مشاهدة النسخة كاملة : زمن الثورة : أية رئاسة لرئيس الفقراء؟ (إدومو ولد محمد الأمين)


أبو فاطمة
03-24-2011, 02:43 AM
زمن الثورة : أية رئاسة لرئيس الفقراء؟ (إدومو ولد محمد الأمين)

يبدو أن الحراك الثوري الذي يهز هذه الأيام أركان أكثر من نظام عربي من المحيط إلى الخليج لم يعد غضبة عابرة انتابت شباب تونس إثر إقدام البوعزيزي على إحراق نفسه، و لا رفضا لتوريث الحكم في مصر و اليمن و لا حتى مطالبة بظروف عيش أحسن وعدالة اجتماعية أشمل في البحرين وغيرها، بل تجاوز ذلك فغدا رياح تحرر و انعتاق أصبح من الواضح أن العقول المريضة وحدها مازالت تنكر أنها ستعصف، عاجلا أم آجلا، بكافة الأنظمة العربية. إن أوجه التشابه بين ما حدث في تونس و مصر و ما يحدث في ليبيا و اليمن و البحرين و عمان و غيرها من الدول العربية بادية للعيان: أنظمة عسكرية المنشأ أو ملكية النمط تجثم على شعوبها منذ عقود عدة، تخنق الحريات و تنهب الخيرات و تدوس كرامة الشعوب ؛ نواتها أسر أو مجموعة أسر تحكمت في حياة و ممتلكات الناس ببجاحة تشمئز منها النفوس ؛ أذرعها كتائب أمنية أو ميلشيات تفوق في تسليحها و صلاحياتها الجيوش النظامية ؛ وعقولها المفكرة أحزاب دولة تحصن داخلها ضباط ووكلاء المخابرات بحصانة السياسة و تمنطق فيها رجال السياسة بالبزات العسكرية والأمنية و سخرت لها الدوائر الإدارية و الموارد المالية حتى أصبحت هي الدولة و الدولة هي. برنامج هذه الأنظمة واحد: البقاء في السلطة إلى الأبد. و طريقتها في بلوغ ذلك المرمى واحدة: الاستيلاء على خيرات البلاد وطحن المعارضة طحنا وتحويل الشعب إلى قطيع من الماعز والارتهان للأجنبي. و هناك وجه شبه آخر : قادة هذه الأنظمة التعيسة منقطعون عن الواقع، تعفن تفكيرهم و تحجرت عقولهم و تمطط أملهم في الحياة حتى ظنوا أنفسهم خالدين. فلا بصيرة لهم يدركون بها كنه الأمور و لا عقل لهم يحللون به الأحداث و لا رأفة لهم بشعوبهم التي تئن من الألم. و كلهم في ذلك سواء من الثمانيين الهرمين إلى الستينيين اليافعين؛ سكنهم شيطان السلطة إلى حد الهوس...حتى ظنوا أنهم خلقوا ليحكموا و أن شعوبهم خلقت ليركبوها إلى يوم الدين ! إن واقع دولنا واحد و القوة الدافعة لثورات شعوبنا هي نفسها: شباب متعطش للحرية و الديمقراطية غاضب من أحكام الاستبداد و غطرستها قانط من التغيير بطرق أخرى غير المواجهة مع الحكام عازم على تقمص الشعب و أخذ زمام المبادرة باسمه. فلا يغرن أحدا ما تردده هذه الأيام زبانية النظام الحالي من استبعاد حدوث ثورة شبابية في موريتانيا، قد تجبر محمد ولد عبد العزيز على تقديم تنازلات مؤلمة من أجل الحفاظ على كرسيه أو تجعله يقع في خطأ زين العابدين بن على و حسني مبارك و معمر القذافي وغيرهم من الجبابرة العرب المخلوعين أو الذين في طريقهم إلى الخلع ؛ فيقمع الشعب و يريق دماء لا قبل له بمضاعفات سفكها. كي لا يستمر المطبلون له في الضحك عليه و علينا، نقولها صراحة لمحمد ولد عبد العزيز: بلادنا لا تختلف في شيء عن الدول العربية الأخرى، كما تزعمه بيانات حزب upr المثيرة للشفقة، و ثورتنا لم تحدث في أغسطس 2005 أو 2008 كما يهرج الضاحكون على عقله. إن نظامه، رغم زعم البعض أنه بدأ منذ توليه هو مقاليد الأمور بشكل فعلي، هو في الحقيقة نتاج و استمرار ثلاثة عقود من حكم العساكر ؛ نزعته فردية عاتية و نهجه استبدادي صريح، وطريقة إدارته للبلاد ارتجالية وخطابه شعبوي يتعمد التدليس والتضليل ؛ له زبانية هرمية الشكل شرهة دعائمها من المقربين و لبنها من الحلفاء وذوي المصالح؛ و له كتيبته الأمنية المحكمة التنظيم و التدريب والتسليح ؛ و له حزبه الأخطبوطي الذي تمركز في شتى مفاصل الدولة ودس عيونه في كل مكان كي لا تفوته ظاهرة ولا تخفى عليه خافية. إنه تحكم في كل شيء و استحوذ على كل شي و أغبن مقربيه و مناصريه في كل شيء ؛ إنه أثرى ثلة من الواصلين بظلم الأثرياء و رجال الأعمال الأصليين؛ إنه دمر الاقتصاد و أفقد الآلاف آمالهم في التوظيف؛ إنه همش كفاءات البلد و استبدلها بالموصى عليهم من الفاشلين و المصفقين بالأيدي و الأرجل؛ إنه قزم المعارضة و جعلها تدور في حلقة مفرغة من العدمية اليائسة و التهافت السخيف ؛ إنه قوض القوانين و دجن العدالة و أفرغ البرلمان من محتواه وحول قطاع التعليم إلى مهزلة ؛ إنه أسقط وسائل الإعلام إلى قاع القاع...إنه يحمل أوزار و مساوئ كافة الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على البلاد منذ يوليو 1978، و لم نفلح في العثور له على واحدة من إيجابيات أي منها... إنه يشبه الأنظمة العربية التي سقطت و تلك الساقطة إن شاء الله في كل شيء. والآن و قد نهض الشباب و بدأ يعتصم و يحتج و يردد شعارات إخوته في تونس الخضراء و أرض الكنانة الخالدة و ليبيا الصامدة، و خرج التلاميذ و أهاليهم يطالبون بالماء الشروب و خفض الأسعار، فعلى هذا النظام أن يعلم أي منقلب سينقلب، لأن الشعب الموريتاني، كباقي الشعوب، لا يعرف المستحيل. وما زال أمام محمد ولد عبد العزيز ثلاث خيارات للتعامل مع هزات نشاهد اليوم قوتها و هوان الزبانية الأسرية و المصلحية و الكتائب الأمنية و الأحزاب الأخطبوطية أمامها : - أن يجاري الزمن و يرضخ لمتطلبات المرحلة فيبادر إلى إصلاحات جوهرية، بعضها صعب مثل مراجعة الذات بموضوعية و تغيير النهج و الأسلوب و المطامح والحاشية... و بعضها أسهل مثل الحوار مع المعارضة و الوفاء بالالتزامات و مواءمة الفعل مع الكلام و الكف عن ظلم الآخرين وعن تبديد مقدرات البلاد... في هذه الحال، سيصبح رئيسا دستوريا لموريتانيا أخرى، مغايرة تماما لموريتانياه الجديدة الحالية ذات الوجه اليانوسي المتناقض ؛ خطابها يفتح أبواب الأمل و فعلها يسدها الواحد تلو الآخر؛ - أن يعيد إلى الشعب الموريتاني مأموريته و يترشح لميزة رئيس سابق، يذكر له مساندوه عدم إقحامهم في معركة لا محالة خاسرة و ستر عورات نظامهم تحت زهور انتقال سلمي للسلطة مازال بإمكانه هو، حتى الآن، تحديد وقته و آلياته و حتى سقفه؛ رئيس سابق يستحي معارضوه من نبش ماضيه و زعزعة تقاعده عرفانا بالجميل و تكريما من الأمة ؛ - أن يحاول الوقوف أمام تيار التغيير الجارف و يتمادي في نهجه الحالي و سيصبح، عاجلا أم آجلا، رئيسا مخلوعا متابعا بدماء متظاهرين و أموال مسروقة و علاقات مشبوهة و غير ذلك من مآسي فقدان "شرعية الحكم". فرؤوس الأنظمة العربية الحاليون، و هو واحد منهم، مُتَغِيِّرون بإرادتهم إلى رئاسة دستورية يرضاها شعبهم أو مُغَيَََّرون أكيدا في الأيام و الأسابيع و الأشهر القادمة إلى رئاسة سابقة أو رئاسة مخلوعة، إما بثورات الشعوب أو بثورات البلاطات و بانقلابات الجيوش. و قد بدأت معاهد الاستطلاع في تحليل المعطيات و استنتجت جدولا لسقوطهم يبدو أن موريتانيا في المرتبة السابعة منه. فأية رئاسة تختار، يا... رئيس الفقراء؟.

نقلا عن السراج الإخباري