مشاهدة النسخة كاملة : ثوراتٌ ... تؤذنُ بفجْر جديد(خالد أبوعرفة)


أبو فاطمة
03-14-2011, 06:10 AM
ثوراتٌ ... تؤذنُ بفجْر جديد(خالد أبوعرفة)

قل بفضل الله وبرحمته .. فبذلك فليفرحوا
إن أمتنا اليوم تخط ّ بفضل الله ومنته تاريخاً جديداً ، تصنعه على مكثٍ بعونه ورعايته ، وبعد معاناة طويلة ذاقت فيها الأمّة الذلّ والفقرَ والجهلَ والهوان.. وصبرت على هذا كله ، حتى أذن الله بالتغيير.. وعسى الله أنْ يتمم ذلك بالخير فيبدلَ خوفَ الناس أمناً ، وذلهم عزاً ، وضعفهم قوة.. إنه بعباده رحيم ودود .
وسنة الله لا تتحول ولا تتبدل في إهلاك الظالمين وانتزاع ملكهم.. واستبدالهم بآخرين لا يكونوا مثلهم ، .. } وإنْ تتولوا .. يستبدل قوماً غيركم .. ثم لا يكونوا أمثالكم { محمد 38 .
والناسُ في مواجهة هذه الأحداث.. إمّا فئة منشرحة لأمر الله.. وخيرهم صاحبُ همّة مقدام ، وإما فئة متخوفة تخشى الفتنة.. وخير هؤلاء معتزلٌ يدعو إلى العافية والسلامة .
ثم إنّ الله إذا أراد بقوم تغيير فإنه يختار لهذا الأمر منْ يشاء مِنَ الناس والعلماء والأمراء.. ممّن أذن لهم وأعانهم على أنفسهم أولاً وهو الحكيم العليم .. } إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم { الرعد 11 ..
ولكن كيفما كانت مواقف الناس.. فهم ليسوا في غِنىً عن تدبر آيات الله الظاهرة في سنن " التغييرالجماعي" .. هذا التغيير الفريد النادر الذي عادة ما يُسفرُ عن تجديد هذا الدين.. ويُسفرُ عن أقوام ٍشرفهم الله ورفعهم.. فاستخلفهم على البلاد والعباد.. وأورثهم ملكاً وسلطاناً.. وآتاهم من لدنه فضلاً عظيماً ، بينما أخّر أقواماً عدلاً منه وحلماً .. } وربك يخلق ما يشاء ويختار.. { القصص 68.
ومن أياته سبحانه أنه يؤتي الملك لمن يشاء.. ولكن الظالمين لا يتركون الملك طوعاً.. لذا فإنّ الله ينتزعه منهم انتزاعاً.. ويختار جنوداً له ليقوموا بهذا.. } قل اللهم مالك الملك..تؤتي الملك منْ تشاء..وتنزع الملك ممّن تشاء. { آل عمران 26 .
والله تبارك وتعالى يجازي المستضعفين على صبرهم ومعاناتهم خيراً .. } فاصبرْ إنّ العاقبة للمتقين { هود 49 .. } ونريد أنْ نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين { القصص 5 .
والله سبحانه وتعالى لا يُخيّب دعاءَ المضْطرين.. فيكشف عنهم السوء ويستخلفهم .. } أمّن يجيبُ المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض.. أءله مع الله قليلاً ما تذكرون { النمل 27 .
ومن عدله سبحانه وتعالى أنه يقضي بين الناس والسلطان.. إذا ما استبد السلطان وفشى ظلمه .. } إنّ ربّك يقضي بينهم بحكمه.. وهو العزيزُ العليم { النمل 78 . ثم إذا قدّرَ اللهُ تغييراً فيه الرحمة.. منَّ على الناس بسلطان ٍ يرحمهم ويحبونه.. فهذا من تمام فضله ورحمته .. } ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها .. { فاطر 2 .
وإنْ كانت ثوراتُ التظاهر والإحتجاج الواقعة اليوم في بلاد العرب والمسلمين قد بدأت بقيام أناس ٍ بحرق أنفسهم.. وهي لا شك خطايا محزنة.. إلا أننا نرجو الله أنْ يعقبَ ذلك خيراً.. وأنْ يكون مستقبل الأحداث عهد رشد وبركة.. ولنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فألَ خير.. إذ ابتدأت ولايته بفتنة كبيرة حصدت من أرواح المسلمين الكثير.. ثم ما هي إلا بضع سنين حتى كان ملكُ معاوية من الخير والبركة والعدل ما شرح الله به صدر المسلمين.. واستبدلَ لهم مستقبلاً عظيماً بالفتنة التي تركوها خلفهم مستغفرين الله لأنفسهم ولمن شملته الفتنة من إخوانهم . فسبحان الله القائل : } فعسى أن تكرهوا شيئاً .. ويجعل الله فيه خيراً كثيراً { النساء 19 .
وجوب الأخذ على يد الظالم ..
وقد ذمّ الإسلام الظلمَ والفسادَ وقرّع أصحابَهما أشدّ التقريع .. ونهى عن السكوت عن ذلك .. والظلمُ والفسادُ كما قال علماؤنا لا يحتاج إلى أكثر من النصيحة والمسارَرة.. والدعوة بِ "الحكمة والموعظة الحسنى" .. فإذا احتاج الأمر إلى مجادلة فَ "بالتي هي أحسن".. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحثون الناسَ على النصيحة وإبداء مواطن الخلل ويقولون : " لا خير فيهم إنْ لم يقولوها.. ولا خير فينا إنْ لم نسمعها" . وينصحُ علماؤنا بِ "التواصي بالحق والتواصي بالصبر" طالما أنّ الظلم والفساد لا يتعدى أفراداً ومجموعات من الناس.. إذ أنّ أيّ أسلوب يتسِمُ بالعنف أثناء إزالة الظلم سيتسبب حتماً بضرر وفسادٍ أكبرين.. كما حصل عندما ثارت فئة على رئيس مصر الأسبق " أنور السادات" عام 1981 فقتلته .
والناسُ بطبيعتهم لا يثورون إذا اقتصرَ ظلم الحاكم على أفراد أو مجموعات.. ويبقى الناسُ في مصالحهم دهراً طويلاً دون احتجاج أو تظاهر .. مع أنّ الإسلام حذرهم من السكوت على الظلم لأن فتنته ستصيب الناسَ عامة .. } واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة.. { الأنفال 25 .
ولكن إذا ما فشى الظلمُ والفساد فأضر بالبلاد والعباد ، وأصبح عاماً وطاماً ، ودخل الكربُ والفقرُ والعذابُ معظم البيوت ، وصار عموم الناسُ في فتنة } ..والفتنة أشد من القتل .. { البقرة 191 .. وعظمُ الإحساس بالذلّ والعار والمهانة.. وبات الظلمُ والفسادُ أكبرَ من أيّ ضرر قد يأتي من جراء التظاهر والإحتجاج.. عندها ستجد الناسَ قد اندفعوا غيرَ مبالين بشئ من التضحيات.. يخرجون إلى الشوارع والميادين يجأرون ويستغيثون ، ولا يردهم بطشٌ ولا قتلٌ ولا ترهيب.. ساعتها ندركُ أنّ الله قد أذن بالتغيير رحمة بهم ولصبرهم الطويل.. واستجابة لدعوات أراملهم وأيتامهم وشيوخهم وذوي أسراهم وشهدائهم التي ما توقفت منذ عشرات السنين .
ولقد اعتاد الظالمون من الحكام أنْ يفسدوا ويستبدوا كابراً عن كابر .. ويتناقلون بينهم دون وعي ٍ نصائح المستبدين لمن يخلفهم.. كنصيحة الملك الفرعوني "خيتي" لابنه "مريكارع " (نحو 2000 سنة قبل الميلاد) حسب ما ذكر المؤرخون وقال فيها : "إذا وجدتَ في المدينة رجلا خطراً يتكلم أكثرَ من اللازم ومثيراً للاضطراب، فاقض عليه واقتله ، وامحُ اسمه وأزلْ جنسه وذكراه وأنصاره الذين يحبونه.. فإنّ رجلا يتكلم أكثر من اللازم لهو كارثة على المدينة" ! .
يقول المؤرخون : منذ ذلك الأمد البعيد والمصريون مطالَبون من حكامهم بالصمت، ويدعونهم إلى الهدوء والسلبية والسكون، وإلى الخضوع والمذلة والانكسار.
الإسلام ثورة على الظلم والفساد ..
وجاء الإسلام ليعكس هذه المعادلة التي فرضها الحكام الظالمون على مجتمعاتهم .. فقال الله تعالى .. } إنما جَزَاءُ الذِينَ يُحَاربُونَ اللهَ وَرَسُولهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْض فسَادًا.. أَنْ يُقتلوا أَوْ يُصَلبُوا أَوْ تقَطعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفوْا مِنَ الأَرْض.. ذَلِكَ لهُمْ خِزْيٌ في الدُّنيَا .. وَلهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ { المائدة 33
ولم يترك المولى عزّ وجلّ مسألة القضاء على ظلم الحكام وفسادهم هكذا مبهمة .. دون أنْ يبيّنَ على يد من سينفذ الله قدره .. ففي سورة القصص توعّد الله الظالمين المفسدين أنْ يريهم عقابه على أيدي المستضعفين أنفسِهم ، فقال الملك القدوس .. } ونريد أنْ نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.. ونمكنَ لهم في الأرض ونريَ فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون { القصص 5،6 . وفي الآية بيانٌ على أنّ الله تبارك وتعالى يشرف "المستضعفين الصابرين" بمواجهة المفسدين وانتزاع ملكهم ، ومَن أولى منهم بهذا الشرف ؟.. ومن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : " إنّ الله ليُملي للظالم.. حتى إذا أخذه لم يفلته ".. وها نحن نرى بأمّ أعيننا كيف يشرّفُ الله عباده المستضعفين.. فيأخذ اللهُ الظالمَ بأيديهم ويشف صدورَهم منه .
وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمّا رأى الناسَ يسكتون على الظالم ، ويقرأون الآية الكريمة } يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم .. { المائدة 105 قال : أيها الناس إنكم تضعون هذه الآية في غير موضعها ، ثم قال : " إنّ الناسَ إذا رأوْا الظالمَ فلم يأخذوا على يديه.. أوشك أنْ يعمهم اللهُ بعقاب منه" .
ورحم الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه القائل: " لابد للناس من إمارة .. بَرّة كانت أو فاجرة ، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البّرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة ؟ فقال: " يُقام بها الحدود.. وتأمنَ بها السُبل، ويُجاهد بها العدو، ويقسّم بها الفيء".. ترى في أيّ صِنف من الظلم والفساد هُمْ ولاة الأمر اليوم ؟ !
والقاعدة الكبيرة في وجوب التغيير ما جاء في صحيح مسلم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من رأى منكم منكراًفليغيره بيده ، فإنْ لم يستطع فبلسانه ، فإنْ لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". وهذا المنهج في التغيير يؤيده ما جاء كذلك في صحيح مسلم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من نبيّ بعثه الله في أمّة قبلي.. إلا كان له من أمته حواريّون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره.. ثم إنّها تخلفُ من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون.. ويفعلون مالا يؤمرون.. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن.. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن.. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن.. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ". ومعلوم لدى المسلمين أنّ التغيير باليد أو اللسان أو القلب إنما يكون طبقاً لما توجهُ إليه السنة الشريفة.. ويحمل أمانة العمل بذلك ورثة النبوة من العلماء المصلحين.
بل شدد الإسلام على التصدي للظالم وإجباره على التوقف عن ظلمه وفساده .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" .. كلا ، والله لتأمُرُنّ بالمعروف ولتنهَونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم.. ولتأطرُنه على الحق أطراً.. ولتقصرُنه على الحق قصراً.. ".
وقد اختلط الأمرُ على البعض فحرَّموا المظاهرات والإحتجاجات ضد الظلم والفساد لمّا لم يجدوا لهذه المظاهرات (مثالاً) في عهد السلف الصالح رضوان الله عليهم.. وليس ذلك من ضرورات الفتوى ، فا لشرع إذا سكت عن ذكر (التظاهر والإحتجاج والتجمّع وما شابه ذلك).. فإنما سكت لحكمة ورحمة بالناس كما جاء في الحديث.." وسكت عن أشياء - رحمة بكم غير نسيان - فلا تسألوا عنها " .. ويكفي ما تظاهر من الأدلة من تحريض الإسلام على الظلم والفساد وضرورة منعهما باليد واللسان والقلب .
ومن المعلوم بداهة أنّ المسلم لو تعرض لظلم السلطان.. ما جاز له أنْ يخرج عليه أو يتظاهر ضده بقصد خلعه.. ولو بلغ من ظلمه أنْ ".. جلد ظهرك وأخذ مالك " كما جاء في الحديث .. وفي العادة إذا ما ظلم السلطانُ فرداً أو فئة من الناس ، فإنه يكون قد عدل مع باقي الرعية ، وليس من العدل أنْ يُحرم عمومُ الناس عدلَ السلطان بسبب ظلمه لفرد أو فئة ، لذلك وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم قد خاطب الفرد وحده قائلاً :"..ولو جلدظهرك وأخذ مالك" ، ولم يقل : ولو جلد ظهوركم وأخذ أموالكم .. ولكن إذا عمّ الظلمُ والفساد الأمّة أو معظمها فصارت فريقاً.. وصار السلطان وزبانيته فريقاً.. وجب حينئذ الأخذ على يد السلطان وتحقيق مراد الدين من العدل والقسط وإقامة الحدود .. } ..فأيّ الفريقين أحقّ بالأمنْ إنْ كنتم تعلمون ؟ { الأنعام 81 .
حاجة المتظاهرين وحُجتهم ...
· المتظاهرون في بلاد العرب والمسلمين ضد الظلم والفساد لم يخرجهم - على العموم - إلا شدة الضعف المفضي إلى اليأس من عدل السلطان وصلاحه.. فقبل الخروج بيوم واحد كانوا أضعفَ من أن يجرُؤا على شيء.. لكنهم لمّا فاض بهم الكيل وما عادوا يحتملوا - ولا يكلف اللهُ نفساً إلا وسعها - خرجوا كمن يريدُ إحدى الرّاحتين : الموتَ ، أو الحياة في عزّ وأمان ، فاختاروا الثانية. والله سبحانه وتعالى يقول : } ولمَن انتصر بعد ظلمه.. فأولئك ما عليهم من سبيل { الشورى 41 .
· وهؤلاء المتظاهرون في الميادين والساحات في وجه الظلم والفساد.. الذين يأتون من كل حدب.. ومن ألوان شتى.. منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.. أتوا يقولون لوليّ أمرهم } قولاً ليناً لعله يذكر أو يخشى { .. أتوا ينشدون ما حُرموا منه ممّا أنعم الله عليهم } .. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف { ، ويطلبون الطعام بدل الجوع والأمن بدل الخوف .
· ويرجون رفع الظلم عن أنفسهم .. وينشدون العدل الذي منعهم إياه المفسدون.. ويطلبون حقهم وحق أبنائهم في المشاركة في الرأي والمشورة التي أكرمهم الله بهما. ولقد بلغ من هوان الناس وحرمانهم من أمنهم وأمانهم أنهم بكوا وهم يقرأون رسائل أرسلت إليهم عبر أجهزة الهواتف تقول : ( أخي المواطن العزيز: منذ اليوم هذه بلدك أنت.. لا تخش أحداً إلا الله.. لا تسكتْ على تقصير تجده في أيّ مكان.. لا تدفع رشوة لكائن من كان.. لا تلجأ إلى تزوير أي مُحرّر.. لا تلق القمامة إلا في الحاوية.. لا تتجاوز إشارة المرور الحمراء ، وفي ختام الرسالة دعوة إلى تعميمها على أوسع نطاق ممكن ).
· وقد صبر الناسُ طويلاً على ظلم ٍ وإفسادٍ أهلك الحرثَ والنسلَ حتى باتوا لا يقدرون على التحمل.. وكان المسلمون قبلُ وفي صدر الإسلام الأول يلتزمون الصبرَ بأمر ربهم وتوجيه نبيهم.. إلا أنْ يتنزل الوحيُ بأمر آخر يرفقُ بهم ويفتح عليهم من عنده سبحانه وتعالى. أما وقد انقطع الوحيُ.. فالمسلمون اليوم يصبرون على حكام الظلم والفساد ما وجدوا في ذلك طاعة لله ورسوله.. مجتهدين بتدبر آياته وسنة رسوله.. منيبين إليه تبارك وتعالى . ثم يحمل وزرَ الناس إذا ما عادوا يحتملوا مَن ظلمهم ففتنهم وأرهقهم.. وقد عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابيّ الكبير معاذ بن جبل رضي الله عنه لمّا أمّ الناسَ فأرهقهم.. وما زاد على أنْ أطال قراءة القرآن في صلوات العشاء، فقال له صلى الله عليه وسلم : " أفتانٌ أنت يا معاذ؟" .
· وفي تونس .. يقدّر الله تبارك وتعالى للرجل التونسيّ العجوز الذي نشاهده على شاشة الفضائية أنْ ينطق فيختصر قصة صبر طويل عاشه التونسيون.. صبروا حتى هَرموا.. فجاءهم غوثُ الرحمن وفضله على أيدي أبنائهم الشباب.. قال العجوز: ".. فرصتكم أيها الشباب التونسي.. أنْ تقدّموا لتونس ما لم نقدمه نحن .. لأننا هرمنا.. هرمنا.. من أجل هذه اللحظة التاريخية ".
· أما "بوعزيزي".. الرجل التونسي الذي أحرق نفسه كمداً.. فما كان ينبغي له - رحمه الله - أنْ يحرق نفسه ، فقتلُ النفس حرام ، ونسألُ الله له المغفرة.. ونكلُ أمرَه إلى الله فهو أدرى به وأعلم . ولكن ما الذي اضطرّ "بوعزيزي" أنْ يفعل ذلك بنفسه ؟ منْ ذاك الذي فتنه ؟ وهل كان يلزمَ أنْ يحرقَ الناسُ أنفسهم.. وأنْ يخرجوا إلى الشوارع والميادين بعشرات الألوف حتى يعي السلطانُ مظلمتهم.. ثم يقول لهم : الآن فهمتكم ؟ حقاً إنه لأمرٌ عُجاب .
· ورحم الله كذلك من خرج للتظاهر طلباً لمال ٍاغتصبوه منه ، أو أرض ٍ حرموه إياها ، أو حق ٍ أو عرض.. فاستشهد وهو يشكو لله حاله .
· وأما في مصر.. فلا حرج على مليون متظاهر هم بطبيعتهم يسكنون بين المقابر وتحت الجسور منذ خمسين عاماً من عهد آبائهم.. لا حرج عليهم لو أتوا يتظاهرون ويطلبون مساكن لعوائلهم وأطفالهم ، ولا نظنهم بهذا يطلبون زيادة نفقة.. فالسلطان لم يرْع شؤونهم أصلاً.. ولم يوفر لهم ما أمره الله به من غذاء ومسكن وأمن ٍ ودواء .
· وما على مليونين آخرين تظاهروا يطلبون حكماً راشداً عادلاً يكون سبباً في عودة أطفالهم إلى المدارس بعد سنين طويلة قضوها في العمل في الطرقات المزدحمة بالسيارات.. بحثاً عن اللقمة المغموسة بالألم والعذابات ؟ .
· وعسى ألا يكون على "بعض المتظاهرين" من حرج لو خالفوا أثناء التظاهر بعض مظاهر الإحسان والتقوى.. فقد صُرفوا عن معاني الأخلاق جبراً وقهراً أحقاباً من السنين.. بفضل سياسات سلطان يدعي التقى وصالح العباد .
· إنّ حقّ هؤلاء المكروبين منذ أربعين سنة بالقهر والإستبداد.. أنْ ننظر إليهم بعين الرحمة والإحسان.. وأنْ نسكتَ عنهم حيناً.. فقد سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه وهو يملأ قلوبهم بالإيمان .. بينما بعضهم كان لا يزال يشربُ الخمرَ إلى أنْ نزلت الآياتُ تمنعهم ، و سكتَ عن نسائه رضي الله عنهن اللاتي كن لا يزلن سافرات، حتى نزلت فيهن آيات الحجاب .
· أمّا في ليبيا.. فلقد دلت الأحداث هناك على أنّ بعض هؤلاء الحكام والسلاطين أعداءٌ للأمة ولا يرجون لها الخير أبداً.. وما استدعاؤهم لمليشيات مرتزقة لقتل المواطنين.. واستشاراتهم للأعداء عياناً وجهاراً.. إلا دليلاً صريحاً على أنّ مسلكهم هذا كان أيضاً ديدنهم في الخفاء.. طيلة عشرات السنين ، فالحمد لله الذي أذن بالتغيير .
(إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا )..
وفي هذا الحدث العظيم.. من أحداث نهاية المُلك العاضّ.. وما قبل الخلافة القادمة ، نرفعُ أيدينا إلى الله العليّ الحكيم.. أنْ يأمنَ أمتنا ظلم الحكام.. وألا يجعل بأسَ المسلمين وأحزابهم وفئاتهم بينهم شديد، وأنْ يهدي المؤمنين لتحقيق مُراده ، إذ يقول في كتابه العزيز: } ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا.. فإنّ حزب الله هم الغالبون { المائدة 56 .. فإنّ كثيراً مِن المسلمين ينتقصون من موالاة عموم المؤمنين ، ويحصرونها في أشياعهم أو أحزابهم أو أتباعهم ، الأمرَ الذي يمنعهم من الإنتساب إلى حزب الله المراد في الآية الكريمة.. ولذا يُخشى عليهم حينها من أنْ يُحسبَ إنتسابهم لأحزابهم إنتساباً عصبياً غير ممدوح .
· وخيرُ المسلمين مَن حققَ هذه الآية في نفسه فلم ينتقص منها.. ووالى عمومَ المؤمنين، وكانت أحزابُ المسلمين وعلماؤهم وأشياعهم إلى قلبه أقرب.. يحبّهم ويدعو لهم ويرجو لهم الهدى ولا يذكرهم بسوء .. } والمؤمنون والمؤمناتُ بعضهم أولياء بعض .. ، .. ، أؤلئك سيرحمهم الله ، إنّ الله عزيز حكيم { التوبة 71 .
· وليس لفئة أنْ تعتبَ على مجتهد أفتى للناس بعدم التظاهر.. محتجة بأنّ الوالي الظالم قد أفاد من الفتوى وكانت له سنداً ومنعة فأمعنَ في قتل الناس وأكثرَ من ظلمهم.. فإحسان الظنّ بالمفتي هو الأصل . وبالمقابل فليس لفئة أنْ تعتبَ على من أفتى بوجوب التظاهر ضد الوالي المستبد.. محتجة بذات السبب أو بغيره
· فاختلافُ المسلمين فيما بينهم في الفتوى والإجتهاد لا يبيح لهم أن يحقروا بعضهم بعضاً.. ولا يتناجشوا ولا يتباغضوا . ولو أنّهم تحرّوْا مخافة الله في إخوانهم .. لعدلوا وأقسطوا ، وقالوا الذي هو أحسن ولو على أنفسهم .. فإنّ الله عزّ وجل يقول : } .. ولا يجرمنكم شنئانُ قوم على ألا تعدلوا ، إعدلوا هو أقربُ للتقوى { المائدة 8 .
· ومعلومٌ أنّ أفضل الدعوة إلى الله والعمل الصالح والإستسلام لهدي الدين إنما هو من ( حُسْن القول) .. } ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، إدفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم.. وما يلقاها إلا الذين صبروا.. وم ا يلقاها إلا ذو حظ عظيم { فصلت 33 .
· والمسلمون على اختلاف أحزابهم مَدعوّون دوماً إلى التعاون على البرّ والتقوى.. وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الهداية.. يتعاونون فيما اتفقوا عليه.. ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه. وإنما يتنافس المسلمون أيهم أكثرَ توفيقاً في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول :" إنّ الدينَ يُسْرٌ ، ولن يُشادّ الدينَ أحدٌ إلاغلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا، .. " .
· وأمرُ المظاهرات والإحتجاجات وتنوّعها.. وكذا أحوال الولاة وأصنافهم.. أمرٌ كثرت تفاصيله على المسلمين وتفاوتت أفهامهم له ، وليس هو بالأمر القاطع المحكم ، وإذا "سكت" الشرعُ عن إحكام أمر فوسّع فيه .. فإنما وسّع فيه لحكمة و"رحمة بالمسلمين" ، فلا يشقون بعدئذ على أنفسهم .
· والله سبحانه وتعالى قد قسم الأعمال بين الناس كما قسم أرزاقهم.. ويسّر كلاً منهم أفراداً وأحزاباً إلى ما يشاء.. ثم من أراد الله به (خيراً) فقهَهُ في الدين .. ومن أراد به (خيراً كثيراً) ءاتاه الحكمة .
قال الله عزّ وجل : } يؤتي الحكمة من يشاء.. ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.. وما يذكر إلا أولوا الألباب { البقرة 269 . وقال صلى الله عليه وسلم :" من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" ..
· ويشاءُ الله لفئة من المسلمين أنْ ترى في المظاهرات والثورات فتناً ومهالكَ فتختار الإعتزال.. وترى أنّ التغيير إنما يكون فقط بالموعظة والمسارَرة ، أخذاً بقول الله تعالى.. } ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.. وجادلهم بالتي هي أحسن .. { النحل 125 وقوله تبارك وتعالى : فاصبر لحكم ربك .
· بينما يشاءُ الله تعالى لآخرين أنْ يحملوا هذه الثورات على أعتاقهم.. ويأخذوا على يد الظالم ويأطرونه على الحق أطراً.. فإن أبى هدموا صروح ظلمه وفساده.. وأقاموا بدلاً منها أنظمة القسط والعدل.. أخذاً بقول الله تعالى.. } إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم { الرعد 11 . وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" .. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن.. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن.. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن.. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ".
· وبين هذه الفئة وتلك وأشياعِهما.. يتفاوت توفيقُ الله لهم واختيارُه وفضله.. } .. وأنّ الفضلَ بيد الله يؤتيه من يشاء.. والله ذو الفضل العظيم { الحديد 29 .
· وما نقوله في الأحزاب والفئات نقوله في العلماء وأهل العلم.. فكلهم شيوخ الإسلام وحملته.. يختارهم الله كيف يشاء لما يشاء.. واللهَ نسأل أنْ يبارك فيهم ، ويُكثِرَ من أمثال الصالحين منهم.. وأنْ يتفضلَ على الأمة في هذه المواقف الكبيرة برجال ِ خير ٍ كبار كأمثال العز بن عبد السلام وابن تيمية .. رحمهما الله تعالى

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

نقلا عن المركز الفلسطيني