مشاهدة النسخة كاملة : الشبه على طريقة تاجر سو ... { سليمان ولد محمد فال}


ام خديجة
03-27-2011, 06:36 PM
الشبه على طريقة تاجر سو

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__pic_1098.jpg
سليمان ولد محمد فال

كثيرا ما نسمع في علوم اللغة العربية والبلاغة منها على وجه التحديد، عن الشبه وأوجهه وغالبا ما يكون ذلك بصورة نظرية، و لم نكن ندرك تحديد ا أو تطبيقا لمفهومها، ولكن ومع طلوع فجر السادس من أغسطس من العام 2008، بدأ الدرس يتضح وتتحدد ماهيته لمن لم يكن قد فهمه.

فمنذ وصول النظام الحالي للسلطة وفي مرحلتيه الانتقالية عن طريق الانقلاب والحالية بعد اتفاق داكار الذي أستسمح رئيس الجمهورية في ذكر اسمه، حتى أصبح حديث وسائل الإعلام الرسمية منها وغير الرسمية يتمحور حول موضوع واحد وواحد فقط ألا وهو محاربة الفساد والمفسدين، والاهتمام بالفقراء والقطيعة مع الماضي البائس الذي أحلنا دار البوار، ولكن وبعد مرور حوالي 30 شهرا على الانطلاقة الفعلية لتلك الحملة التي أعلن عنها النظام، فمن حق الجميع أن يتساءل عن حجم النتائج المحققة في هذا المجال مقارنة بالوعود المطلقة ؟

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال المستعصي أود أن أشير إلى أن المتتبع والمعايش للساحة الوطنية في العقود الثلاثة الأخيرة، يلاحظ أن ثمة قواسم مشتركة تتقاطع فيها كل الأنظمة المتعاقبة على الحكم ـ وإن اختلفت التسميات ـ و من أهمها :

ـ أن كل هذه الأحكام وصلت للسلطة بانقلابات عسكرية، غالبا ما تتمدن بعد ها بفترة وجيزة، وأن من يقود تلك العمليات ليسوا بالضرورة من خلاصة أو خيرة نخبة الضباط الموجودين ضمن المؤسسة العسكرية، ولكن الأمر يعود بشكل جوهري إلي المنصب الإستراتيجي الذي يشغله أصحاب تلك الممارسات، وهناك يلتقي الطموح وإن كان غير مشروع مع الموقع والنفوذ، ليحققان حاجة في نفس يعقوب.

ـ القاسم الثاني الذي يمكن إدراكه دون عناء يذكر، أن لكل من هؤلاء الأحكام شعار مرن وطويل المدة وقابل للادخار وللقرض، إن اقتضت الحاجة لذلك، يطلقه مع بداية مرحلته ولا يخلو من جاذبيه، كترسيم الديمقراطية مبدءا ونظاما والتمكين لللغة العربية، ومحاربة الأمية كوسيلة للتنمية، وبناء دولة المؤسسات، والحكم الرشيد، ومحاربة الرق، وعودة المبعدين، ومن ثم إبعاد الجيش عن السياسة، ومحاربة الفساد والمفسدين والانحياز للفقراء........إلخ.

ـ السمة الثالثة التي تجمع أنظمتنا المتعاقبة أكثر من غيرها، أنه كلما جاءت حكومة لعنت أختها، محملة سلفها كل مظاهر التخلف والأخطاء التي لا تلبث أن تتحول في عادتها إلي صواب، ومستغلة فرصة ثقل كاهل المواطن بتلك الممارسات وضيقهم ذرعا بمن كانوا السبب فيها و تطلعهم لما هو أفضل ، لتقديم وابل من الوعود العرقوبية التي في غالب أحوالها وأحسنها لا تجد طريقا للتطبيق إلا في خطابات المسؤولين أثناء المناسبات والاحتفالات.

ـ الرابعة والأهم عند حكامنا ومن يدور في فلكهم، وقد يكون ذلك إدراكا منهم ـ رغم محدوديته في الغالب وتلك سمة أخرى ـ لما يمثله الإعلام من أهمية وخاصة في عصرنا الراهن، هو التركيز الممنهج على الإعلام الرسمي وتوجيهه لخدمة المصلحة العليا للرئيس والحكومة والتطبيل والتزمير، في كل ماهية حتى وإن كانت من نوع فتح دكان في حي عشوائي لبيع الزيت المتجمد والأرز المحلي الغير مقشر بشهادة الوزير المسؤول أمام البرلمان، بدعوى الحرص على السرعة في التنفيذ، وحصر الإعلام في زاوية ضيقة بدل فتحه أمام الجميع ليلعب دوره التنويري والتثقيفي وتدعيم روح المواطنة لدى الجميع.

وانطلاقا مما سبق من ملاحظات، ونظرا للظرفية الدولية بصفة عامة والعربية خاصة، فإن الضرورة تستوجب علينا أن نعود على بدء محاولين الإجابة على السؤال الذي طرحناه في البداية، عن طريق تقييم لما تم تنفيذه على الأرض فعلا دون مزايدة ومعادلته مع ما يشاع من بهرجة إعلامية وصورة وردية ، وإن كان المتضرر الأول من تجاهله قد لا نكون نحن بالدرجة الأولي.

وهنا تجدر الإشارة إلي أن نظامنا الحالي وحكومته ليسا بدعا من الأنظمة العسكرية فحسب بل تنتهج نفس النمط وبوتيرة أسرع . فالحديث المستمر عن محاربة الفساد ومعاقبة أصحابه لا يعدو كونه نوعا من الحرب الإعلامية وتضليل المواطن، وذلك نظرا لكون نفس الأشخاص الذين انقلب عليهم النظام الحالي مرتين لا يزالون يمارسون نشاطهم كاملا غير منقوص في مختلف دواليب الدولة إما في مواقعهم السابقة أو أخرى أرفع درجة، والأمثلة كثيرة ومتنوعة حتى وصل الأمر بأحدهم إلى أن تساءل، هل هي محاربة الفساد أم حكومة (فلان) في المنفي ؟، وهذا الأخير هو ما يفسر بنظر البعض استشراء الفساد وبطريقة أشد ذكاء و دهاء كتقسيم الأراضي ذات المساحات الشاسعة على غير مستحقيها، وبيع أخرى لمقربين من النظام نسبا وصهرا ودون احترام لأي قانون أو عرف .

أما الرقابة على التسيير هي الأخرى و التي تصب في ميدان محاربة الفساد لم تسلم من الخلل الذي يطال كافة مرافق الدولة، حيث من المفترض أن تكون مفتشية الدولة مؤسسة ذات طابع فني يمكنها من أداء عملها بفعالية أكثر من كونها سياسية، و إسناد تلك المهمة إلي شخصية مستقلة ولو نسبيا بدل اعتبارها لجنة من لجان الحزب الحاكم، وتعيين مسؤولة النساء فيه علي رأس تلك المؤسسة، مما يؤدي إلى انعدام ما تبقى من ثقة فيها من قبل المواطنين.

المستوى المعيشي للسكان وهو الشطر الثاني من برنامج رئيس الجمهورية على حد تعبير الحكومة، فهو في تدن فظيع بسبب الزيادة المستمرة للأسعار مع ثبات في مستوى الأجور، في اختلال فاضح لمعادلة التناسب الطردي للأسعار بالأجور، مما يشي بانعدام لأي حس اقتصادي وسخافة في تبرير الحكومة لذلك، وحصر الموضوع في كون الظاهرة عالمية، هذا مع عدم التورع في التبجح بالانحياز للفقراء والفئات الأقل دخلا، وهنا يحق لنا أن نتساءل أيضا عن أي نوع من الانحياز يتحدثون ؟.

والأمر لا يبدو أحسن حال عند الحديث عن استغلال الثروات ونوعية الاتفاقيات المبرمة في مجالها وخاصة الثروة المعدنية، فالقاعدة المتبعة فيها هو ما يعرف محليا ب " تاجر سو "، فمعدن الذهب مثلا رغم غزارة الموجود منه وارتفاع سعر أونصته حاليا في السوق الدولية ومع ذلك لا يتجاوز دخل الخزينة الموريتانية منه ـ إن كان يصل إليها فعلا ـ 3 %، و 4% بالنسبة لمعدن النحاس في الوقت الذي كانت فيه شركة "مينفرما" في الستينيات تدفع نسبة 5% للحكومة آنذاك، ولكن هذه الأخيرة أخذتها الحمية لذاتها ولشعبها وأممتها في العام 1974، فما بالكم بالعقود التي توقع في الألفية الثالثة.

الحديث عن التشغيل ذو شجون، فمستوى البطالة اليوم يتجاوز 31% ، وذلك مع انعدام خطة للتخفيف منها، ودمج حملة الشهادات في الحياة النشطة و البالغ عددهم أكثر من 400 ألف عاطل عن العمل، وخلق برامج لتكوين الشباب الذين لم يتمكنوا من مواصلة تعليمهم، والاكتفاء في هذا المجال حسب تصريح وزيرة الوظيفة العمومية في التلفيزيون مساء الأحد 21 مارس 2011، بالتبجح بتوظيف عدد من حملة الشهادات في دكاكين ما تسميه الحكومة بالتضامن، ولمدة ستة أشهر، وإجراء دورة تكوينية ل120 أخرى بنفس التاريخ المذكور، وإعلان الوزير الأول عن فتح مسابقة لاكتتاب 250 إطار لم ترى النور بعد، وحسب موظف سام فيما يعرف سابقا بالمدرسة الوطنية للإدارة، فإن الأمر لم يصلهم بعد.

وكل هذا في ظل تخفيض لميزانية الاستثمار لهذا العام بنسبة 17% ، مقارنة بالعام الماضي والتي من المفترض أن تساهم في خلق فرص جديدة للعمل. ناسين أو متناسين أن الحرب التي يقومون بها علي الإرهاب تبدأ من القضاء علي البطالة لأنها منبع متجدد وعامل أساسي في إنتاج الإرهاب والإرهابيين .

وتأسيسا على ما سبق وما بقي في الذاكرة مما لا يتسع المقام لسرده، يمكن الوصول إلى نتائج من بينها أن الأنظمة العسكرية المتعاقبة على الحكم تتحد جميعها وتلتقي في نقاط تماس كثيرة وإن اختلفت ظروف الحكم، وأوجه الشبه جلية أكثر إذا تعلق الأمر بمستوى التفكير وسوء التدبير وطريقة الوصول للسلطة، حتى حدا الأمر بالبعض مادام المقام مقام تشبيه إلى أن وصفهم بمن يمارس اللعبة الشعبية المعروفة (ج نسر وأكبظ كسرت وامش، جاو نسرين كبظ كسرتين كيف نسر أكبظ كسرت وأمش.... وهكذا)

وباختصار شديد فإن التجربة علمتنا أن نهاية كل نظام تبدأ مع وجود قناعة لدى المواطنين بزيف وانتهاء مدة صلاحية شعاراته، مما يتيح الفرصة لنسر آخر لأخذ كسرته، وهو ما بدأت بالفعل معالمه تتشكل من خلال ما أوردناه آنفا.

فهل سينجح ولد عبد العزيز في فهم اللعبة ؟ وإدراك أن النتائج المحققة على أرض الواقع لا تتناسب مع حجم التعهدات التي تغيب أحيانا، وهذه ربما تكون الميزة الوحيدة لنظامنا الحالي ( انظر خطاب السياسة العامة للحكومة في مجال الثقافة والشباب والرياضة للعامين 2010 و2011)، وتغيير استراتيجته وفقا لما تمليه المرحلة من متطلبات وما تقتضيه من انفتاح وإصلاحات جوهرية وجذرية وسريعة، وقد لا يكون ذلك من أجل المواطن بالدرجة الأولى ـ إذا كان ذلك يخالف قناعته ـ وإنما لتجنبه لمصير آلت إليه أنظمة أشد منه قوة وأكثر شرعية، ولألا يلجأ يوما إلى القول " ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت" وحينها سيقول النسر المنتظر "كلا"، والأغلبية عودتنا هي الأخرى أن تقول في استعارة لجملة من خطاب الشيطان التاريخي " ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد" والشعب بينهما نريد نريد ولكن.... ، أم أن الأمر ليس مطروحا بهذا الشكل كما نراه ، ومهمة حاكمنا وحكومته الأساسي والذي به يقاس مدى نجاحه من عدمه هو العمل والعمل فقط من أجل أن يقدم أمثلة تطبيقية من الواقع لتساعد البعض في فهم درس في البلاغة كالشبه والمشبه به وأوجهه ..الخ؟ لمن لم يتسنى لهم ذلك بعد.


نقلا عن الأخبار