مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا واحتفالات الأول من مارس.. و تحطم الهوية على صخرة الارتجالية


ام خديجة
03-17-2011, 07:03 AM
موريتانيا واحتفالات الأول من مارس.. و تحطم الهوية على صخرة الارتجالية

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__pic_1098.jpg

بقلم: سليمان ولد محمد فال

لربما كان فاتح مارس لهذا العام يوما عاديا في الحياة الثقافية الوطنية تماما كما هو عاد في يوميات أولئك الذين لا يعرفون ما دلالته أو حتى إن عرفوا لا يحتفلون.

غير أن من استرجع شريط ذاكرته إلى نفس اليوم من العام الماضي، سيتذكر دون شك أنه ذات اليوم الذي احتفلت فيه بلادنا لأول مرة على غرار دول الجامعة العربية بيوم اللغة العربية، بل إن الدولة الموريتانية جعلت من هذه المناسبة حدثا استثنائيا عاشته البلاد على مدى أسبوع حافل بالأنشطة والتظاهرات، ولم يكن الخطاب "التاريخي" للوزير الأول المتباكي لحال اللغة العربية وما وصلت إليه من إهانة وتراجع، والمذكي لجذوة الحماس الوطني للغة الدين والهوية، اللائم لكل المفرطين في هذه اللغة والواصف لهم بأن هوياتهم الوطنية ناقصة بل ومنعدمة ما لم تكن اللغة العربية لغة الإدارة والدولة، لم يكن ذلك الخطاب "الاستعطافي" السمة البارزة لتلك الاحتفالات بقدر ما كانت الندوات التلفزيونية والإذاعية وأنشطة الجامعة والمدارس والثانويات ونادي اليونسكو الثقافي الموريتاني وقصائد حافظ ابراهيم على لسان تقي الله الأدهم ... إلخ ، برنامج ثقافي وفكري مشحون طيلة الأسبوع الأول من مارس العام الماضي وحماس رسمي منقطع النظير ترجمه عمليا رفض الوزير الأول خلال مؤتمر صحفي ترجمة مداخلته إلى اللغة الفرنسية عندما طلب أحد الصحفيين ذلك.

كل ذلك الجهد أوحى للموريتانيين بأن شيئا جديدا ما بدا يلوح في الأفق اتجاه إعادة الإعتبار للغة الضاد والإعلاء من شأنها سيما لدى الجهات الحكومية التي طال ما تجاهلتها وآذتها أي ما أذية، غير أن تلك الأنشطة والتظاهرات على تعددها وثرائها لم تكن لتعطي الفرصة للمهتمين حتى يصدقوا ما حدث، فجاء صوت من داخل الحكومة بل من هرم منظومتها التعليمية نافيا وشاجبا أية نية لدى الحكومة في التعريب ومؤكدا بأن اللغة الفرنسية ستحتفظ بحضورها كلغة للإدارة والعمل ، قالها أحمد ولد باهيه وزير التعليم الثانوي والعالي حينها أمام طلاب الجامعة فأثار ذلك سخطهم ولعناتهم وشهدت الجامعة أحداث مؤسفة بين المطالبين بالتعريب ومناهضيه طالب "المفرنسون" باعتذار الحكومة عن ما أعلنته على لسان وزيرة الثقافة ونددوا بكلام الوزير الأول وأكدوا أن لا بديل عن الفرنسية ، استجابت الحكومة على عجل وطمأنتهم بأن لا جديد وبأن موريتانيا قبل الأول من مارس هي نفسها موريتانيا في اللحظة التي كان يتحدث فيها ولد باهيه ... إذن فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

الشق الثاني من الطلاب المطالب ليس بالتعريب وإنما باحترام وتطبيق الدستور، ندد بكلام وزير التعليم وطالب - ومعه القوى السياسية- بإقالته فعينه رئيس الدولة في أعلى مراتب الوزراء مزاحما حتى الوزير الأول (المحب للتعريب)، ليؤكد الرئيس بذلك فعلا أن لا نية للتعريب بل أن لا قيمة للتعريب ولا للمنادين به .

كان ذلك العام الماضي أما في فاتح مارس من السنة الجارية فلم تكتف الحكومة فقط بإلغائه من أجندتها وتفكيرها وإنما لاحقت الأنشطة غير الحكومية المخلدة له وفرضت تعتيما إعلاميا محكما حول الحدث و"أفتت" وسائل إعلامها بحرمة الحديث ولو بالتلميح عن تلك المناسبة واستنفرت وزارة الثقافة كافة وسائلها وطاقمها لتطبيق "حظر البث" على كل مادة تتعلق بيوم اللغة العربية فلم يستطع التلفزيون والإذاعة على رغم إستعداد طواقمهم للموضوع اختراق ذلك الحظر ؛

ووسط غياب مطلق لأي تفسير أو تبرير لسلوك الوزارة المهين والمحتقر للهوية والكرامة الوطنية ولثوابت وتاريخ الشعب الموريتاني ، يبقى التكهن والتحليل والافتراض الملاذ الأخير للحصول على إجابة لما حدث، "فالصندوق الأسود" لفاتح مارس هذا العام لم يعثر عليه بعد ، وفي انتظار ذلك قادني الفضول لحضور ندوتين فكريتين نظمهما نادي اليونسكو الثقافي الموريتاني كانت الأولى يوم فاتح مارس في المتحف الوطني، ورغم الحضور الرسمي والقيمة الفكرية للندوة بثراء مواضيعها ونوعية مؤطريها، لم تجد سبيلا للتغطية الإعلامية، مما أثار سخط المحاضرين الذين اعتبروا ذلك قمة الاستهزاء والتنكر للحدث. فالتلفزة الوطنية في نشرتها لذات اليوم كانت تعوزها المادة الإخبارية حتى أنها لجأت إلى ملفات ومواضيع معدة سلفا واستطلاعا لآراء الشباب المعتصمين في ساحة أبلوكات ... إلخ .ومع ذلك لم يقدها فراغها وفقر مادتها إلى إضافة خبر حول الندوة.

ويوم السابع من مارس حضرت ندوة أخرى كانت بعنوان اللغة العربية إلى أين ؟ نظمها نفس النادي في ما أعتبره اختتاما لأسبوع اللغة العربية الذي لم يحفل به غيره !!!، كانت الندوة كسابقتها محاصرة معزولة في قاعة صغرى باللجنة الوطنية لليونسكو، وعند سؤالي أحد أعضاء النادي عن تفسيرهم لعدم العناية الرسمية بيوم اللغة العربية هذا العام أجاب:(... نحن لسنا معنيون بالعناية الرسمية ولا نرتب أنشطتنا حسب اهتمام الحكومة وأولوياتها.. هذا اليوم مقرر في برنامج أنشطتنا السنوية ومثلما فعلنا العام الماضي نحن ننظم هذه الأنشطة وحضور الإعلام أو غيابه لا يشكل قيمة مضافة ولا يغير من شيء بالنسبة لنا...).

غير أن المتدخلين من أساتذة وإعلاميين كان لهم رأي مغاير فلم يجدوا فيما حدث إلا إهانة مكشوفة وارتجالية واضحة في اهتمامات الحكومة، واستغربوا أن تكون في موريتانيا وزارة للثقافة وهي تستخف بأسس ومقومات الثقافة الوطنية وهي اللغة العربية...!

المصادر الشحيحة حول السر وراء هذا التخليد الباهت تفيد بأن إرادة لدى وزيرة الثقافة الحالية تقف وراء إلغاء الاحتفال بهذه المناسبة على خلفية ما واجهته من انتقادات العام الماضي، ومصادر أخرى تشير إلى أن ثمة خلاف داخلي بين ذات الوزير والأمين العام للجنة الوطنية للتربية والثقافة و العلوم الذي كان قد أدلى بانتقادات حادة للنظام الحالي وأعرب عن دعمه "لثورة شباب الفيسبوك" فيما تذهب بعض المعلومات إلى أن قرارا رسميا اتخذ بعدم الاكتراث لهذا الحدث.

وفي خضم هذا السجال اللامتناهي يبقى الشعور والانطباع العام لدى المتتبع والمراقب هو أن اللامبالاة والارتجالية صارت تطال حتى هوية البلد وقيمه الثقافية والحضارية، فإلى أين المفر؟


نقلا عن الأخبار