مشاهدة النسخة كاملة : ثورتنا المسروقة (أحمد بن الوديعة)


أبوسمية
03-11-2011, 02:02 PM
ثورتنا المسروقة (أحمد بن الوديعة)

ليس فى العنوان أعلاه أي خطأ مطبعي وتحديدا ليست راؤه قبل واوه، .. نعم إنه يتحدث عن " الثورة الموريتانية المسروقة"، أو ما سمعتم حديث بعض " أتباع" النظام الحالي عن كون ما حصل فى تونس ومصر وليبيا هو تأثر بالثورة الموريتانية التى قادتها الكتيبة البرلمانية قبل سنتين، ونص بيانها الأول على أن قرار إقالة عدد من الضباط " لاغ"، وتعهد الثاني بتوزيع " الموجود من العدالة"
إنها العبقرية الموريتانية في التصفيق والتطبيل التي تحتفظ فى سجلها بعدد كبير من الأرقام القياسية المسجلة بأسماء وعناوين عديدة فهي التى سبق أن هددت بمقاضاة الرئيس الأسبق العقيد معاوية ولد الطايع فى حال لم يترشح للإنتخابات للمرة الثالثة، وهي التى أنتجت مصطلح رئيس الفقراء وموريتانيا الأعماق وموريتانيا الجديدة .. وهي التى .. وهي اللتى..
يوم ثارت موريتانيا
نعم لقد حصلت في موريتانيا ثورة حقيقية استلت نظاما ديكتاتوريا من السلطة ، وأنهت عشرين سنة من حكمه المتسلط الذى أفسد كل شيئ، لكن الصحيح أيضا أن هذه الثورة " السابقة لزمن الثورات الحالية" سرقت من طرف أقرب معاوني المستبد السابق فعادت الأحادية والفساد والقبلية والمحسوبية والعنصرية وكل تلك القيم الرديئة التى ثار عليها الناس من قبل مع فارق بسيط هو أنها هذه المرة تحت شعارات براقة من قبيل " محاربة الفساد، ورئاسة الفقراء، والحكامة الرشيدة" ، وما أشبه ذلك من الشعارات الخداج .
سرقت الثورة التى قامت بها أجيال كاملة من الشعب الموريتاني، وتبخر الحلم الديمقراطي، وعادت أقدام العسكر الغلاظ تحبس أنفاس كل الأحرار في موريتانيا وتسير القهقرى بالشعب الموريتاني الذى كان بالفعل السباق إلى مواجهة حاكمه الطاغي وإرغامه على العيش فى المنفى بعد أن كان قد قطع خطوات حثيثة على طريق التوريث وكانت العبقرية الموريتانية قد قالت له يومها إنها كانت قلقة على مستقبل موريتانيا قبل أن تكتشف
" القائد الإبن ".
ولأن عملية السرقة هذه بشعة والنتائج المترتبة على الانتكاسة التي حصلت في المسار الديمقراطي قد تكون أكبر وأخطر من حالة الديمقراطية الشوهاء التي طبقها النظام الديكتاتوري من قبل، لابد من وضع اليد على الجرح لمعرفة كيف تمت هذه السرقة ومن هم المسؤولون المباشرون عنها وكيف السبيل إلى استعادة الثورة الموريتانية فى ضوء بزوغ فجر الثورات في جوارنا العربي الذى كان يمثل آخر معاقل الاستبداد والأحادية قبل أن يصبح اليوم أعظم مصادر الإشعاع الثوري ليس فى العالم الإسلامي فقط وإنما فى العالم بأسره.
عندما قبلنا عمر سليمان
لا أحتاج التذكير إلى أن قوى سياسية عديدة انتظمت فى النضال الديمقراطي ضد نظام ولد الطايع منذ بداية التسعينات، مدفوعة فى ذلك فى شعورها بخطورة الوضعية التى أوجد فيها النظام الأسبق موريتانيا على مختلف المستويات وخاصة على مستوى الانسجام الاجتماعي الذى أوجد فيه النظام الحاكم يومها شرخا عنيفا بفعل ما اقترف من جرائم بحق المجموعة الزنجية، وعلى مدى عقد من الزمن ظلت قوى المعارضة تصعد من نضالاتها وظل النظام يتورط أكثر فى الفساد والتطبيع والاستبداد إلى أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه فى العام 2003 فخرجت مجموعة من الضباط الشباب ثائرين فى وجهه ومدمرين هيبته وكبريائه، ومع أن النظام " استعاد السيطرة" ودمر دبابات الثائرين يومها " دبابة دبابة" فقد ظل الجرح ينزف كما نتذكر جميعا إلى أن قررت مجموعة من " الدائرة المقربة" أن تنقلب على رأس النظام رافعة شعار بيدي لابيد قصير.
وفى خطأ تاريخي استراتيجي صدقت النخبة السياسية الموريتانية " وعود العسكر الحالمة" فاحتفل الجميع بالتغيير والديمقراطية، وشرع الجميع فى التحضير لقطف ثمار الديمقراطية الموعودة، قبل أن ينكشف الوجه الحقيقي لقادة الانقلاب ويتبين أنهم من نفس الطينة التى خرج منها أسلافهم العسكر، وأن الديمقراطية عندهم يكون عندها معنى فقط عندما توصلهم إلى السلطة وتحول الجميع إلى خدم بل ربما إلى عباد يسبحون بحمدهم ويقدسونهم.
وإذار أردنا أن نستخدم قاموس الثورات الجارية فقد أخطأ الموريتانيون حين أنهو ثوراتهم قبل الإطاحة بعمر سليمان والغنوشي وشفيق وغيرهم من ركائز الحكم الاستبدادي التى لاتجد صعوبة فى الانحناء والتلون أمام العواصف الجماهيرية،فكانت النتيجة هى ما نحن فيه اليوم من أحادية وفساد واستبداد.
وعندما حاول الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله أن يخرج من بين فرث الحكم الاستبدادي ودمه نظاما مدنيا ديمقراطيا توحيديا لم يتردد قادة الانقلاب الأول في العودة إلى الدبابة من جديد وإعلان أنهم هم الشعب وأن الحكم بيدهم وأن موريتانيا كلها رهينة إلى أن تقبل أن تمكنهم من نفسها وتعطى الشرعية لما سيقترفونه بحقها من جرم عظيم.
.. نعم لقد ثار الشعب الموريتاني ضد الاستبداد واقتلع رأسه لكن بقية الجسم بقيت كما هي فتمكنت خلال خمس سنوات من " الظهور بوجه جديد وخطاب جديد وموريتانيا جديدة في عملية قرصنة غير مسبوقة لإرث وتضحيات وخطاب ومواقف كل القوى الحية في هذه البلاد، فهانحن نشاهد اليوم تصفية الحسابات محاربة للفساد، وهاهم الوالغون فى المال العام والدم العام يعظون الناس فى الورع والاستقامة، وهاهي موريتانيا تسيروفق إرادة فردية لاتتوفر الكثير من القرائن على أنها واعية جدا بما يجرى من حولها ولا لما يترتب على تصرفاتها ومواقفها.. وهاهم يعبثون بمستقبل وحدتنا وانسجامنا الاجتماعي من خلال الإصرار على حماية ممارسات الاسترقاق، وأساليب التمييز والتهميش، والتحضير الممنهج لإقصاء مكون أساسي من مكونات الشعب الواحد.
وها هم يضعون ثروة البلد كلها تحت تصرف مجموعات قليلة من الأقارب والمقربين، ويزعمون مع ذلك أنهم يحسنون صنعا.
من يوقف حركة التاريخ ؟
واليوم وبعد أن أكمل أقطاب النظام الاستبدادي إحكام السيطرة، وإعادة الأمور في موريتانيا إلى ما قبل 2005، وبعد أن عجزت النخبة السياسية عن إخراج البلاد من المأزق خرجت أجيال شبابية جديدة تستنشق عبير الحرية والتحرير القادم من تونس ومصر وليبيا، ليعود معها أمل جديد فى استعادة الثورة الموريتانية المسروقة ، وتحرير موريتانيا من الحكم العسكري الذى جثم على صدور الموريتانيين أكثر من إثنين وثلاثين سنة، وقد أبانت المجموعات الشبابية المشاركة فى الحراك الشبابي حتى الآن عن مستوى عال من النضج أهلها لتكون مربط أحلام الكثير من الموريتانيين الحالمين بدولة عادلة عاقلة تمنحهم حياة حرة كريمة، لكن النظام ظهر عاجزا منذ اللحظة الأولى عن " فهم حقيقة هذا الحراك" بله عن حقيقة المرحلة الجديدة التى دخلها العالم بأسره منذ انهيار ثلاث أنظمة استبدادية عربية فى أقل من شهرين؛ ففي الوقت الذى كان فيه القذافي يفاوض الثوار لضمان " خروج آمن" وكانت تونس تعلن حل البوليس السياسي، وكان المصريون يقتحمون مقار أمن الدولة، كانت حكومتنا نحن الرشيدة تنزل فرق مكافحة الشعب لتنكل بالشباب فى الشوارع فقط لأنهم قالو إن " الشعب يريد إصلاح النظام" .
إن مواجهة مطالب الشباب فى الحرية والكرامة بمسيلات الدموع والعصى والكلمات النابية تمثل فى الواقع أكبر دليل على أن النظام الحاكم في موريتانيا هو من نفس الفصيلة الاستبدادية القاصرة التى تحكم أغلب الدول العربية، لذا اعتقد أنه ينبغى أن نتوقع خلال الأيام القادمة خطابا رسميا يعيد إنتاج نفس المفردات التي استخدمها "السلف الطائح" أعني مفردات التخويف من الإرهابيين والهجرة السرية وحبوب الهلوسة، وبطبيعة الحال ستكون هناك " نكهة موريتانية" تلعب على الورقة العرقية والاجتماعية والقبلية والجهوية، لكن مصير كل تلك المفردات سيكون تماما كمصير سابقاتها، فالشباب المطالب اليوم بالحرية والإصلاح مختلف بشكل جذري عن النخبة السياسية العاجزة والمترهلة التى ظلت الأنظمة المتعاقبة تستمد منها " أوكسيجين" الإنقاذ كلما حاصرها الموت من هذا الباب أو ذاك.
إن اللحظة التى تعيش الأمة اليوم لحظة تاريخية بامتياز، لذا فليس أمام شباب الأمة والقوى الحية في الأمة خيار غير خيار إنهاء الإحكام الاستبدادية التسلطية الوراثية وإعادة الأمر إلى أهله، وإقامة أنماط حكم جديدة قائمة على العدل والقانون، وهذا هو الطريق الذي عرفه شباب الأمة وسار عليه، وإنه لواصل لامحالة،و مهما غلت التضحيات فإنها لاتساوى شيئا من ثمن الحرية والكرامة التى افتقدتها الأمة فخسرت بذلك مكانتها الرائدة بين الأمم، وتحولت إلى " فريسة سائغة" للقوى الطامعة.. إنها لحظة الحقيقة والحرية كم بحثت عنها الأمة خلال عقود وعقود فتأبت عليها وهاهي اليوم تحين بقدر إلهي لامفر منه.. هاهم الشباب الرائعون يهتدون للطريق ويدلفون إليه سراعا، ولن يكون بمقدور أي قوة أن توقف حركة التاريخ أو أن تعيد الأمة إلى ما قبل 2011، ذلك زمان انتهى وهذا زمان جديد وعلى من يجدون صعوبة في" فهم ذلك" الاتصال ببن على أو مبارك أو حتى بالعقيد المعمر.

نقلا عن السراج الإخباري