مشاهدة النسخة كاملة : الحجج الواهية ضد الثورات الجارية في العالم العربي \ د. كمال الهلباوي


ام خديجة
03-11-2011, 08:49 AM
الحجج الواهية ضد الثورات الجارية في العالم العربي

http://www.alquds.co.uk/today/10qpt480.jpg

د. كمال الهلباوي

أشرت في مقال سابق بـ 'القدس العربي' إلى غباء الحكام العرب، وكان الأمر يتعلق بأموال الشعوب العربية التي نهبها الحكام ووضعوها في البنوك الأجنبية، أو استثمروها ـ على حد زعمهم وزعم الغرب ـ في البلاد الأجنبية وباسماء مستعارة أحيانا، وفي حسابات سرية أحيانا أخرى. وكلها أموال لم تأت بكفاءة العاملين في مجال الاقتصاد أو الاسواق أو عن إنتاج أو جدارة أو اختراع، ولكـــنها كلها جاءت نعمة من الله تعالى لتلك الشعوب متمثلة في النفــــط بكل انواعه، فحولها الحكام الى نقمة على شعوبنا ونعمة على للآخرين.
وفي هذا المقال دليل آخر واضح لكل متابع عن غباء الحكام العرب الذين يظنون أنهم أزكى الناس بقهر شعوبهم واستغلال نفوذهم، والتبعية لأعداء تلك الشعوب. والرابط بين الدليل والواقع أمر واضح لا غبار عليه، وإن اختلفت الألفاظ وتنوعت العبارات وتعددت طرق التعبير.
فاجأنا- على سبيل المثال - نوري المالكي رئيس وزراء العراق بالعافية ـ بعد ثمانية أشهر من الصراع على المنصب ـ بتحذيره من استغلال المظاهرات التي قامت في العراق يوم الجمعة 4/3/2011، لتنفيذ أجندات خاصة ضد الديمقراطية، وكأن الديمقراطية مطبقة تطبيقا سليما حسنا وقائمة في العراق، ينعم بها الشعب العراقي الآمن الوادع منذ سقوط نظام صدام بعيدا عن التفجيرات والاغتيالات، فضلا عن حريته في اختيار حكامه وقدرته على تحرير بلاده والمحافظة على وحدتها والتداول على السلطة بشكل سلمي حضاري. يتكلم المالكي وكأن ذلك كله قائم - والمالكي هنا يحذر مَن؟ فكرت في هذا الأمر وقلبت كل الاحتمالات، لماذا التحذير ومَن يحذر المالكي بهذا القول، واتضح لي أن المالكي يحذر الغرب ولا يحذر الشعب العراقي أو الأمة العربية ولا الجامعة العربية ولا منظمة المؤتمر الاسلامي ولا البرلمان العراقي المنتخب ديمقراطيا، حسب فهم المالكي وطريقته، والديمقراطي ثقافيا تحت الاحتلال الأمريكي. هو هنا يحذر الغرب وكأن الغرب لديه قناعة في ديمقراطية نوري المالكي. المالكي يحذر وكأنه لا توجد قوات أمريكية داخل حدود هذا الوطن المحتل في المفهوم السياسي، أو المستقل في مفهوم المالكي وأنصار هذا الفهم المعوج. المالكي يناشد الغرب لينهض من جديد فيحافظ على الديمقراطية في العراق بالدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة والشركات الأمنية الاستخباراتية. كما حافظ عليها في افغانستان بفرض كرزاي على المجاهدين المتنازعين على الحكم والرئاسة.
أما موقف الزعيم القذافي، اقصد زعيم اللصوص وأسرته، فهو أشد وأنكى لأنه يحذر الغرب من القاعدة. أمريكا طبعا والغرب عموما لديهما حساسية شديدة وخوف واضح من كلمة القاعدة، ومن كلمة بن لادن والظواهري والزرقاوي، هذه الحساسية القائمة والخوف الشديد، دفعت القذافي زعيم اللصوص في خطاباته المضحكة ليحذر الغرب: إذا ذهبت عن ليبيا فأمامكم القاعدة، فماذا أنتم فاعلون؟ لابد أن تستعدوا، وقد فهمت كلام القذافي على انه دعوة صريحة للغرب للوقوف الى جانبه، واحتلال ليبيا لمواجهة القاعدة، وكأن النساء والأطفال والشيوخ والشبان الذين خرجوا الى الشوارع في شتى المدن والقرى هم من القاعدة، وكأن الدبلوماسيين ورجال الجيش الذين استقالوا من العمل والخدمة مع القذافي وانضموا للثوار هم من القاعدة، بانضمامهم الى الثوار الوطنيين الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم للتخلص من هذا الوهم المسمى بالقذافي. القذافي يدعو الغرب لاحتلال ليبيا لطرد القاعدة وتأمين النفط، والقاعدة هي الوهم الذي يخيف أمريكا والغرب، وهي الذريعة المستخدمة لاحتلال اي بلد عربي أو غير عربي، وقد بذل الغرب في سبيل مواجهة القاعدة البلايين من الدولارات ودمروا العديد من البلاد والعباد وأهدروا كثيرا من الدماء والارواح ولم يقضوا على القاعدة ولم يهزموا طالبان، أما النفط فهو شريان الحياة في الغرب فإذا انقطع عنهم انقطعت الحياة. وتحذير القذافي هذا يلتقى مع تحذير المالكي في التوجه الى الغرب للحفاظ على وهم الديمقراطية في العراق ومواجهة وهم القاعدة في ليبيا، وطبعا الحفاظ على النفط ومنابعه. نعم ربما يكون هناك بعض أفراد من القاعدة في ليبيا، ولكن هذه ثورة شعب باكماله. موقف ثالث يدل دلالة واضحة على التضحية بالشعوب، والتوجه الى الغرب قبلة هؤلاء الاغبياء، هو موقف الرئيس المخلوع مبارك، عندما حذر الجميع بان البديل له في مصر هو الاخوان المسلمون أي هو الطوفان، وهو المحظورة وما أدراك ما المحظورة بالنسبة للغرب البارع في الاسلاموفوبيا، ذلك الاختراع الذي شاع في القرن العشرين وزاد في الواحد والعشرين. كل شيء مقبول عند مبارك إلا مجيء المحظورة، وكل شيء مقبول عند الغرب وإسرائيل إلا مجيء الاخوان المسلمين الى الحكم في مصر. ولكن الى متى تستمرالدعوة الى ديمقراطية عرجاء تستثني من لا يحب الحاكم العربي ولا الغرب. كان الاخوان المسلمون عقلاء وحكماء في مصر عندما أعلنوا أنهم لن يترشحوا لرئاسة الجمهورية بعد رحيل مبارك الذي حذر العالم كله من المحظورة، والاخوان المسلمون، لمن لا يعرف يدرسون هذا المبدأ، مبدأ الزهد في الحكم ومبدأ التضحية من أجل الآخرين ـ يدرسون ذلك في تعاليمهم وبرامجهم التكوينية والتربوية والثقافية. يقول الاخوان: ليس بالضرورة أن نكون نحن الحكام، إنما الضرورة تكمن في كيفية الحكم وأخلاقية الحكام والحكم الرشيد، فان توفر ذلك فسيكون الاخوان أعوانا للحاكم على استمرارية الحكم الرشيد بعيدا عن الاستغلال والاحتكار والاستبداد. الاخوان ليسوا مجرد حزب سياسي يسعى للجلوس على كرسي الحكم والاستحواذ على السلطة، كما هي الحال في الديمقراطية التي يخاف عليها المالكي، ولكن الاخوان روح تسرى في الأمة فتحييها بالقيم العظيمة والأخلاق القويمة والتضحية العزيزة، أما اليوم فإن الحزب السياسي للاخوان حزب الحرية والعدالة، فعليه أن يؤدي عمله مع بقية الأحزاب بعيدا عن روح الانتهازية التي يتميز بها كثير من الساسة، يجب أن تكون أجندة حزب الاخوان السياسي قادرة على أن تعيد للأمة وحدتها وقوتها وتماسكها فلا يرضى بالشكلية، وعليه أن يرتقى بالأداء السياسي وفق معايير واضحة تخدم المواطن المصري والعربي والأمة بشكل عام، وترتقي به وبآرائه وتميزه حتى يكون صاحب يد في تشكيل المستقبل والمشاركة الايجابية في النظام العالمي الجديد، ووضع أسسه بعيدا عن الاستغلال والسيطرة. برنامج الاخوان السياسي يجب ان يحترم المواطنة ولا يفرق في الحقوق والواجبات بين مواطن وآخر بسبب الدين او الجنس.
التحذيرات الثلاثة من الزعماء الثلاثه تدل على غباء واضح، وتدل على استعداء الغرب أكثر ضد الثقافة العربية والعرب عموما وأموالهم وثرواتهم، وفي ظني أنها دعوة صريحة للغرب لمزيد من التدخل العسكري والسياسي في إدارة شؤون البلاد، التي فشل هؤلاء الحكام الاغبياء في ادارتها، ولم يعد لهم ثقة في شعوبهم. إن تحذير نوري المالكي من استغلال المظاهرات لتنفيذ أجندات خاصة ضد الديمقراطية، وتحذير القذافي من شغب وعمل القاعده في ليبيا، وتحذير مبارك للغرب من مجيء المحظورة إذا ترك الحكم، إنما هي دعوة صريحة لمزيد من التدخل الغربي. وينبغي أن يضاف هذا الأمر الى سجل المحاكمات التي تنتظر الزعماء الثلاثة، اقصد اللصوص الثلاثة أو الأغبياء الثلاثة أو على الاقل العملاء الثلاثة والبقية تأتي. هذه نماذج من عقليات حكمت ولاتزال تحكم بلادنا العربية، ردحا من الزمن بعضها أكثر من 40 سنة، فهل تختلف العقليات الأخرى التي تحكم بقية بلاد الأمة العربية والاسلامية عن هذه النماذج. ولا يضاهي ذلك حاليا في العالم العربي إلا مطالبة وزراء خارجية دول الخليج بفرض حظر جوي على ليبيا حتى تتساوى البلاد العربية في الاحتلال والوقوع في القبضة الامريكية، فهل تنأى دول الخليج بنفسها عن الثورات الشعبية العربية الكاسحة، أم أن ما يحدث في البحرين واليمن وشرق السعودية مقدمة حقيقية للتغيير الشعبي، بعد أن عجز القائمون على الحكم في الخليج عن الاصلاح. سؤال يحتاج الى مناقشة وإيضاح إذ كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
أو قول الشاعر:
ومن يتهيب صعودالجبال يعيش أبد الدهر بين الحفر
التخلف في العالم العربي له اسباب والديكتاتورية لها أسباب والفساد له أسباب، ومن أهم هذه الأسباب غباء الحكام، وعدم فهمهم للعصر الذي نعيش فيه، وسلبية الشعوب قبل ثورة تونس ومصر. اللهم انصر ثوراتنا وأخرج شعوبنا من التخلف وارفع مقتك والحكام الأغبياء عنا. آمين

' كاتب مصري

نقلا عن القدس العربي