.


14 فبراير.. يوم الأفراح والغضب
أعلن ملك البحرين الحالي حمد بن عيسى آل خليفة بعد حكمه في مارس 1999م عن ما يعرف بـ"ميثاق العمل الوطني" الذي تضمن إصلاحات جديدة حظيت بأكثر من 98% من أصوات البحرينيين (سنة وشيعة) في استفتاء شعبي عليها يوم 14 فبراير 2001 ونقشت أسماء المصوتين جميعا على مبنى ضخم يعرف الآن باسم "مبنى الميثاق".

ومنذ ذلك اليوم دأبت البحرين على الاحتفال رسميا بيوم الميثاق إلا أن آخر "14 فبراير" لم يتمحض للاحتفال والفرح، فلقد كان يوما تجلى فيه انشطار الأحاسيس والمشاعر الشعبية بشكل صارخ، وعاش البحرينيون زمنا واحدا بشعورين متناقضين وحمل كلَّ طرف شعورهُ إلى مكان مغاير اتخذه ساحة للحشد والتظاهر وإعلان المطالب ورفع الشعارات، وبعد يومين من مسيرات الاحتجاج أسفرت عن سقوط قتيلين قررت المعارضة الشيعية ـ المؤطرة سياسيا من جمعية الوفاق الإسلامية والمحركة فعليا من مراجع الشيعة وفقهائها في البلاد ـ الاعتصام في دوار مجلس التعاون الخليجي الذي أصبح معروفا بدوار اللؤلؤة.

هكذا إذن تحرك آلاف الشبان الشيعة صبيحة هذا اليوم وأعلنوا مطالب اجتماعية وسياسية ـ لا غبار على حقهم في رفعها ـ منها تحسين ظروف المعيشة والرفع من مستوى الأجور والواقع الاقتصادي وطالبو ا بتغييرات دستورية جذرية تضمن ملكية دستورية حقيقية يكون الملك فيها سائدا لا حاكما وتكون الحكومة منبثقة عن برلمان منتخب تشكلها الكتلة التي تحظى بالأغلبية، كما طالبوا بإلغاء مجلس الشورى الذي يعينه الملك وتشترط موافقته في تمرير القرارات التشريعية لمجلس النواب.


منعرجات في مسار الأحداث
بنظرة عامة يمكن أن نحدد لحظات وأحداثا شكلت منعرجات كبيرة في مسار "ثورة 14 فبراير في البحرين" كانت في مصلحتها أحيانا وعصفت بمصداقيتها في أحايين أخرى، ومنها:
ـ سقوط القتلى: فقد ارتكبت السلطة البحرينية خطأ فادحا عندما قررت صبيحة 17 فبراير تفريق المعتصمين في دوار اللؤلؤة بقوة الجيش والشرطة وباءت بخطيئة أججت الوضع وأضرمت القلوب خصوصا أن المعتصمين في الدوار حينها كانوا في غاية الوداعة والسلمية وكان دوار اللؤلؤة آنذاك صنوا لميدان التحرير في مصر.

ـ دعوة الحوار: بعد تلك الخطوة القمعية أدركت السلطة خطأها الذي كاد يودي بدعاواها ودعاياتها فأسرع سلمان بن حمد ولي عهد البحرين ـ بتفويض شبه مطلق من والده ـ إلى الإعلان عن مبادرة لحوار مع المعارضين قال إنه سيوفر كل الضمانات لتنفيذ نتائجه وأمر بسحب جميع مظاهر العسكر والشرطة من الشوارع استجابة لمطالب المحتجين، وأصدر الملك عفوا عن بعض المساجين السياسيين وبعض المنفيين في الخارج والتقى جميع "الثوار" في دوار اللؤلؤة وعاد الاعتصام كما بدأ في غياب كامل لقوى الأمن والجيش.

ـ عودة مشيمع: كان المعارض السياسي حسن مشيمع رئيس جمعية "حق" ممن شملهم عفو الملك البحريني فعاد إلى المنامة من بريطانيا مرورا بلبنان التي أمضى فيها يومين لأسباب فسرت بتفاسير مختلفة، وشكلت عودته منعرجا شديدا في الأحداث، ذلك أن الرجل رفع مطالب المحتجين عاليا ودعا إلى القضاء قضاء مبرما على الملكية (وهو نظام يتناغم مع طبيعة الحكم العربي في الخليج) وتحويل البحرين إلى جمهورية (وهو أكثر تناغما مع طبيعة الحكم في إيران) واستطاع تحريك مجموعات من الشباب المتحمس الذي كان يرفع على لافتاته كلما سقط قتيل "اللهم تقبل منا هذا القربان".

ولم يقصر دور حسن مشيمع على رفع سقف المطالب بل أتبع ذلك بدعوة أنصاره إلى توسيع نطاق الاعتصامات في حالة شبيهة بعصيان مدني حيث ضرب المعتصمون خيامهم أمام المرفأ المالي (المبنى الذي يضم مقار الشركات العالمية ومكاتبها) وأعن أطباء مجمع السلمانية الطبي إضرابهم عن العمل وكذلك جمعية المعلمين وعمال شركات كبيرة وحساسة، ورافق ذلك كله عنف واضح واعتداءات من المحتجين على الناس والطلاب في المدارس والجامعات لفرض الشلل بالقوة في كل مفاصل الدولة بعد أن استطاعت الحكومة الالتفاف على تأثير هذه الإضرابات بوسائل عديدة.

ـ تجمع الفاتح: لقد شكل إعلان السنة عن تشكيل سياسي موحد منعطفا كبيرا في تحقيق توازن جماهيري وسياسي بعد أن أصبح الدوار صرفا للطائفة الشيعية مما أحدث لدى السنة خوفا شديدا، وعاشوا ليالي سودا من القلق والرعب تحت رحمة إشاعات لا تنتهي على "الفيسبوك" وعبر هواتف "البلاكبيري" تنشر أخبارا باشتباكات بين أبناء الطوائف في المناطق السكنية المختلطة، وهو ما دفعهم لأول مرة في تاريخهم ـ كما يقولون ـ إلى الإعلان عن أنفسهم فصيلا سياسيا منفكا عن آل خليفة وإن كان في الوقت نفسه يتمسك بهم حكاما للبلاد، فحشدوا جماهيرهم في ساحة "مركز الفاتح" الذي أصبح الرمز الجغرافي للطيف السياسي والطائفة الشعبية المقابلة أيديولوجيا وسياسيا وجماهيريا للدوار ومعتصميه.

لقد طرح السنة في تجمعهم السياسي الذي اعلنوا عنه تحت اسم "تجمع الوحدة الوطنية" مطالب تقاطعت في كثير منها مع المطالب التي رفعها معتصمو الشيعة في مرحلة ما قبل مشيمع، وهي مطالب ظلت جمعية الوفاق الشيعية تعلن تمسكها بها لكن بصوت علت عليه أصوات "الجمهوريين".

ـ قوات الخليج: يبدو أن دخول قوات خليجية كانت خطة مؤجلة لدى حكام البحرين لأنهم ـ حسب رأيي ـ ربما كانوا على قناعة بأن المحتجين سيرفضون الجلوس على طاولة الحوار قبل تحقيق جميع شروطهم التي اشترطوها، والحقيقة أن تنفيذ تلك الشروط يلغي الحاجة إلى الحوار أصلا؛ فما يُتصور أن يتم الاتفاق عليه بالحوار طالب المحتجون الشيعة بتحقيقه كشرط للحوار أصلا ومنه حل الحكومة وانتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور جديد.

وهكذا اشترطت السلطة في البحرين الحوار أولا حول هذه النقاط واشترط المحتجون تنفيذها ثم الحوار ثانيا، ووصل الطرفان إلى طريق مسدود أفضى بالمحتجين إلى قطع الطرقات وارتكاب أعمال لا تمت للسلمية بصلة وأفضى بالسلطات إلى استدعاء قوات خليجية مشتركة تتولى حماية المنشآت الحيوية وتبعث برسالة إلى دول إقليمية كان لها دور شبه مباشر في تأجيج هذه الاحتجاجات، كما أن في دخول هذه القوات إشارة واضحة إلى أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة أمنية بامتياز وأن صفحة الحوار ستطوى وإن بشكل مؤقت.


شبه.. أم تشبه؟
لم تكن "ثورة 14 فبراير في البحرين" في ظاهرها خروجا على السياق العربي الذي زلزلته الثورات ابتداء من تونس ومصر وانتهاء بثورات عربية أخرى كانت ـ حين اندلاع أحداث البحرين ـ قيد التشكل والتخلق في اليمن وليبيا، لكن الحقيقة أن هذه الثورة غابت عنها صفات أصيلة صاغت ماهية الثورات العربية الأخرى وجوهرها، وإن خُيّل للناظر من بعيد أن "تشبيها بليغا" يربط الصلة بينها وبين المشبه به من أية ثورة عربية أخرى.

وإذا كانت ثورة البحرين أشبهت الثورات التونسية والمصرية واليمنية في أنها تعرضت للقمع كما تعرضن له وقدمت قتلى كما قدمن قتلى فإنها اختلفت عنهن جذريا في طريقة الرد؛ فبينما رد التونسيون والمصريون واليمنيون بالإصرار على السلمية والعزيمة على النضال رد محتجو البحرين بأنواع من العنف شتى مع رجال الأمن منها دهسهم بالسيارات حتى الموت والتنكيل بجثثهم واختطافهم وتعذيبهم والتحقيق معهم، دون أن يسلم الأجانب والمقيمون من ضروب الاعتداء تلك، ويكفي أن نشير إلى قيام بعض المحتجين بقطع لسان أحد العمال الباكستانيين إضافة إلى اختطاف آخرين من بيوتهم في أوقات متأخرة من الليل وضربهم ضربا مبرحا وسوقهم في مشاهد مهينة إلى أحد أجنحة مستشفى السلمانية في المنامة للاحتجاز لا للعلاج.

أضف إلى ذلك أن مستشفى السلمانية ـ وهو أكبر مستشفى في البحرين ويشكل الدكاترة والموظفون الشيعة أغلب عماله ـ قد أصبح مُعتصَما لا يحظى بالعلاج فيه إلا حديث عهد بدوار اللؤلؤة وأصبح المذهب هو بطاقة الدخول إليه، مما اضطر الحكومة إلى فتح مستشفيات ميدانية في أماكن متعددة بعد حدوث اشتباكات بين مواطنين سنة وشيعة في مناطق مختلطة ووقوع إصابات كثيرة بينهم واستحالة وصول بعضهم إلى هذا المستشفى الذي يقع في قلب العاصمة.

أما إذا كانت الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وليبيا قد أجمع عليها كل أطياف المجتمع وشرائحه فإن ثورة البحرين آلت في نهاية أمرها إلى ثورة طائفة مما جعلها ـ وإن كانت حملت مطالب مشروعة ـ إرهاصا لحرب أهلية أو فتنة طائفية؛ حيث ظل دوار اللؤلؤة خاليا من السنة كما ظل مركز الفاتح خاليا من الشيعة ودعا كل إلى طائفة وعقيدة وصاروا جميعا على شفا حرب وتطاحن.

وإذا اتفقنا ـ أخي القارئ ـ على أن الثورات العربية في الدول التي ذكرنا ظلت ثورات تحافظ على استقلال قرارها وتحديد مسارها بنفسها فإننا لن نتفق على ذلك إذا تحدثنا عن ثورة البحرين التي رفعت فيها صور زعماء إقليميين بشكل لا يقل كثافة عن العلم البحريني، وتحدث في شأنها زعماء إقليميون كما لم يتحدثوا عن أية ثورة عربية أو غير عربية، ومما بيعث على الريبة والشك إصرار الزعيم السياسي الشيعي حسن مشيمع على المرور بلبنان والمكوث فيها أياما قبل عودته إلى البحرين.

وجه الشبه الوحيد كما أرى بين "ثورة 14 فبراير في البحرين" والثورات العربية الأخرى هو عدالة المطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن عدالة المطلب لا تسري من تلقاء نفسها إلى وسائل المطالبة بل هي لازمة فيهما معا.

لقد تناول هذا التحليل أحداث "ثورة 14 فبراير في البحرين" ومجرياتها ولست أرمي من ورائه بشكل من الأشكال إلى تجاهل أن هناك مشكلة حقيقية وعميقة ومعقدة في هذا البلد تجب معالجتها جذريا وحلها حلا عاجلا وعادلا إلا أن ذلك موضوع آخرا يتطلب حديثا آخر وقد نكتب عنه في وقت غير بعيد إن شاء الله.


نقلا عن الأخبار