مشاهدة النسخة كاملة : الثورة المصرية تواجه تحديات إقليمية ودولية


ام خديجة
03-10-2011, 07:00 AM
الثورة المصرية تواجه تحديات إقليمية ودولية

http://img852.imageshack.us/img852/815/145230.jpg

القاهرة - محيي الدين سعيد:

يخطئ من يظن أن “ثورة 25 يناير” المصرية صبت جل اهتمامها على المطالب بتحسين الأوضاع الداخلية، من دون التفات إلى الشأن الخارجي، فالنظرة الأولى إلى الشعارات التي حملتها الثورة قد تعطي ذلك الانطباع الخاطئ، لكن أحاديث الناس في ميدان التحرير والميادين المصرية المختلفة وبيانات الائتلافات والقوى المشاركة في الثورة لم تخل من انتقادات حادة حملت النظام السابق مسؤولية تراجع دور القاهرة على الساحات العربية والإقليمية والإفريقية والدولية .

طوال الوقت كانت المقارنة حاضرة في أذهان المصريين عامتهم ونخبتهم بين ما كانت عليه بلادهم في الخمسينات والستينات من دولة رائدة في منطقتها العربية وقائدة في قارتها الإفريقية وداعمة لحركات التحرر في مختلف مناطق العالم، وبين ما تحولت إليه في عهد النظام السابق، حيث صارت دولة “تابعة” تدور في فلك السياسة الأمريكية، وتكرس اهتمامها بتدعيم التحالف مع الكيان الصهيوني، وتتلقى التهديدات من دول إفريقية بتقليل حصتها من مياه النيل . . هذه المقارنة كانت دافعا لأن يردد المتظاهرون هتافات تطالب باستعادة الدور المصري، ووقف تصدير الغاز للكيان الصهيوني .

كان التصميم على إقالة وزير الخارجية أحمد أبو الغيط بعد إطاحة مبارك دليلا آخر على الرفض الشعبي لإدارة السياسة الخارجية طوال السنوات الماضية، بل إن الدعم الذي يلقاه أمين عام الجامعة العربية ووزير خارجية مصر السابق عمرو موسى للفوز بمقعد الرئاسة في الانتخابات المقبلة يراه مراقبون تأكيداً على أشواق المصريين لإدارة جديدة لملف علاقات بلادهم بمحيطها العربي والإقليمي والإفريقي، فإسهامات موسى تتوقف عند إدارته لتلك الملفات وقت أن كان وزيراً للخارجية أو أميناً عاماً للجامعة العربية، ولم يعرف عنه إسهام في شأن داخلي، فيما حقق في الأولى شعبية دفعت مطربين شعبيين إلى التغني به وبشخصيته، ودفعت أيضاً مبارك إلى إطاحته من موقعه، ما يعزز القول إن المصريين يسعون إلى أن يكون على رأس بلادهم من يستعيد للقاهرة مكانتها .

وقد بدا منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة المصرية أن هناك تحديات إقليمية ودولية تفرض على “مصر الجديدة” التعامل معها بطريقة تختلف عما كان سائداً في سنوات حكم مبارك، فهناك العلاقات المصرية الأمريكية والعلاقات مع الكيان، وعلاقات القاهرة مع قوى إقليمية كإيران وتركيا، إضافة إلى الملف الأخطر والمتمثل في العلاقات مع دول حوض النيل، وقبل ذلك ومعه الطموحات الشعبية بأن تقود القاهرة مرحلة جديدة من العمل العربي بعد أن اختلفت معادلات كثيرة وباتت ثورات التغيير والإصلاح تطرق أبواب العالم العربي بقوة .

أما عن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد بدت واشنطن مستعدة للتعامل مع أي نظام حكم قادم في مصر، حتى لو كانت جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما جاء صراحة على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون التي أكدت أن إدارة بلادها لن تعارض وصول جماعة الإخوان للسلطة في مصر ما دامت تنبذ العنف وتلتزم بالديمقراطية وحقوق كل أبناء المجتمع .

وأضافت أن واشنطن تدعم عملية التحول الديمقراطية في مصر ولا تحدد الفائزين أو الخاسرين “لكننا لا نريد أن نرى أي حزب سياسي أو أي أيديولوجية تحاول خطف العملية”، وتابعت “لذلك اعتقد أنه ينبغي أن تكون هناك ضمانات مدمجة في الدستور وأن تضمن القوانين أنها ديمقراطية حقيقية وأن الانتخابات ستليها انتخابات أخرى ثم انتخابات أخرى وستكون هناك قيود على مدة الولاية” .

أما وزير الخارجية المصري السابق أحمد أبو الغيط فقد أشار في تصريحات صحافية إلى أن العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة “لم تكن مستقرة يوماً”، مضيفاً أنه في “الفترة المقبلة ستكون مصر دولة ديمقراطية برئيس منتخب، أعتقد أن العلاقة ستكون علاقة الند للند بين البلدين” .

مصر والكيان الصهيوني

وزيرا خارجية البلدين تحدثا بدبلوماسية عن العلاقات ومستقبلها، لكن هناك إدراكاً واسعاً في مصر أن علاقات القاهرة بالولايات المتحدة يحكمها الملف الأهم بالنسبة للأخيرة وهو علاقات مصر مع “الكيان الصهيوني”، وهو ما يقود إلى الحديث عن تحدٍ آخر يواجه الثورة المصرية، وقد بدأ الحديث عنه من داخل الكيان نفسه، حيث انشغل الساسة “الإسرائيليون” والإعلام في الكيان بمستقبل تلك العلاقة، بل وذهب البعض إلى الحديث عن ضرورة أن تستعد تل أبيب لمرحلة تقوم فيها القاهرة بإلغاء معاهدة “كامب ديفيد” .

وباتت تل أبيب ترقب كل جديد في مصر وتربط بينه وبين علاقتها بالقاهرة، حتى أن وسائل الإعلام بالكيان أجمعت على أن تولى وزير النقل السابق الدكتور عصام شرف رئاسة الحكومة المصرية خلفاً للفريق أحمد شفيق، يشكل خطراً كبيراً على الكيان ومصالحه مع القاهرة، مشيرة إلى أن شرف “جاء بإرادة الشعب المصري الذي صنع ثورته التاريخية التي أطاحت بالرئيس السابق حسنى مبارك ونظامه” .

وقالت صحف الكيان إن شرف “ليس صديقاً ل”إسرائيل”، بل ويتبنى مواقف رافضة لتطبيع العلاقات معها، بسبب الممارسات الناتجة عن الصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني ولأسباب أخرى لن يفصح عنها”، معتبرة أن الموقف المعادي الذي يحمله شرف تجاه “إسرائيل” وحتى تجاه أي شكل من أشكال التعاون مع حكومة تل أبيب، وبجانب تأييد الشعب المصري له والتفافهم حوله سيؤدي كل ذلك إلى “خلق حكومة مصرية جديدة تحظى بتأييد شعبي وتمثل خطراً على “إسرائيل” وتقف أمام مصالحها، وبخاصة مع مصر، مما يشكل خطورة على اتفاقيات التعاون الاقتصادي الموقعة بين البلدين، والتي كان على رأسها صفقات توريد الغاز المصري لتل أبيب، التي لاقت رفضاً شعبياً جارفاً لدى المصريين، والتي توقفت منذ شهر تقريباً بسبب التغييرات التي شهدتها مصر” .

وفي وقت سابق تحدث المدير العام الأسبق في وزارة الخارجية “الإسرائيلية” عالون ليل عن ضرورة الاهتمام بمصر والوضع الراهن وعدم الانشغال عنها، مشيراً إلى أن “إسرائيل” يجب أن تضع في اعتباراتها قيام الرئيس المقبل في مصر “باتباع نهج تركيا وسحبها لمبعوثها لدى “إسرائيل””، مضيفاً: “لا أعتقد أن الأحداث في ليبيا وتونس ستؤثر بشكل قوى في “إسرائيل”، نظراً لكون ليبيا وتونس خارج دائرة المفاوضات حول الصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني، ولكن بالنسبة لمصر فالوضع مختلف تماماً”، معتبراً أن معاهدة السلام مع مصر عام 1979 لها أهمية وتأثير أكبر بكثير من مصير الزعيم الليبي معمر القذافي، متسائلاً: “هل ستستمر هذه المعاهدة وهل ستستمر العلاقات الدبلوماسية مع مصر؟” .

وتناول ليل في تصريحات تداولتها وسائل الإعلام على نطاق واسع إعلان عمرو موسى نيته للترشح لانتخابات الرئاسة المصرية، لافتاً إلى: “أن نهج موسى مختلف تماما عن مبارك”، مشيراً إلى أنه “لن يلغي معاهدة السلام ولن يقطع العلاقات الدبلوماسية، لكنه من الممكن أن يسحب السفير المصري وسيكون شديد الحذر في تصريحاته وتعاملاته مع إسرائيل” .

تصريحات الدبلوماسي “الإسرائيلي” السابق، توازيها تساؤلات يطرحها مراقبون مصريون في الخارج عن مستقبل العلاقة مع الكيان في عهد نظام حكم جديد ينتظر أن يكون قائماً على مرجعية ثورة يناير التي أعلن صناعها رفضهم لتبعية القرار السياسي في بلادهم لأية جهة خارجية، ومطالبتهم بوقف تصدير الغاز للكيان، ودعوتهم إلى دعم المقاومة . ويتحدث مراقبون عن أن صيغة حكم تجمع بين عمرو موسى على رأس السلطة وسيطرة لجماعة الإخوان المسلمين على صناعة القرار عبر البرلمان من شأنها أن تقود بالفعل إلى تبني النهج التركي في العلاقة مع الكيان، حيث الشد والجذب مع الحفاظ على اتفاقات قائمة بالفعل، من دون سعي إلى تفعيل هذه الاتفاقات أو زيادتها، ومن دون الوصول بالعلاقات إلى طريق اللاعودة .

حرب المياه

التحدي الأخطر في رأي المراقبين الذي بات على الثورة المصرية أن تواجهه مبكراً، يتمثل في أزمة حوض النيل وقيام بوروندي قبل أيام بالتوقيع على اتفاق “عنتيبي” لتقسيم مياه النيل لتصبح الدولة السادسة الموقعة على الاتفاق، ما يعني دخول الاتفاق حيز النفاذ بعد تصديق برلمانات الدول الست عليه .

الاتفاق الذي ظل مرهوناً بتوقيع دولة سادسة من دول حوض النيل لا يعترف بالحقوق التاريخية لكل من مصر والسودان في مياه النيل الواردة في اتفاقيات سابقة، وهو يلغي حق الفيتو الذي تمنحه تلك الاتفاقيات لمصر على بناء أي سدود على النيل ويسمح لكل دول حوض النيل بإقامة مشروعات مائية وكهربائية وحواجز على مجرى النيل تقتطع كمية كبيرة من نصيب مصر من المياه “التي لا تكفيها أصلاً”، وقد جاء توقيع بوروندي على الاتفاق في هذا التوقيت ووسط الاحتفالات بانتصار الثورة المصرية ليشكل دليلاً جديداً على التغلغل الصهيوني والأمريكي في حوض النيل، وهو أمر يتحمل مسؤوليته كاملة نظام الحكم السابق، الذي عجز عن الحفاظ على مكانة مصر في قارتها، وترك الساحة خالية أمام العبث الصهيوأمريكي بالقارة، فيما يرى مراقبون أن اختيار بوروندي هذا التوقيت جاء بدافع من الكيان لشغل الثورة المصرية عن استكمال إصلاحاتها الداخلية من ناحية، ولاختبار مدى قوة تلك الثورة في مواجهة مثل هذا التهديد الخارجي من ناحية أخرى، خاصة أن القائم على رأس الإدارة المصرية في الوقت الحالي هو الجيش المصري، إضافة إلى أن بوروندي ذاتها قد ظلت تتعهد إلى وقت قريب بعدم التوقيع على الاتفاق، لكنها وتحت دعوى أن هناك فراغاً في مصر حالياً سارعت إلى الانضمام إلى الدول الخمس الموقعة على الاتفاق، ما يهدد بالعودة إلى الحديث عن حروب المياه في المنطقة .

مصر العربية

على صعيد ملف العلاقات المصرية العربية نستطيع أن تلمس حالة من التفاؤل الواسع بأن مصر على أبواب قيادة مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، ويتذكر المصريون في هذا الشأن أن ثورة يوليو 1952 استطاعت بزعامة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قيادة حركة قومية عربية جعلت المنطقة عصية لسنوات على التدخل الأجنبي، وقدمت الدعم بكل السبل لقوى التحرر وللمقاومة الفلسطينية، كما استطاعت في الوقت نفسه اجتذاب أبناء الأمة العربية إلى تلقي التعليم في مدارسها وجامعاتها حتى صار أغلبية من تقلدوا المناصب الرفيعة في البلاد العربية من خريجي الجامعات المصرية، وهو دور افتقدته مصر بعد رحيل زعيمها وباتت تتطلع إلى استعادته الآن، بل وباتت هناك أشواق معلنة إلى إعادة بعث الدور المصري نحو تحرير المنطقة من الاستعمار الجديد المتمثل في التدخلات الأمريكية والغربية والتغلغل الصهيوني في البلاد العربية .

إيران وتركيا

تفرض العلاقة مع كل من إيران وتركيا نفسها على مصر ما بعد الثورة، وأما عن تركيا فقد دعمت تصريحات المسؤولين الأتراك الثورة المصرية منذ اندلاعها وجاءت زيارة الرئيس التركي عبدالله جول للقاهرة لتضفي مزيداً من التدعيم لتلك العلاقة ولتعطي انطباعاً بأن ثمة شكلاً من أشكال التحالف قد تشهده العلاقات بين البلدين في المرحلة المقبلة، يدعمهما في ذلك تطلعات إلى لعب دور إقليمي مؤثر وإدراك بأنه من الأفضل أن يكون دور القاهرة وأنقرة متكاملاً وبعيداً عن الصدام .

وأما عن إيران فقد جاء مرور السفينتين الحربيتين التابعتين لها في قناة السويس بعد أيام من انتصار الثورة وفي حدث هو الأول من نوعه منذ أكثر من ثلاثة عقود، جاء ذلك اختباراً لمستقبل العلاقة بين البلدين بعد سنوات من التوتر والصدام، حيث اعتبر مسؤولون مصريون أن السماح بمرور السفينتين جاء لأن “إيران ليست دولة معادية” ويتبقى الانتظار لإدارة نظام الحكم القادم في مصر لملف علاقاته مع طهران، وهو ملف من شأنه أن يحدد كثيراً موازين القوى في المنطقة خلال السنوات المقبلة .

تحديات وملفات أخرى كثيرة تفرض نفسها على “مصر الجديدة” ويترقب الجميع كيفية إدارتها بشكل مختلف، ويعتقد مراقبون أن تغيير وزير الخارجية أحمد أبو الغيط سيكون بداية هذا التعامل المختلف، من بين تلك الملفات يأتي اختيار مصر مرشحاً لمنصب أمين عام الجامعة العربية خلفاً لعمرو موسى، يحظى بقبول عربي خاصة وقد أعلن عن الرفض العربي لترشيح الوزير السابق مفيد شهاب للمنصب، كما أن هناك ملف المصالحة الفلسطينية والدور المصري فيها، وتطلع فصائل المقاومة الفلسطينية إلى قيام نظام حكم يدعمها أكثر مما يدعم جولات تفاوض لا طائل من ورائها مع الكيان .

هناك أيضاً ملف السودان والتعامل معه بعد أن صار مقسماً إلى دولتين ومهدداً بإضافة دولة ثالثة في دارفور، حيث بات على القاهرة تعويض ما فاتها من الدفاع عن أمنها القومي وتركه نهباً للتقسيم والتدخلات الخارجية، كما صار عليها التعامل مع واقع جديد يتمثل في دولة جنوب السودان التي سيعلن عن قيامها رسمياً بعد شهور قليلة، وهي دولة تتقاسم مع مصر والسودان مياه النيل .

نقلا عن الخليج