مشاهدة النسخة كاملة : تعديل الدستور المغربي على المحك


ام خديجة
03-18-2011, 08:56 AM
تعديل الدستور المغربي على المحك


http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2011/03/16/146458.jpg

الرباط - حكيم عنكر:

بدأت لجنة مراجعة الدستور المغربي عملها، بعد أن أعلن عن تشكيلتها الكاملة، وأسندت رئاستها إلى الخبير القانوني محمد المنوني، كما اشتملت عضويتها على عدد من الخبرات المغربية العالية في مجال القانون الدستوري والعلوم الاجتماعية والقانونية وحقوق الإنسان، ما يمنحها قوة علمية ورمزية عالية، يجعلها أول لجنة علمية مغربية تضع بأنامل مغربية صرفة وثيقة القانون الأسمى للبلاد .

ولكن، هل هذا وحده كاف للتهليل للجنة والترحيب بالقرار الذي اتخذته السلطات العليا في البلاد، والقاضي بالخروج من عنق الزجاجة، ومباشرة الإصلاحات التي شكلت في جزء منها أرضية قامت عليها “حركة 20 فبراير” الشبابية، واعتبرتها الأحزاب السياسية التي كانت تبعث من الحين والآخر بمذكرات إلى القصر، إصلاحات كافية لأنها تجيب على وضعية دستورية جديدة تحتاجها الحياة السياسية المغربية، كي يعود إليها بعض النشاط المفقود، وحتى تخرج من البركة الراكدة التي طالتها منذ دخول تجربة التناوب التوافقي إلى الثلاجة، وفشل إقناع مربع السلطة في البلاد بالدخول في جيل جديد من الإصلاحات؟

على المستوى النظري الصرف فإن التعديلات الدستورية، وحتى كتابة دستور جديد من الألف إلى الياء، لا تحتاج من الخبراء المتمرسين في القانون الدستوري، إلا بضعة أيام من العمل، لكن الجانب الشائك في المسألة، هو الفلسفة القانونية أو ما يسمى فلسفة الدستور، والتي حتى مع القيم الكونية الموحدة وحقوق الإنسان، فإن الخصوصيات المحلية تظل هي المميز الأساسي لدستور بلد معين على الآخر انطلاقا من الخصوصيات المحلية والثقافية والجغرافية، وأيضا بالنظر إلى التدرج الدستوري والإصلاحات السابقة والوضع السياسي، وطبيعة النظام السياسي وحالات التطور الذاتي التي عرفها هذا النظام .

وفي الحالة المغربية، فإن الدستور المغربي، الذي وضع في سنة 1962 يعتبر من الناحية القانونية والدستورية، دستوراً متقدماً، لأنه وضع في فترة أساسية من تاريخ البلاد، فهي الفترة التي عرف فيها المغرب، قبل سنة، انتقال السلطة من ملك الاستقلال محمد الخامس، إلى ابنه، الملك الشاب آنذاك، الملك الحسن الثاني، والذي كان يواجه رفاق أبيه في النضال من أجل الاستقلال، والذين كانوا يملكون تصوراً معيناً لدولة الاستقلال، ولهم علاقة عاطفية بملكية محمد الخامس، فهم من وقف إلى جانبه للعودة إلى العرش، وهو أيضاً من منحهم نوعاً من الشرعية ومصداقية النضال لإخراج المستعمر، وبالتالي كان الرهان المتبادل هو بناء نوع من الملكية التشاركية، قريبة في مفهومها اليوم من الملكية البرلمانية، حيث الملك يسود ولا يحكم، ويتدخل كحكم في الحياة السياسية، ويشتغل ضمن سلطات محددة دستورياً، بحيث تعمل الحكومة بشكل مستقل في علاقة مع السلطات الأخرى، ويكون الوزير الأول مؤسسة قائمة الذات لا يتلقى الإملاءات من أي جهاز آخر .

وربما هذا الاتفاق غير المكتوب بين القصر والقوى الوطنية، هو الذي جعل الأمور تمضي بسلاسة في البداية، قبل أن تتحول إلى مواجهة بين الملك الحسن الثاني ورفاقه في زمن التحرير .

مواجهة بين الحسن الثاني لم يشفع وضع دستور 1962 في إطفاء نارها، رغم أن هذا الدستور الذي وضع في سياق انتقالي، حيث الملك الطموح والذي يتجاوز طموحه الداخل ويتطلع إلى حجز موقع مميز للمغرب في الخارج بالعمل على واجهة السياسة الخارجية، وفي الوقت نفسه، هناك رموز الأحزاب التقدمية، وبخاصة حزب القوات الشعبية، وحزب الاستقلال، اللذان كانا في حالة صراع مرير لإرساء تعددية سياسية وحزبية، وفي تضارب تام للمصالح حول من يحكم إلى جانب الملك الشاب، لكنه الأكثر تمرساً لأنه عايش الجيلين ويريد أن يبني لنفسه ونظامه وضعاً خاصاً سيطلق هو عليه النظام الحسني، في اختلاف تام عن الملكيات التي كانت سائدة وبالأخص الملكيات العربية .

رهانات جديدة

حسب فقهاء القانون فإن نص دستور1962 يعتبر من ناحية بنيته وصياغته ومواده دستوراً متقدماً، وبداية تأسيس لملكية برلمانية، توقفت في سنوات حالات الاستثناء، في السبعينات، والتي تأرجح فيها كرسي العرش بسبب محاولتين انقلابيتين فاشلتين، ومواجهات مفتوحة مع قوى اليسار، كانت نتيجتها مرور المغرب من مرحلة “سنوات الاعتقال والرصاص” دامت لأكثر من ثلاثين سنة وكانت نتيجتها ضياع فرص تنمية حقيقية على المغرب وتأخر في الدخول إلى النادي ديمقراطيات الناشئة من أوسع الأبواب .

وأدرك الملك الراحل متأخراً أن إفراغ الحياة السياسية، أكبر خطر يتهدد البلاد، بعد خطر اقتصاد الريع، وكان تقرير البنك الدولي الشهير، الدافع الحيوي الذي جعل الملك الحسن الثاني يدرك أن الخطر القادم لا يأتي من المعارضة، ولكن من الفساد الاقتصادي والمالي والسياسي، لذلك أطلق مقولته الشهيرة أن المغرب مهدد بالسكتة القلبية، ليبدأ سلسلة اتصالات مع أحزاب الكتلة ستنتهي بالتعديلات الدستورية في سنة ،1996 والتي شكلت الباب لحصول اتفاق بين الاثنين من أجل تشكيل حكومة التناوب بقيادة رئيس الوزراء الأسبق عبدالرحمن اليوسفي في ،1998 وفي السنة التي تليها يتوفى الملك الحسن الثاني، وينتقل العرش إلى الملك محمد السادس بسلاسة مذهلة، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة من حياة ملك شاب دفع في بداية حكمه بالحركة الإصلاحية إلى مداها، لكن هذا المد الإصلاحي سيعرف بطأ بعد خروج اليوسفي صاحب التعاقد الرمزي مع الحسن الثاني، وابتعاد الحكم عن ما سمي وقتها “المنهجية الديمقراطية” في تعيين رئيس الوزراء من الحزب الأغلبي، واعتبر تعيين وزير تكنوقراطي في منصب رئيس الوزراء خروجاً على المنهجية الديمقراطية ونهاية لتجربة التناوب، ما انعكس سلبياً على الحياة السياسية، وكانت النتيجة تسجيل حالات مشاركة كارثية في الإقبال على مكاتب التصويت، وهي رسالة جرت قراءتها بسرعة، ليعين رئيس الوزراء من الحزب الأغلبي، ولكن الوقت كان قد فات، وتحولت الساحة السياسية إلى حلبة مفتوحة، وبالأخص بعد دخول فاعل سياسي إلى المجال الحزبي، متمثلاً في “حزب الأصالة والمعاصرة”، الذي أوجد الحدث عندما احتل صدارة النتائج في الانتخابات الجماعية، مما جعله يشرف على تسيير مدن كبيرة، وهذا ما جرّ عليه انتقادات لاذعة من قبل خصومه السياسيين .

وفي ظل تسارع الأحداث انتهت الحياة السياسية في المغرب إلى حالة من العبث وتصفية الحسابات، دعت معها الضرورة إلى فتح ورش إصلاح جديد، وزادت ثورات العالم العربي من تسارعها، ليتخذ الملك محمد السادس قرارا بإجراء تعديلات دستورية، اعتبرتها أمريكا وأوروبا قرارات في غاية الأهمية، ولكن ما طبيعة هذه التغييرات، وهل يمكن أن تعيد تنشيط الحياة السياسية، أم أن المغاربة يحتاجون إلى شيء آخر، زيادة على وثيقة دستورية جيدة؟

الثوابت والمتغيرات

مما لا شك فيه أن المشاورات التي تجري الآن مع الأحزاب والنقابات والمنظمات الشبابية، ستضع النقاط على الكثير من الحاجيات الدستورية، لكنها في الوقت نفسه، مجبرة على أن تجري في إطار من المرجعية، التي تتمثل في الدستور الحالي، وهي مرجعية تمضي في اتجاه كما جاء في خطاب الملك محمد السادس، ناحية منح صلاحيات التسيير الحكومي للحزب الأغلبي ولرئيس الوزراء، الذي سيكون عليه هذه المرة أن يختار تشكيلته الحكومية، بما في ذلك وزراء السيادة، ويعرضها على الملك الذي يوافق عليها . في حين أن الأمر كان يجري في السابق على وتيرة أخرى، حيث يعين الملك رئيس الوزراء من الأغلبية أو من خارجها، ويكلفه بتشكيل الحكومة، عدا وزارات السيادة، وهي الداخلية والخارجية والعدل والأوقاف والشؤون الإسلامية التي يحتفظ الملك بحق تعيين الشخصيات التي يختارها لشغلها، ويعرض رئيس الوزراء مقترحه ليجري تشذيبها مرات قبل أن تخرج إلى العموم .

وكان هذا الترتيب إعلاناً منذ البداية على الصلاحيات الدستورية المحدودة لرئيس الوزراء، الذي يكون بصدد إدارة حكومة جزء من وزرائها خارج سلطته، لكن مشروع التعديل الجديد يمنحه هذه الصلاحية ويضيف إليها صلاحيات جديدة، من بينها حق التعيين في الوظائف العليا مثل المديرين والكتّاب العامين للوزارات الذين كانوا يعينون في السابق من طرف القصر الملكي، كما سيصبح من صلاحياته تعيين مديري المؤسسات المالية والاقتصادية العمومية الكبيرة في البلاد، والإشراف مباشرة على الإعلام العمومي .

كما سيمنح للمجلس الحكومي صلاحيات واسعة، ففي الدستور الحالي لا يعد مجلس الحكومة مؤسسة دستورية، في حين سيصبح بمقتضى الدستور المقبل مؤسسة دستورية، وسيكون من صلاحياته أن يحدد السياسة الخارجية والداخلية للبلاد، بينما سيصبح المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك مكلفاً فقط بالتداول في القرارات الكبرى كإعلان الحرب أو حالة الاستثناء أو الحصار أو حالات مشابهة .

لكن الخطاب الملكي الذي رسم ملامح الدستور السابق، وأعلن التعهد بإجراء انتخابات نزيهة ومنح صلاحيات واسعة في إطار الجهوية الموسعة للجهات التي سيجري تقليصها من 16 جهة إلى 12 في المشروع الجديد للجهوية الموسعة، بالإضافة إلى ضمانات واسعة لاستقلال وزارة العدل والمجلس الدستوري، بالإضافة إلى جعل الولاة والعمال تحت سلطة رئيس الوزراء ونزع الوصاية التي كانوا يمارسونها في السابق على رؤساء الجهات، ومنح هؤلاء سلطة التدبير والتسيير، كل هذه المشاريع التي يحفل بها الدستور قيد الإعداد، تدفع إلى القول إن المغرب سيكون أمام دستور جديد، يدخل به إلى الإصلاحات الكبرى التي هو مقبل عليها .

ولكن هذه الفصول التي ستظل ثابتة في وثيقة الدستور المقبل، وهي كالتالي:

* الفصل التاسع عشر

الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة .

* الفصل العشرون

إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سناً من ذرية جلالة الملك الحسن الثاني، ثم إلى ابنه الأكبر سناً وهكذا ما تعاقبوا، ما عدا إذا عين الملك قيد حياته خلفاً له ولداً آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سناً، فإن لم يكن هناك ولد ذكر من ذرية الملك فالملك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر .

* الفصل الحادي والعشرون

يعتبر الملك غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة السادسة عشرة من عمره، وإلى أن يبلغ سن الرشد يمارس مجلس الوصاية اختصاصات العرش وحقوقه الدستورية باستثناء ما يتعلق منها بمراجعة الدستور، ويعمل مجلس الوصاية كهيئة استشارية بجانب الملك حتى يدرك تمام السنة العشرين من عمره .

يترأس مجلس الوصاية الرئيس الأول للمجلس الأعلى ويتركب، بالإضافة إلى رئيسه، من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين ورئيس المجلس العلمي الإقليمي لمدينتي الرباط وسلا وعشر شخصيات يعينها الملك بمحض اختياره .

قواعد سير مجلس الوصاية تحدد بقانون تنظيمي .

* الفصل الثاني والعشرون

للملك قائمة مدنية .

* الفصل الثالث والعشرون

شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته .

وخارج هذا فإن النقاش مفتوح وباب الاجتهاد لا يحده عائق حتى إن تعلق الأمر بمزيد من الشروط في موضوع ضمان حقوق اللغات المحلية كالأمازيغية.


نقلا عن الأخبار