مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا بين دعوات الإصلاح وإسقاط النظام


ابن تيارت
03-11-2011, 01:07 PM
موريتانيا بين دعوات الإصلاح وإسقاط النظام



دخل الحراك السياسي والشعبي في موريتانيا “مرحلة دقيقة”، إن لم نقل “حرجة” بين الدعوة لإصلاح النظام، والدعوة لإسقاطه، وسط تذمر متزايد من وطأة الفقر وتدني مستوى المعيشية، وانتشار البطالة، وغياب رؤية استراتيجية للتغلب على العديد من المشكلات التي يعاني منها السكان، فيما يواصل “شباب 25 فبراير” نشاطاته التمهيدية للثورة، وتلوح النقابات بالإضراب، ويتزايد الكشف عن ملفات المظالم لدى هذه الجهة أو تلك .
وسط هذه الأجواء الملبدة بكل الاحتمالات، واصل نظام الرئيس محمد ولد عبدالعزيز جهوده المتسارعة لتجفيف منابع “الثورة الشعبية” التي تطل برأسها من هذا الواقع مدفوعة بالرياح الإقليمية التي تهب على المنطقة .
بدأ النظام العمل على عدة جبهات في وقت واحد، فدفع بخمسة وزراء (الداخلية، الصحة، المياه، الوظيفة، الإسكان) إلى الأحياء الشعبية في نواكشوط للتواصل المباشر مع السكان، ووعد الوزراء الذين أعطوا حتى أرقام هواتفهم الشخصية للمواطنين بالاستجابة الفورية لمطالب السكان وحل مشكلاتهم .
أعلنت السلطات البدء باكتتاب مئات الموظفين من حملة الشهادات والبحارة، وبدأت الاتصال بالعديد من أصحاب المظالم ووعدت بتسوية ملفاتهم .
وعلمت “الخليج” أن “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم تحرك بقوة على مستوى شيوخ القبائل ورجال الأعمال والتجار بهدف استغلال نفوذهم ومنع شباب قبائلهم من الانضمام للحراك الشبابي الذي تشهده البلاد . خاصة وأن العديد من قبائل البلاد المؤثرة لا تخفي استياءها من تعاطي النظام معها، بل وتتهمه بتصفية أبنائها من جهاز الدولة وحرمانهم من الصفقات الحكومية على خلفية انتمائهم القبلي .
ويبدو أن الموالاة لم تشأ ترك الشارع للشباب المناوئين وحدهم، فأعلنت ثلاث مبادرات شبابية دعماً للرئيس عزيز، ودفاعها عمّا تسميه “ثورة 18 يوليو 2009”، اليوم الذي فاز فيه ولد عبدالعزيز بالانتخابات الرئاسية .
ونزل “شباب أنصار التغيير”، و”شباب موريتانيا الأعماق” يوم السبت الماضي في تظاهرة داعمة للرئيس عزيز في “ساحة أبلوكات” وسط نواكشوط، وهي الساحة نفسها التي يتظاهر فيها “شباب 25 فبراير” يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، وأطلق عليها “ميدان التحرير” .
بينما أعلن “شباب 18 يوليو”، الداعم هو الآخر للرئيس عزيز، من جانبه عزمه التظاهر يومي السبت والأربعاء من كل أسبوع ردا على “يومي” الشباب المناوئ .
ووصف شباب الموالاة في مهرجانهم المجموعات الشبابية الداعية لإسقاط النظام بالمغرر بها، مشيرين إلى أن أولئك الشباب “دعاة شغب ومثيرو فوضى وقفز على الحقائق” .
واستغرب شباب الموالاة قيام مجموعة شبابية برفع شعارات مستنسخة عن الثورة التونسية والمصرية والليبية، معتبرين أنه لا مجال للمقارنة بين الوضع الذي كانت فيه تلك البلدان والوضع في موريتانيا التي “عاشت تجربة ديمقراطية وانتخابات شفافة في ظل ضمان جميع الحريات الفردية والجماعية” .
وقال المصطفى ولد الشيخ أحمد، أحد القيادات الشبابية الموالية إنه لا داعي للتقليد، مؤكداً أن عمر النظام الموريتاني لم يتجاوز السنة و7 أشهر، “ولا مجال لمقارنته بالنظام الليبي (42 سنة)، أو المصري (30 سنة)، أو التونسي (23 سنة)” .
وأكد شباب الموالاة أن الرئيس عزيز أنجز 50% من برنامج الانتخابي وأن السنوات الثلاث المتبقية من ولايته ستشهد البلاد خلالها قفزة نوعية وفقاً للبرامج التنموية الجاري تنفيذها .
وحرص شباب الموالاة على التذكير بكون ولد عبدالعزيز أول من قام في القرن الجديد بوضع حد لنظام قمعي عربي عندما أطاح ولد الطايع في 3 أغسطس/ آب ،2005 ومنع قيام دكتاتورية أخرى في 6 أغسطس/ آب 2008 من خلال “حركة التصحيح” (الانقلاب)، وأنه أول من طبق شعار محاربة الفساد على أنصاره قبل معارضيه .
ودعا الشباب المؤيدون، ومن بينهم شعراء وفنانون بارزون، إلى حماية المكتسبات التي حققها الرئيس محمد ولد عبدالعزيز، كما رفعوا شعارات تطالب بتجديد الطبقة السياسية في البلاد، وهو الشعار الذي تشير الموالاة به إلى أن أغلب قادة المعارضة من الشيوخ وكبار السن .
وتأتي هذه التظاهرة لتذكر باستراتيجية اتبعها الرئيس عزيز خلال “مواجهاته” السابقة مع المعارضة سنوات ،2008 ،2009 ،2010 وهي الاستراتيجية القائمة على مبدأ مواجهة الشارع بالشارع . على أنه لا يعرف هذه المرة ما إذا كان النظام سيسمح باستمرار التظاهرات الشبابية في الشارع .
الشباب الموريتاني المناوئ والمؤيد، وهو يقرر “تقاسم” أيام الأسبوع وتبادل الأدوار على “ساحة أبلوكات”، يوحي للمراقبين بأن هناك قوة شبابية تسعى لأخذ مكانتها داخل تركيبة القيادات السياسية التقليدية التي ظلت تقف في وجه “المجايلة السياسية” .
ثلاث اتجاهات في المعارضة
وعملياً، بدأ الشارع الموريتاني المعارض هذا الأسبوع يتمايز إلى ثلاثة اتجاهات، يطالب أولها بإصلاحات جذرية تطال جميع قطاعات الدولة، وتفضي إلى الرفع من المستوى المعيشي للسكان عبر خطة مدروسة ومستمرة لدعم المواد الغذائية الرئيسة، ورفع الأجور، والحد من البطالة، وفتح وسائل الإعلام العمومية، وإصلاح نظام التعليم، ووضع حلول جذرية لمشكل الرق والتهميش الاجتماعي، والتعامل بإيجابية مع مختلف المظالم المعروضة أمام القضاء والإدارة .
أما الاتجاه الثاني، (بعض أحزاب المعارضة) فهو يطالب بحوار سياسي جاد يرى أنه السبيل الوحيد لحل مشكلات البلاد، وتجنيب موريتانيا مأزق الفوضى، الذي قد تقود إليه أي “ثورة شعبية” لا شك في أن موجتها ستجرف إلى السطح الكثير من الرواسب العرقية والشرائحية والقبلية المتراكمة منذ خمسة عقود، ما يهدد وحدة البلاد ويدفع بها إلى الحرب الأهلية .
فيما يرى الاتجاه الثالث أن نظام الرئيس محمد ولد عبدالعزيز مجرد امتداد للأحكام العسكرية المتعاقبة على حكم البلاد منذ ثلاثة عقود، وأن الإصلاح والتغيير أمران مستحيلان في ظل هكذا نظام، وبالتالي يجب التخطيط المحكم لثورة مدنية تجبر النظام على الاستقالة أو الرحيل، والبدء بإعادة تأسيس الدولة الموريتانية الحديثة .
ويراهن هذا الفريق على الوضع الميداني للشارع الموريتاني الذي بدأ يتململ بدءاً من المنطقة الشرقية من البلاد ذات الكثافة السكانية الكبيرة، كما يراهن على صدام النقابات مع النظام، فضلاً عن الوعي المتنامي للشرائح المهمشة .
منذ نزول “شباب 25 فبراير” إلى الشارع قبل أسبوعين، لا يزال الرئيس عزيز يلتزم الصمت، ولم يخرج للشارع وهو المعروف بسرعة النزول للشارع والتعبير عن رأيه في ما يجري في البلد من أحداث .
ويجد المراقبون صعوبة كبيرة في تفسير “صمت الرئيس” في هذا الظرف الذي يتميز بدخول الميدان من طرف حركة شبابية غير “مسيسة” تعلن صراحة تجاوزها لأطر العمل السياسي التقليدي (الموالاة والمعارضة)، والعمل على نقل مطالب الشعب الموريتاني إلى واجهة الاهتمام أو محط التحقيق .
فهل يعكف ولد عبدالعزيز على إجراءات واسعة لتغيير النظام من الداخل وفتح حوار مع المعارضة، أم أنه يتكل على ما يسميه معارضوه ب”الإجراءات الترقيعية” في انتظار أن يتكفل الوقت بحماسة “الثوار الجدد”؟
لا يعتقد المحلل السياسي محمد ولد أحبلاله أن الإجراءات التنموية الاستعجالية كافية لإسكات الشارع الموريتاني الذي تعلو نبرته المطلبية يوما بعد آخر، ويؤكد أنه لا مناص من اعتماد الحلين السياسي والتنموي في آن واحد، أخذاً في الاعتبار الوضع البالغ التعقيد على مستوى جميع المحاور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
ويرى أغلب المتابعين للشأن الموريتاني أن المعارضة الرسمية بدأت ترفع تدريجياً من مطالبها بالتزامن مع الحراك الشبابي في البلاد، فمع الوثيقة التي قدمها إسلاميو موريتانيا (حزب تواصل)، واشترطت إجراء تعديلات دستورية تقلص صلاحيات الرئيس وتستبدل النظام الرئاسي بالبرلماني “وإلا فات الأوان”، يرتفع سقف شروط الحوار إلى “مطلب تعجيزي” بالنسبة للنظام، وتذهب بعض التحليلات إلى أن إسلاميي موريتانيا، وهم قوة قادرة بالفعل على تحريك الشارع، بدأوا ب”إملاء” شروط الثورة على الرئيس عزيز أكثر مما قدموا من “نصائح” ومقترحات لتجاوز الوضع الراهن في البلاد .

وقد جرى بعناية رصد اللقاء الذي جمع مؤخراً بين محمد جميل منصور رئيس حزب “تواصل” وأحمد ولد

داداه زعيم المعارضة، عقب صدور الوثيقة، مع الإشارة إلى أن ولد داداه كان أول من دعا لثورة شبابية تطيح النظام .
ويأتي هذا اللقاء بين القطبين السياسيين بعد قطيعة استمرت بينهما منذ ثلاث سنوات، ما يشير إلى أن الإسلاميين قد يلجأون في البداية للملمة صف المعارضة في وجه صيف سياسي ساخن

وكان الحزب الإسلامي أول حزب معارض يعترف بشرعية الرئيس عزيز عقب الانتخابات الرئاسية الماضية (18 يوليو/ تموز 2009)، ويبدو أن تقرب الحزب طوال الفترة الماضية من النظام لم يعد عليه بأي مردود سياسي، الأمر الذي طرح تساؤلات في الساحة عمّا إذا كانت “وثيقة الإخوان” قد جاءت ردا على تجاهل النظام “للخدمات” التي قدمها الحزب، أم “مشاركة مبكرة” في التأسيس لمرحلة من العمل السياسي “الثوري” المعارض ستكون أكثر “صخبا” مع اقتراب الانتخابات التشريعية القادمة؟

“الديناصورات” تتحرك

أطلق “حزب الوئام الديمقراطي الاجتماعي”، عضو منسقية أحزاب المعارضة، حملته التحسيسية بداية الأسبوع الجاري في العاصمة نواكشوط عبر مهرجان شعبي شارك فيه قادة الحزب وجموع غفيرة من مؤيديه .
وتأسس الحزب السنة الماضية من عدة قوى سياسية يقودها ثلاثة من أبرز رجالات نظام ولد الطايع، هم بيجل ولد هميد، والوليد ولد وداد، ومحمد يحظيه ولد المختار الحسن، والثلاثة يعرفون ب”الديناصورات” لدورهم الكبير في تسيير شؤون البلاد خلال فترة حكم ولد الطايع .
وأكد بيجل ولد هميد، رئيس الحزب، أن مشكلات موريتانيا الحالية لا يمكن أن تحل إلا بالحوار، داعياً جميع الأطراف السياسية إلى الجلوس إلى طاولة الحوار وفق “اتفاق دكار”، منتقداً رفض النظام الحالي للحوار .
وقال ولد هميد “إن موريتانيا تعيش أزمة سياسية، وإن الأزمات لا تحل إلا بالعنف أو الحوار”، حسب تعبيره، وانتقد بشدة الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلد، مطالباً الرئيس عزيز بتحمل مسؤولياته في التخفيف من معاناة الفقراء، عبر إجراءات ملموسة تتضمن إلغاء الضرائب وكافة الرسوم الجمركية عن المواد الأولية، وزيادة رواتب الموظفين .
ومن جانبه انتقد محمد يحظيه ولد المختار الحسن نائب رئيس الحزب، تسيير الرئيس ولد عبدالعزيز للبلاد، وقال إن احتياطي موريتانيا من العملة الصعبة لشراء المؤن والأدوية لا يكفي إلا لشهرين فقط، مضيفاً أن ميزانية الدولة تعاني عجزاً كبير جداً، لكن حجم هذا العجز لا يعرفه إلا الرئيس محمد ولد عبدالعزيز الذي يسير بمفرده الشؤون المالية في البلاد .

وأكد ولد المختار الحسن “أن الظروف الحالية الخطيرة التي تمر بها موريتانيا هي التي دفعت الشباب إلى الثورة والتظاهر ضد الحالة المزرية”، داعياً إلى “مؤازرتهم ودعمهم في نضالهم المشروع” .

وسيكون حزب الوئام أمام أول اختبار حقيقي في الساحة السياسية مع إطلاق أول حملة انتساب لصفوفه حيث لا يعرف الحجم الحقيقي لقواعد الحزب، وإن كان يتوقع تركز الثقل الشعبي للحزب في المنطقة الجنوبية والغربية من البلاد .
ويسعى الحزب لدخول البرلمان والبلديات في الانتخابات القادمة، الأمر الذي سيخوله المشاركة بفاعلية أكبر في الساحة السياسية التي بدأت تتجاوز “تاريخ” قادة الحزب في الأنظمة السابقة بعد مواقفهم الأقرب للواقعية في التعاطي مع الأزمات السياسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الخمس الماضية


"""عن الخليج"""