مشاهدة النسخة كاملة : الزحف نحو جحر الضب.. (عبد الله ولد محمد)


ابو نسيبة
03-13-2011, 03:22 PM
الزحف نحو جحر الضب.. (عبد الله ولد محمد)

شتان مابين من يستلهم روح الثورة في أحسن تجلياتها وبين من يزحف في غباء سياسي وأمني في دهاليز الخطيئة الدكتاتورية. شتان ما بين شباب 25 فبراير و كهول 12/12- 6 أغشت. فإذا كانت الثورة العربية قد ألهمت أولئك الشباب ليأخذوا منها طيبها ويكيفوها للحالة الوطنية في ذكاء جماعي يستنير بالشعلة ولا يحترق بها، فإن كهول النظام ماضون في استنساخ أخطاء الأنظمة القاسطة الساقطة والآيلة طوعا أو كرها لذلك، في غباء منظم منتظم بالسعي وراءها في تدحرجها نحو الهاوية.
لقد تعامل شباب 25 فبراير بوعي كبير مع اللحظة التاريخية الخاصة وأرادوا توظيفها لخدمة السياق الوطني الراكد، لم يسقطوا الثورة عشوائيا بقشورها الخارجية وزغبها القطري، وإنما أرادوا أن تنساب رياح التغيير في سبل وشعب هذه البلاد العكرة الهواء. أرادوها رياح لواقح تحمل بشائر الغيث إن لم يصبنا منها وابل فطل. كانوا متواضعين في أسقف مطالبهم للسلطة متعاليين عن نهم المعارضة السياسية الحزبية المفلسة في أغلبها الشرهة في عمومها، ساعين لضرب طريق يبس للبلاد بين الأمواج القادمة من الخارج والماء المضغوط تحت الأقدام في الداخل، خوفا من أن يلتقي الماءان علي أمر ربما سيقدر.
فلعل أولئك الشباب بتجمعهم السلمي إنما يصنعون فُلكا لنجاة البلاد من عدوي طوفان عنف قادم لا قبل به لبلادنا المكشوفة السقف، الغضة الدعائم، المالحة الفسيفساء الاجتماعية، الطرية اللبِن. كانوا برفعهم لشعار الإصلاح إنما يحاولون بناء سفينة نجاة ألواحها إصلاح أحوال معيشة العباد وفك كُرَبهم و ودُسُرُها العدالة و المساواة بين مختلف الشرائح والطبقات.
في المقابل عمد النظام إلي التعامل مع الحركة بأسلوب التجاهل في البداية ثم السعي لإجهاضها ثم محاولة مواجهتها بأداتها ثم الاشتباك معها في إفلاس سلطوي مبكر. تجاهلها في قراءة خاطئة للأحداث الإقليمية أولاُ وفي تغافل تام عن الواقع المحلي ثانيا. ذلك أن مثقال حبة من خردل الإدراك السياسي يكفي لفهم أن الحجر الذي ألقي في مكان آخر من الحيز الجغرافي الأفريقي والحيز الثقافي الإسلامي العربي، سيصلنا منه لا محالة نصيب. أما محليا، فلحالنا المعيشي من تجذر التردي وطول العهد بالرعاية وانقطاع المدد من الحكومات المتعاقبة والتهاب الجروح الاجتماعية ما يوحي بوجود ثورة نائمة لا يحجبها سوى بقية من موروث سلم اجتماعي ذي قاعدة دينية فقد إطاره الأصلي ليصْدأ تقادماً في ركام الهموم اليومية متحولا إلي لغم يوشك أن ينفجر إذا لم يرفع النظام حافر الظلم الاجتماعي المنغرس في صعيد الكيان الوطني.
بعد مرحلة التجاهل تلك، عمد النظام إلي محاولة إفشال مسعى الحركة فحاول بغرباله الإعلامي الحزبي أن يحجب حقيقية ما يجري، معتبرا أن البلاد غير معنية بالتغيير وواصفا مشروع التحرك بالتخريبي، ومتناقضا في ذات الوقت مع نفسه بإعلان تأييده و احترامه لنضال الآخرين خارج الحدود، لتخرج الحكومة تزامنا مع ذلك بحوانيت التضامن، في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام المعارضة (القارعة لطبولها الفارغة) وكذا في مسعى تجميلي سياسي للاستهلاك الداخلي. لكن رتوش التجميل تلك التي أجريت في ارتباك واضح لم تفلح في إخفاء الدمامة السياسة ولم تستر العورة الشعبية للحزب ولم تسد الخلل في الصف الحاكم ولم تجبر سهوه وإغفاله للمطالب الاجتماعية الحقيقية. وشداًّ لعضد الحزب- الشبح، وحفاظا علي مصالحها، وهلعا من انتقال روح شباب الثورة التونسية والمصرية الرحماء فيما بينهم الأشداء علي رجال الأعمال المشبوهين الحاضنين والمعانقين للأنظمة، دفعت الذراع الرأسمالية للسلطة بقواها وألقت بثقلها لمنع أي إرباك جماهيري للنظام في المرحلة الحالية.
وفي تتبع عجيب لسنن الأنظمة الساقطة تواً والموشكة علي ذلك، و بعد أن خرجت الحركة إلي العيان، عمد النظام إلي ارتكاب الأخطاء ذاتها في تعامله الميداني مع المتجمهرين، داسا بحذَف المشاغبين في صفوف الشباب رغبة منه في تحويل الوقفة السلمية إلي حراك عنف، ثم دافعا بالشرطة التي احتلت الساحة لإجبار المنظمين علي التوجه إلي الشارع.
وفي خطوة أخرى علي درب الأشقاء العرب، وفي تناقض مكشوف مع مبدأ المساواة في الحق في التظاهر و التجمهر، مُكِّنً لتجمعِ مناصر للنظام في مشهد انتخابي أرشيفي باهت يذكر بزمن العقيد، فيما فهم أنه محاولة لإظهار الندية الشعبية للطرف الآخر، لكن "الصكة" النظامية لم تكن ذات صدى، لتعود السلطة إلي خيار الهراوات و الجحافل المرتدية دروع سلاحف "النينجا" لتعمر فضاء ابلوكات مشتبكة مع المتظاهرين حيثما توجهوا. لنصل لمشهد اليوم – الجمعة- بمنحرفيه المندسين، سود الصحائف في كتب العدالة، بيض الصفائح من أسلحة كان في متونها جلاء لكل الشك والريب حول نوايا النظام. كان المشهد حلقة رديئة مكشوفة مكررة من مسلسل دراما تعامل الدكتاتورية المصرية في غرغرتها الأخيرة قبل أن تنهار، حين دفعت بخيلها وبغالها وحميرها و"هوام" بلطجيتها وقناصتها ليعتدوا علي الجماهير المصرية الشريفة.
هي إذاُ رحلة التتبع للأنظمة المنهارة شبراً بشبرٍ وذراعا بذراع. فهل يزحف النظام نحو جُحْر الضّبِّ الدكتاتوري العربي الذي وسِع منهم أكبر منه حجماً و أشدَّ عناداً علي البغي و أذكي بوليساَ سياسيا وأكثر جمعا و أطول تعميراً في السلطة وأكبر رتباً و أعرق و أكثر انجازاَ في عسكرية بلادهم و أكبر بطانة و أمتن ظهرا خارجيا و أحدَّ أبواقا إعلامية؟

نقلا عن أقلام حرة