مشاهدة النسخة كاملة : هذه هي ليبيا \ إبراهيم مرعي


ام خديجة
03-10-2011, 07:07 AM
هذه هي ليبيا


إبراهيم مرعي

كم كانت ليبيا بعيدة عن العرب، خلال 42 عاماً اختصر العقيد معمر القذافي ليبيا “بشخصه وقيادته الفذّة”، ثم بأفراد عائلته وخصوصاً أبناءه، سيف الإسلام، والساعدي، وعائشة، ثم لاح في الأفق مؤخراً خميس وهنيبعل وسيف العرب ومحمد والمعتصم . . هؤلاء هم وحدهم في الواجهة، إنهم بالنسبة للقذافي كل ليبيا لأنهم يمثلون “سلطة الشعب” التي اخترعها عام 1977 .

خلال ال 42 عاماً، قلّة كانوا يعرفون أسماء بعض الوزراء الليبيين الذين أعطاهم القذافي صفة “أمناء” . لم نكن نعرف كيف يصل “الأمين” إلى منصبه ومتى يُقال أو يُعزل . حتى رفاق القذافي في “ثورة الفاتح” اختفوا، بعضهم أقيل، والبعض الآخر اغتيل، ومنهم من فضّل المنفى . خرج بعضهم إلى دائرة الضوء مؤخراً مع انبلاج فجر “ثورة 17 فبراير” ليعلن الانضمام إلى الثورة، والبعض الآخر لايزال متوارياً .

وحده القذافي ظلّ في الصورة باعتباره “الزعيم العظيم” و”الأوحد” الذي لا يشق له غبار .

جوّف ليبيا، اختصرها بشخصه وبأبنائه، وكانوا يدفعون الملايين لفنانين غربيين وغير غربيين للترفيه والتسلية والعربدة، وينتهكون قوانين الدول التي يزورونها، وإذا ما عوقبوا، فذلك يعتبر اعتداءً على ليبيا وسيادتها (كما في حالتي فرنسا وسويسرا)، بل وصل الأمر إلى حدّ اعتبار ذلك اعتداء على المسلمين، كما قال القذافي في حادثة ابنه هنيبعل في سويسرا .

فعلاً، كم كانت ليبيا بعيدة، وكأنها كانت طوال 42 عاماً في قفص، إلى أن جاءت “ثورة 17 فبراير” لتعرّفنا إلى مدن وبلدات ونواحٍ كانت مجهولة بالنسبة للمواطن العربي الذي كان عليه أن يلجأ إلى الأطلس للتعرّف إلى جغرافية ليبيا ومدنها .

بعد “ثورة 17 فبراير” تعرّفنا إلى الزاوية ومصراتة وصبراتة واجدابيا وسدرة والعقيلة وغريان ورأس لانوف وبن جواد والبيضا وشحات والخمس وبرقة وسرت وزواره ونالوت وسبها ودرنة والبريقة وغيرها . . هي بعض المدن الليبية التي لولا الثورة وتحوّلها إلى بؤر صراع بين الثوار وقوات القذافي لما تحولت إلى مدن حيّة تتردد في وسائل الإعلام العربية والعالمية على مدار اليوم، ولظلّت مجهولة في غياهب النسيان، لأن القذافي كان يريد طمس كل شيء في ليبيا ليبقى هو وحده ساطعاً بارزاً، باعتباره “المجد” و”ملك الملوك” و”قائد العرب والمسلمين” .

كان يسخر من الشعب الليبي، ويعتبر نفسه أرقى منه، وأن شعبه لا يستحقه، ويتردد عنه أنه قال يوماً “قدري أن أكون زعيماً لشعب لا يفهم” .

ومن رآه يخطب وحيداً في “باب العزيزية” أمام بقايا منزله المهدّم ويهزأ بشعبه ويقول “من أنتم؟” ويصفه ب “الجرذان” و”المهلوس”، يدرك كيف يتعامل هذا “القائد” مع شعبه، ومدى ما يكنّه له من احتقار، حيث قرر مطاردته “بيت بيت، دار دار، شارع شارع، فرد فرد، زنقة زنقة” .

ليبيا، بمدنها وقراها التي تتنفس الحرية الآن، أو تلك التي مازالت تعاني وتنتظر، تعود بوجهها الباهي المشرق لترصّع خريطة الوطن العربي بعد غياب قسري لأكثر من أربعة عقود، لتصنع أسطورة المجد الحقيقي، مجد الشعب وليس مجد الزعيم الفرد، وتلتقي مع ثورتي تونس ومصر على خاصرتيها من الشرق والغرب، لتؤكد أن نبض الأمة لايزال حياً ويخفق بقوة، بل هو يتجدد شباباً وعنفواناً، وأن القيم المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة هي قيم مشتركة لا يمكن تغييبها بالقهر والظلم إلى الأبد .

ليبيا تعود إلى الخريطة، نتعرف إلى ملامحها الجميلة، وإلى مدنها وقراها الخارجة من النوم الطويل إلى صباح مشمس مرصّع بالورد والأمل، تحاول أن تزيح عن جسدها تراباً كان مهيأ لدفنها من أجل أن يحيا “القائد” .

ليبيا الجميلة البهية تعود إلينا ونعود إليها، بعد غربة مديدة قسرية، ونتعرف إلى علمها الجديد القديم، وإلى ناسها وثوارها، وأسماء مدنها وتضاريسها .


نقلا عن الخلبج