مشاهدة النسخة كاملة : السلطات الإدارية في الطينطان.. وعقلية الزمن البائد


أبوسمية
03-28-2011, 01:02 PM
السلطات الإدارية في الطينطان.. وعقلية الزمن البائد

تابعت بأسف خلال الأيام العشرة الماضية معاناةَ فريقِ"جمعية الشبيبة" وهو يتردد بين حاكم مقاطعة الطينطان ومفوض الشرطة والوالي.. يطلبون السماح لهم بإقامة مخيم ثقافي شبابي بالمقاطعة. وبعد عشرة أيام من المتابعة والانتظار والوعود.. وفي اللحظة التي كانوا يتهيؤون لافتتاح المخيم بإحدى المدارس المهجورة التي منحهم إياها الحاكم بعد ما منعهم من الثانوية: إذا بمفوض الشرطة يتدخل بأمر من الحاكم ويمنعهم من جديد.
لقد أبان هذا السلوك عن استهانة السلطات الإدارية وسوء تسييرها لقضايا المواطنين عموما، وأحرى منها ما كان ذو صلة بالحريات والحقوق والقضايا العامة. لقد استحضرْتُ أن مواطنين مساكين آخرين بسطاء يواجِهون يوميا - وهم يَعرِضون مشاكلَهم على السلطات المحلية-نفسَ التجاهل والعقليةوالروتين.
ولعل هذا يعود إلى نقص الكفاءة والاطلاع الذي تعاني منه كوادر الإدارة المحلية في الداخل؛ فأغلب المسؤولين هناك أصحاب تعليم ضعيف، وهم غالبا من جيل الستينات والسبعينات وفي أحسن الأحوال الثمانينات، وفضلا عن ضحالة التعليم وضعف المؤهلات، فقد تراجع رصيد هؤلاء العلمي والثقافي بحكم بقائهم في "الداخل" الذي لاتتوفر فيه أبسط مقومات التمدن والتحضر.. وهكذا تحولوا بفعل الاحتكاك ومرور الزمن إلى أناس عاديين، في حين أن الزمن قد تغير، والمعارفَ تطورت، والثقافةَ تتجدد.
وهذا ما يرشد إلى ضرورة تجديد هذه الطبقة من الإداريين التي استنفدت رصيدَها المعرفي والثقافي في عصر المعرفة والمعلومات، وأصبحت تتعامل مع المواطنين بعقليات روتينية بيروقراطية بائدة؛ بل بعقلية بدائية محلية، تماما كما يعيش ويتعامل عوام المواطنين .
أُدرك أن سر تلكؤ السلطات المحلية – فضلا عن أجواء الثورة والحرية غير المريحة التي تظللها- أنها لم تألف هذا النوع من الأنشطة، بحكم الصمت والركود الثقافي الرهيب الذي يسيطرعلى مناطق الداخل تحت قيادة هذه السلطات، وفاتها أن نفس الجمعية تقيم الآن مخيما شبابيا في قلب العاصمة، وقد لاقت من السلطات كل الحفاوة والتعاون والتقدير. كما أن نفس الجمعية أقامت في نفس المقاطعة وبكل سلاسة وتيسير مخيما شبابيا سنة 2006 .
لقد كان أحرى بهذه السلطات أن تحتفي بهؤلاء الشباب وتحتضنَهم وتيسر لهم كل أسباب نجاح مخيمهم، خدمة للمقاطعة وشبابِها، وقياما بواجب المسؤولية تجاه المواطنين واحتياجاتهم ورغباتهم المشروعة.. بدل التعاطي معهم بعقلية أمنية بيروقراطية متجاوزة.
والأغرب من كل ذلك أنه بعد ما نُشر خبرُ منع السلطات للجمعية من إقامة مخيمها في المقاطعة بإحدى المواقع، جُنَّ جنون هذه السلطات وطالبت المسؤولين عن المخيم بالتكذيب عن الخبر، وتدخل العمدة والمنتخبون من أجل ذلك..، وهذا بالضبط ما يؤكدالعقلية المتخلفة والطبيعة الاستبدادية التي لم يعد هذا زمنها..
على هؤلاء وأمثالهم أن يدركوا أنهم أصبحوا في عصر الإنترنت والإعلام المفتوح والحرية المشرعة، ولم يعد بالإمكان التستر على الأفعال والمواقف إلا بوزنها وتقويمها وتسديدها..فكيف تظلمني وتمنعني من أن أبوح "في الهواء الطلق" بأنك ظلمتني.. أي زمن هذا وأي منطق هذا..
لقد حققت السلطات الطينطان بهذا الموقف إنجازا عظيما للمقاطعة وساكنيها.. لقد حاولت أن تحرمَها وأبناءَها من أسبوع ثقافي بهيج، ينمي مواهبهم، ويزيل كآبتهم، وينسيهم -ولو إلى حين-شيئا من مشاكلهم ومعاناتهم التي لا تنتهي، معاناةِ السكن والمشرب والمأكل.. في مدينة أشباح تعيش منذو نكبتها أردأ حال وأسوأ مصير.
إن أسوأ ما يؤذي المواطنَ هو ازدراؤه وحرمانُه من حقوقه ومطالبه المشروعة.. وعلى سلطاتنا المحلية والوطنية أن تستوعب الزمن والعصر الذي هي فيه.. وأن تستحضر أن شرارة الثورات الحا لية كانت بسبب ظلم وازدراء "حاكم" لمواطن بسيط..

نقلا عن الأخبار