مشاهدة النسخة كاملة : زلازل متفاوتة القوة \ إبراهيم مرعي


ام خديجة
03-24-2011, 08:22 AM
زلازل متفاوتة القوة


إبراهيم مرعي

لماذا نجحت حركات التغيير الشعبية في تونس ومصر في تحقيق أهدافها، أو هي في سبيلها إلى ذلك، فيما تواجه صراعاً دموياً مريراً في ليبيا واليمن، وتتلمس طريقها في دول أخرى؟

ما يحدث في المنطقة العربية يمكن تشبيهه بالزلزال المتعدد القوة والدرجات، فهو لم يحدث في وقت واحد، وقوته تختلف من بلد إلى آخر، وفقاً لظروف وخصوصية كل بلد ونظامه وتركيبته السكانية وطريقة التعاطي معه، ففي بعض الدول كانت حركات التغيير قوية وقادرة واستطاعت تجاوز العقبات التي واجهتها، فيما لم تكن هذه الحركات في دول أخرى بنفس قوة سابقاتها، كما أن النظام الذي تواجهه يستند إلى قوى متعددة قادرة على المقاومة واستخدام العنف إلى أقصى مدى .

في تونس كان النظام مدججاً بأجهزة الأمن المتعددة التي تم اللجوء إليها واستخدام قوتها القصوى، لحماية نفسه وبطانته الفاسدة، وبمرور الأيام فقدت هذه الأجهزة القدرة على مواصلة وتيرة العنف، ووفر حياد الجيش ورفضه أن يُزَج في الصراع دوراً إيجابياً لمصلحة حركة التغيير الإيجابية، خصوصاً في لحظة تهاوي النظام وإعلان الجيش انحيازه إلى الثورة الشعبية، ولم تسعف النظام التونسي محاولته تخويف التونسيين من مخاطر الإرهاب والتطرف لردعهم عن المضي في انتفاضتهم، إذ أدرك هذا الشعب أن نظام ابن علي توسل هذا الطرح على أمل أن يشكل “بعبعاً” يثني المنتفضين ويرضون بالنظام القائم بديلاً عن “نظام ظلامي” آت .

وفي مصر استخدم نظام حسني مبارك من خلال قوة الأمن المركزي، والقوى الأمنية الأخرى التي كانت تشكل حزام أمان له، القوة بشكل مفرط ضد المنتفضين في ساحة التحرير بالقاهرة، وفي المدن المصرية الأخرى، وعندما أدرك أن القوة الباطشة لن تحقق له هدفه، لجأ هو الآخر إلى التخويف وطرح معادلة “إما أنا وإما الفوضى”، لكنه لم ينجح وظل يناور ويقدم التنازلات التي كانت تأتي متأخرة، أو تفتقد إلى الصدقية .

وكما في تونس، لعب الجيش المصري الذي رفض الانخراط في لعبة النظام الدموية دور صمام أمان للمنتفضين، وتحول في مرحلة جنون النظام عندما لجأ إلى “البلطجية” إلى درع تحميهم، ثم انتقل إلى صفوفهم في لحظة انهيار النظام وعندما لفظ أنفاسه .

لعل السبب في سقوط هذين النظامين خلال فترة محددة ومعقولة، أنه كانت في تونس ومصر “دولة” لها مواصفاتها القانونية والدستورية ومؤسسات ومجتمع مدني، رغم كل محاولات تكريس ديمومة مؤسسة الرئاسة وتأبيدها أو توريثها . . وذلك سهّل من عملية التغيير إلى حد بعيد .

أما في اليمن وليبيا، فالأمر يختلف، فلا توجد “دولة” بالمعنى المتعارف عليه، والمؤسسات فيهما لها معايير ومواصفات ما دون الدولة والنظام . والعلاقات فيهما تقوم على أسس مرتبطة بمصالح ومنافع متشابكة مع السلطة التي هي أيضاً جزء منها . فالولاء للوطن مسألة استنسابية تخضع لمدى ما يشكل الوطن من حاضنة للمصالح أيضاً .

وفي مرحلة احتدام الصراع، فإن القبيلة تلوذ بنفسها وتلجأ إلى قوتها وسلاحها، وربما تتحالف مع غيرها من القبائل وفقاً لتلاقي مصالحها .

النظامان في ليبيا واليمن استفادا من الحالة القبلية هذه إلى الحد الأقصى، واستندا إليها لمواجهة دعاة التغيير، في غياب “دولة فعلية” ومؤسسات ومجتمع مدني، وعملا على التخويف من “حروب أهلية” عمادها القبائل، وتشارك فيها قوى أمنية مدججة بالسلاح تولت رعايتها وتعظيم دورها، وربطتها بها مباشرة من خلال الأبناء والأشقاء والأقارب .

لهذا، فإن قوة الزلزال في ليبيا كانت أشد وأعنف منها في كل من تونس ومصر، ومسار التغيير سوف يكون أكثر قسوة ودموية . . ويخشى من أن مسارات التغيير في دول عربية أخرى، خصوصاً تلك المختلفة الطوائف والمذاهب، ربما تحتاج إلى “تسونامي” قد يغرق البلاد والعباد في بحور من الدم، وليس مجرد زلزال.


نقلا عن الخليج