مشاهدة النسخة كاملة : زنقة.. زنقة.. ومتعة الفضائية الليبية! (م. محفوظ بن أحمد)


ابو نسيبة
03-13-2011, 02:21 AM
زنقة.. زنقة.. ومتعة الفضائية الليبية! (م. محفوظ بن أحمد)

أخيرا وجدنا إنجازا ملموسا وعاما للزعيم الليبي معمر القذافي: أغنية!.
لا شيء على الإنترنت هذه الأيام أكثر تسلية من أغنية "شبر..شبر، دار.. دار، زنقة.. زنقة، إلى الأمام.. دن دن... للمطرب الاستعراضي معمر القذافي!!
رواد الشبكة الكونية وهواة المالتي ميديا هم الذين هبوا و"التحموا بالقائد" لتحويل خطابه الناري الشهير إلى أغان راقصة أضافوا إليها من بهارات الحركة والموسيقى والسخرية والفكاهة ما يمتع الآن "جماهير" العالم.
ولعلها فرصة للزعيم الليبي ليمنح نفسه لقبا جديدا من قبيل "فنان الفنانين" أو "ملك ملوك الأغنية الراقصة".. يضيفه إلى "البوم" ألقابه العامر بالأسماء والنعوت التي تمثل في نظره مجد الجماهيرية الليبية العربية الشعبية الاشتراكية العظمى.
ورغم المضمون الدموي لخطاب الأخ القائد فإن أكثر المواقع قد حولته إلى فكاهة وطرب.
لكن السياق لم يكن سياق طرب ولا احتفال.. إنه سياق حتمية الحساب والعقاب.. حتمية حنين الإنسان إلى أغلى شيء وأثمنه في الحياة، حنينه إلى الحرية، واستعداده في لحظة ما للغضب على من سلبه هذه الحرية.
وهكذا فالقذافي تحول بسرعة مدهشة من ذلك الشخص الفلكلوري الوادع الطريف إلى مجرد طاغية لا يدخر شرا في سبيل التشبث بالسلطة على طريقة نيرون روما وبول بوت كامبوديا. ففي لحظة من جنون السلطة ها هو الرجل، الذي ظن نفسه فوق البشر، معزول ومغضوب عليه في الداخل والخارج، ممنوع من السفر ومحجور على ممتلكاته وودائعه الوافرة، ثم مهدد ومطلوب للعدالة الدولية.
ورغم عدم الثقة وسوء الظن بهذه العدالة الدولية والشك في دوافعها ومراميها، ومع ما تمثله من معاني القهر الحضاري والطوية الاستعمارية للعالم، أو للعرب والمسلمين على الأقل.. فإن مثول بعض الطغاة والجبابرة أمامها فيه مصلحة بينة وعبرة لمن أنساهم الشيطان أنفسهم.
هذا التحول الذي يشبه خروج الممثل من دور هزلي إلى واقع الحياة أدهش القذافي أيضا؛ لأنه كان يفضل أخذ استهزاء الأجانب به على محمل الإعجاب والقبول فإذا بهؤلاء ـ دون استثناء ـ ينددون به ويقرؤون عيوبه مع الثائرين من شعبه.
القذافي كان طيلة حكمه المديد يهتم بالخارج أكثر من اهتمامه بالداخل؛ وهذه إحدى الوسائل التقليدية للحكام المستبدين؛ فهم يقولون لأنفسهم: الشعب ـ في الداخل ـ مقدور عليه، ويقولون لشعبهم: انظروا إلى صيت زعيمكم ونفوذه في العالم.. هذا مجد رجلكم الفريد من نوعه فاعبدوه مع الله.. وبس!.
وإذا كانت مواقف القذافي وآراؤه تبلغ من الغرابة حد التسلية والطرافة ـ وشر البلية ما يضحك ـ فإنه قد صنع إعلاما على شاكلته بلغ من السخافة والسوء درجة الطرافة والتسلية. فالفضائية الليبية هذه الأيام في نظري من أكبر وسائل الترفيه؛ فهي تنقل المرء طوال ساعات إلى عالم أشبه بالخيال.. ولكنها تعكس عمق مرض هذا النظام وشدة إيغاله في عالم التناقض واللا معقول .. إنه إعلام يقوم على مصادمة العقل ومعاكسة المنطق بشكل متطرف ومدهش!.
في القناة الليبية تسمع أي شيء لا تتوقعه، مثل برقيات التأييد والالتحام بقائد الثورة وآيات مديحه وتعظيمه القادمة من العلماء والائمة والمفكرين في زيمبابوي وبوروندي! وسلاطين وأمراء وملوك ووجهاء صحراء كلهاري وأماكن أخرى خارج الزمن والجغرافيا!! وهذا بالطبع لن ينقص مثقال ذرة من الأشياء المتوقعة، مثل إغداق أوصاف العمالة والإرهاب على معارضي الأخ القائد، والشروح المستفيضة لخطبه وتوجيهاته وتقريراته عن وجود بن لادن والزرقاوي (الميت) وباقي القاعدة وحبوب الهلوسة.. وراء الأحداث الدموية في ليبيا، مع التأكيد على أن الثوار في ليبيا هم عملاء الغرب ووكلاء الاستعمار.. الخ
ولا ينحصر التناقض هنا في عدم الالتفات إلى العداء ـ الرسمي على الأقل ـ بين الغرب والقاعدة فحسب، ولكنه يتجلى أيضا في أن الأخ القائد يوالي تصريحاته ورسائله إلى أمريكا وأوروبا ليؤكد لهم أنه هو حاميهم وهو من يدفع عن أمنهم الإرهاب والهجرة.
والحق أن للقذافي مع الغرب ـ كما هو مع كل شيء ـ تناقضات وتقابلات تؤكد استخفافه الشديد بعقول شعبه وأتباعه المزعومين؛ فهو يفاخر بعدائه لهذا الغرب، وله معه صولات وجولات عبثية كلفت ليبيا دماء وحصارا انتهى بخضوعه ودفع تعويضات باهظة، وهو في نفس الوقت شديد الإعجاب والتعلق به؛ كما يدل على ذلك ابتعاثه لأبنائه للدراسة والإقامة في المدن الأروبية. بل إن القائد الأممي مفتون بالنظم الغربية كما نلاحظ من تسميته لجماهيريته بـ "العظمى" على غرار بريطانيا العظمى، وسعيه لإنشاء "الولايات المتحدة الإفريقية" تيمنا بالولايات المتحدة الأمريكية!
معمر القذافي يشبه نفسه أيضا بملكة بريطانيا العظمى؛ طبعا مع فوارق تفوقه عليها بكتابه الأخضر وألقابه العديدة وحرسه النسائي وأشياء أخرى! ويسخر علنا من غباء العالم الذي يطالبه بالتنحي ويغض الطرف عن تربع تلك العجوز على عرش بريطانيا العظمى سبعا وخمسين سنة، في حين أنه هو لم يمض في خيمة الجماهيرية العظمى سوى بضع وأربعين سنة لا غير! لا، بل يرى أن العالم أكثر تآمرا من ذلك؛ فمعمر القذافي ليس رئيسا ولا ملكا ولا حاكما.. فقد سلم السلطة للشعب الليبي منذ منَّ عليه بنظام المؤتمرات الشعبية الذي لم يلهمه بشر قبله!.
القذافي يذكر العالم الغبي بهذه "الحقائق التاريخية" ولكن يصدر في نفس الخطاب أوامره على الهواء بأدق التفاصيل الأمنية والإدارية مثل تشكيل عناصر أمنية جديدة لحماية حكمه المهدد ونوع ولون ومكان الشعارات التي يجب أن تتميز بها هذه العناصر عن الكتائب الأخرى الموجودة، ثم يؤكد أنه سيقاتل شعبه الشاكي شبرا شبرا، وزنقة زنقة.. إلى آخر الأغنية!
وبعيدا عن التسلية وعن القناة الفضائية الليبية وقريبا من الواقع تُظهر محنة ليبيا الكثير من العبر؛ أولها أن سقوط الطغاة لا يكون سقوطا حرا آمنا؛ بل يتم بعنف وقوة مدمرة؛ فليس هناك أي شخص في ليبيا أو خارجها يشك في أن سقوط العقيد معمر القذافي يعني تلقائيا سقوط جماهيرية الشعارات التي أقامها.. فهذه الجهود والهياكل الإدارية والتنظيمات الأمنية والسياسية التي استنزفت موارد وإمكانيات هذا البلد الكبير الثري لأكثر من أربعة عقود، ستسقط بحذافيرها مع الرجل في طرفة عين، ويكون مآلها المحق والنسيان إن لم يكن اللعن والحسرة.
لطالما عجبت من أمر من يدافعون عن جرائم الطغاة ويغضون الطرف عن انتهاكهم لحياة الناس وسلب حريتهم وكرامتهم؛ وأتعجب كيف فات هؤلاء أن معظم الطغاة والمستبدين في بلادنا، هم قبل السلطة وبعدها ـ إن أخطأتهم ـ مجرد أشخاص عاديين لا حول لهم ولا قوة ولا اختصاص، وإنما هم رجال ساقهم البؤس إلى المغامرة فملكوا رقاب الناس بالإكراه وساسوهم سياسة اللصوص: بأنفس أمرضها الطمع وأخافها الجور وأنطقها الجهل واستكبرها النقص. ومن ثم فإن هؤلاء من الطبيعي أن يحرقوا كل شيء ليبقوا، ويقتلوا كل أحد ليظل البلد بما فيه وما له متعة خالصة لهم.
لهذا صار من المنكر في نظر القذافي أن يسأله الليبيون أو غيرهم: كيف جئت ومن انتخبك وإلى متى ستظل تحكم أنت وسلالتك الكريمة؟!
فهذه ـ في حقه ـ "هلوسة" وأسئلة خبيثة.. فالديمقراطية هي الكتاب الأخضر واللجان الثورية.. والباقي ديكتاتورية وتدجيل! والدليل أن سويسرا التي يضرب المثل بها في الحرية والديمقراطية والعدالة.. قد قطع القذافي علاقات ليبيا معها واستنفر إعلامه للعنها مساء وصباحا، وسافر هو نفسه إلى نيويورك ليطالب العالم بطردها من الأمم المتحدة.
جريمة سويسرا وذنبها الذي أحاق بها هو أن ابن القذافي المدعو حانبعل وزوجه كانا يستمتعان في تلك الربوع السويسرية الجميلة واتسعت متعتهما لتشمل ضرب خادم لهما هناك.. فاشتكى الخادم المنكود للسلطات السويسرية التي استدعت ـ لشدة غبائها ووقاحتها ـ سليل المجد وحرمه المصون واحتجزتهما بأمر القضاء هناك حسب القانون.. فاستحقت هذه الدولة المحايدة فجأة أن تمحى من خريطة العالم!.
حقا، إنه من المخزي والمحزن أن تتجسد امة بكاملها في شخص واحد مهما كانت عبقريته وإنجازاته.. لتسقط بفنائه المحتوم ـ أيا كان مصرعه ـ وتعود أدراجها تبحث عن نقطة تبدأ منها الطريق السوي. فأي أحد يماري في أن ليبيا بعد القذافي ـ حتى لو ورثها لأبنائه ـ ستحتفظ بالكتاب الأخضر والمؤتمرات الشعبية وصلاة المولد وسَـنة وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وشهور الطير والفاتح .. الخ؟!

نقلا عن الأخبار