مشاهدة النسخة كاملة : من وحي الثورة.. جزاء سنمار (نافذ سليمان)


أبوسمية
03-22-2011, 05:50 PM
من وحي الثورة.. جزاء سنمار (نافذ سليمان)

قديماً قالوا بأن الملك "النعمان الأكبر" أمر رجلاً اسمه "سنمار" بأن يبني له قصراً عظيماً ليس له مثيل، فبنى له بناء يعز على الوصف ؛ وبعد أن أتمه في عشرين عاماً، ورآه الناس وأعجبوا به؛ قال سنمار: إني لو شئت جعلت القصر يدور مع الشمس حيثما دارت، فقال الملك: إنك لتحسن أن تبني أجمل منه؛ فطرحه من أعلى القصر، فضرب به المثل لمن يجزي الإحسان بالإساءة كما قال الشاعر:
جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
لعل ظاهر المثل يشير إلى رجل أبدع في البناء؛ وقدم هدية جميلة لسيده؛ الذي لم يشكره عليها ، بل قابل الإحسان بالإساءة، لكن إذا أمعنا النظر في هذا المثل فإننا نرى فيه مثل أولئك الذين يبذلون جهدهم في خدمة المصالح الخاصة لأهل الشأن والقوة رجاء كسب رضوانهم والاستفادة من جود عطائهم، حتى إذا استنفدوا جهدهم وظنوا أنهم قد وصلوا إلى مبتغاهم؛ إذ بأسيادهم يقلبون لهم ظهر المجن ، ويضحون بهم ويجعلونهم كبش فداء ليتقوا غضب الشعوب أو ليجملوا وجههم القبيح أمام دعاة الحق والحرية.
إن هذا المثل الذي أوردناه إنما يأتي في السياق الطبيعي لمصير أولئك الحكام الذين باعوا ضمائرهم لإرضاء أعدائهم واشتروا وهماً زائفاً بأنهم باقون في الحكم تسندهم القوة الكبرى، حتى إذا استيقظت شعوبهم تبحث عن حريتها، وتنفض غبار الذل عنها، بقوا وحدهم يواجهون مصيرهم المحتوم، والأدهى من ذلك انقلاب الحليف الوهمي إلى متواطئ ضدهم، يقف إلى جانب مطالب الثوار الأحرار.
إن التاريخ يحدثنا عن أمثلة كثيرة وعديدة في الماضي والحاضر لأولئك الذين لم يعتبروا بمن سبقهم ولم يستيقظوا إلا بعد أن تصطدم رؤوسهم بصخرة الثورة، وحينها يقولون آمنا بحق الشعب في الحرية والعدالة، ولكن ولات حين مندم؛ فلم يعد ينفعهم قولهم كما قال تعالى: "وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (الأنفال،48).
هذا ما حدث لأبي عبد الله الصغير –آخر ملوك الأندلس- حين رضخ لشروط "إيزابيل" –ملكة الفرنجة- المذلة؛ فرهن ابنه وبعض الفرسان عندها، ودفع لها من الذهب الكثير لإرضائها وإبقائه في الحكم، ورغم تعهدها له بذلك؛ إلا أنها نقضت هذا العهد وهاجمته وأسقطت حكمه فجلس يبكي على مصيره، فمرت به أمه وقالت له: ابك كما تبكي النساء على ملك لم تحفظه حفظ الرجال.
وكذلك ما حدث للشريف "حسين" قائد ما يسمى بالثورة العربية الكبرى، التي قامت ضد الخلافة العثمانية بمساندة بريطانيا وفرنسا، حيث تعهدا له بأن يكون خليفة للعرب بعد القضاء على العثمانيين، لكنهم نقضوا عهدهم؛ فخلال هذه الحرب الآثمة أعطوا اليهود وعد بلفور عام 1917، وتقاسموا السيطرة على البلاد العربية بما سمي باتفاقية "سايكس بيكو" ، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها؛ وبدل أن يعطوه ما وعدوه، قدموه للمحاكمة في جزيرة قبرص بتهمة أخذ أموال الناس لتمويل الحرب ، وكانت امرأته أحد الشهود ضده مما أصابه بسكتة دماغية توفي على إثرها في تلك الجزيرة.
وتتكرر الشواهد مع شاه إيران الذي كان يمثل شرطي أمريكا في المنطقة، كيف تركته أمريكا وحيداً أمام غضبة الثورة الإيرانية، وقد فعلت (إسرائيل) نفس السيناريو بحلفائها مثل "أنطوان لحد" في جنوب لبنان؛ حين خرجت دون أن تعلمه وتركته وجنوده لقمة سائغة للمقاومة،وكذلك " أبو عمار" –رحمه الله- رغم ما قدمه من تنازلات ووقوفه ضد المقاومة الفلسطينية؛ إلا أنه بعد أن اكتشف الوهم الذي يسير فيه من سراب المفاوضات فحاصرته (إسرائيل) ودست له السم فقتلته.
واليوم يتكرر نفس المشهد فهاهو "زين العابدين بن علي" ؛ يهرب من تونس دون أن يجد له ملجأ عند حلفائه "فرنسا وأمريكا"، وكذلك "حسني مبارك" تقف أمريكا ضده وتطالبه بالتنحي؛ بعد أن أيقنت أن الثورة الشعبية لامحالة ستصل لهدفها.
ثم العقيد القذافي؛ والذي يخوض معركة يائسة مع شعبه، قد تخلى عنه كل حلفائه رغم تصريحه أنه يحرس مصالح أوروبا وأمريكا و(إسرائيل) في المنطقة، وحتماً سيلحق برفيقيه السابقين وتطوى صفحته مذموماً مدحوراً.
إن جميع هذه الشواهد التاريخية لتؤكد حقيقة واحدة أن الرهان على أعداء الأمة رهان خاسر، وأن الرهان على الشعوب هو الرهان الرابح، فليتعظ كل الولاة والمسؤولين بهذا الدرس وليرجعوا إلى أحضان شعوبهم، يتفانون في خدمتها حتى ترفعهم إلى عليين، وتكتب اسمهم في الخالدين.
ولا يزال حديث الثورة يلهمنا الدرس تلو الدرس فإلى مزيد.

نقلا عن المركز الفلسطيني