مشاهدة النسخة كاملة : مزيد من التطبيع مزيد من التفريط


أبو فاطمة
02-14-2010, 09:39 AM
مزيد من التطبيع مزيد من التفريط

أسامة عبد الرحمن



التطبيع قائم بين بعض الأقطار العربية والكيان الصهيوني، وهو تطبيع يواجه معارضة شعبية في كثير من الأحيان. وهذه المعارضة.. معارضة قوية على الصعيد الشعبي رغم مرور عقود على معاهدات السلام مع الكيان الصهيوني.

ولكن رغم ذلك فإن التطبيع حاضر. والتطبيع ليس تطبيعاً سياسياً فحسب، لكنه تطبيع سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي. ويبدو أن البعدين السياسي والاقتصادي هما الأساسيان، وهما محور اهتمام الكيان الصهيوني. ولعله في البعد الاقتصادي وهو مهم للكيان الصهيوني، فإنه مع عدم وجود معاهدات سلام بينه وبين العديد من الأقطار العربية، وعدم وجود تطبيع، فإنه قادر على الاختراق من خلال طرف ثالث، أو أطراف لحضور منتجاته في أسواق هذه الأقطار ويربح من وراء ذلك كثيراً، وربما يصل ما يربحه إلى مئات الملايين من الدولارات، وهذه مسألة معروفة وقد تناولتها دراسات أوضحت أن المردود المالي للكيان الصهيوني من هذا الاختراق للأسواق العربية كبير. غير أن الكيان الصهيوني يطمح إلى التطبيع المفتوح الذي لا يضطره إلى الاختراق، وفي الوقت نفسه يتيح له فتح الأسواق على مصاريعها لمنتجاته.

ومع أن البعد الاقتصادي من أكثر الأبعاد أهمية في التطبيع، فهو ليس اقتصادياً محضاً، ولكن البعد السياسي يبدو أنه الأكثر أهمية حيث إنه يمثل المظلة الرسمية التي تلتقي فيها الأبعاد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها. ثم إنه البعد الذي يتمثل في صنع القرار، وهو الذي يتحكم إلى حد كبير في مسار التطبيع على كافة الأبعاد، وهو الذي يضمن بقاء التطبيع واستمراره رغم أي حملة شعبية مهما كانت عازمة ضد التطبيع.

ومعروف أنه بجانب الأقطار العربية التي وقعت معاهدات سلام مع الكيان الصهيوني والتطبيع بينها وبينه قائم، فإن أقطاراً عربية أخرى لها علاقات تجارية مع الكيان الصهيوني من خلال وجود مكاتب تجارية له في هذه الأقطار، وهذا ما يوضح أهمية البعد الاقتصادي في التطبيع، وربما هيأ هذا البعد الاقتصادي الطريق لتطبيع أبعد مدى، كما أن العديد من الأقطار العربية ألغت المقاطعة من الدرجة الثالثة والثانية بعد أن كان شعار المقاطعة هو الغالب على كافة الدرجات، ولكن هذا الشعار يبدو أنه تراخى كثيراً بعد توقيع مصر معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، وبعد طرح السلام خياراً استراتيجياً من قبل النظام الرسمي العربي. والولايات المتحدة سبق أن مارست ضغطاً على بعض الأقطار العربية لإلغاء المقاطعة من الدرجة الثالثة والثانية، وهي تدعو إلى التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني باعتبار ذلك حافزاً له على السعي للسلام بدلاً من أن يكون التطبيع مقابل انسحاب كامل من الأراضي المحتلة عام 1967، وهو ما تؤكد عليه المبادرة العربية للسلام.

ومع أن التطبيع مقابل السلام، وهو في حد ذاته أقل من الحد الأدنى للمطالب العربية والفلسطينية على وجه الخصوص، فإن القبول بالتطبيع قبل تحقيق السلام هو إلغاء واحد من أهم المضامين في المبادرة العربية للسلام، أو إفراغ المبادرة من مضمونها، مع أن حق العودة للاجئين يظل محوراً أساسياً. وإذا تم التطبيع قبل الانسحاب الصهيوني من الأراضي المحتلة، فما هي الورقة التي بقيت بأيدي العرب، وكيف يمكن بعد ذلك إلزام الكيان الصهيوني بأي انسحاب فعلي.

إن هناك ارتباطاً موضوعياً وفق المبادرة العربية بين التطبيع والانسحاب، وهما متلازمان، ولا يمكن أن يتم التطبيع دون الانسحاب في إطار المبادرة، مع أن الكيان الصهيوني يدرك أن هناك قدراً من التطبيع على أرض الواقع ومن الممكن أن يبادر لجعل التطبيع واقعاً على كل الأرض العربية. ولعل مناورة الكيان الصهيوني بربط موضوع تجميد الاستيطان بالتطبيع العربي معه، هي قفز على المبادرة العربية وإفراغها من مضمونها، وإلغاء ورقة رئيسية في أي تسوية سلمية، ويصبح التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، كسباً مجانياً له دون مقابل، إذ إن تجميد الاستيطان ووقفه، هو استحقاق مفروض.

صحيفة الخليج الإماراتية