مشاهدة النسخة كاملة : عندما تكون السجون للمكافئة والعقاب... (محمد فاضل ولد محمد الإمام)


ابو نسيبة
03-10-2011, 01:48 AM
عندما تكون السجون للمكافئة والعقاب... (محمد فاضل ولد محمد الإمام)

السجن ، التحقيق ، تهم بالفساد ... كلمات مخيفة ، وأوصاف ثقيلة ، خصوصا إذا كانت في حق من هو بعيد كل البعد عنها ، فعندما يغيب أصحاب الأيادي البيضاء والقلوب الرحيم والنفوس العظيمة وراء السجون ساعتها ، فقل على الوطن السلام .
محمد مولاي العربي ، الذي عرفته عن قرب ـ وبالمخالطة يعرف الناس ـ عرفته خفيفا إلى الصلاة ، لا يشغله عنها شاغل مهما كانت أهميته ، ودود ، جبل على التواضع ، رقيق القلب ، عفيف اللسان لا تسمع منه إلا طيبا ، بشوش الوجه ، نظيف اليد مستقيم في معاملاته حد الورع ، صاحب دعابة في غير غيبة ولا نميمة ، لا تمنعه ابرتوكولات الإدارة من القرب من من حوله... يتعرض اليوم لظلم عظيم ، ولطالما ظلم العظماء ... وأعظم من السجن وأنكأ جرحا ما تتناوله الأقلام وتلوكه الألسن ، من عرض الرجل ، ولكن ذلك لا يضره ، فلئن وقع ضحية تصفية حسابات سياسية ، فسيبزغ فجر الحقيقة لا محالة
لقد كنا نظن خيرا بالنظام عندما كان يرفع شعار محاربة الفساد ، لكن خاب أملنا بعدما رأينا من ثبت فسادهم من أعضاء الحكومة وموظفين ساميين ، ينعمون بمناصبهم دون مساءلة ، وفي أحسن الأحوال تسريحهم دون محاسبة ، خصوصا من أعترف عليهم الوزير الأول بالفساد أمام البرلمان كوزير الصحة ، لكن أولائك لهم حصانة القرب من النظام ، ولعل في قصة ولد الوفق الذي كان محل هجوم متكرر وتعريض مستمر من الرئيس وغيره خير دليل على سياسة الكيل بمكيالين ، فالرجل أصبح بقدرة قادر نظيفا صالحا بعد ما أغتسل من أوساخ الفساد ورائحة الأرز الفاسد العفن بالدخول في رحمة الأغلبية ، ونال صكوك الغفران من رئيس الجمهورية الذي يغفر لمن يشاء ويعاقب من يشاء ، لأن فخامته ينسى في غمرة التفكير بالقواعد الانتخابية وعوده ووعهوده فتحل محلها وعود ووعهود .
أما أولائك الذين عرفوا بالنزاهة والنظافة ، فما أسرع أن تمتدد إليهم أيادي السجانين ، ويصبحوا عنوان محاربة الفساد واستقلال القضاء ودليلا لمن يسأل عن مصير محاربة الفساد، ولا يشفع لهم إنجازهم الذي يكفي لتبرئتهم ، فمولاي العربي الذي تولى إدارة سونمكس مع بداية حكم المجلس العسكري وجد الشركة في حالة من الإفلاس والعجز حتى عن تسديد رواتب العمال ، عمل وبشهادة مجلس إدارة الشركة نفسها على انتشالها من وضعيتها السيئة ، وحولها من شركة مفلسة تغرق في الديون إلى مؤسسة قوية قادرة على تحقيق الأهداف التي رسمت لها بجدارة
خرج منها لا كما يخرج الكثيرون من من جاءوا إلى مؤسسات بمثل وضعيتها ، بل خرج منها وفي حساباتها 16 مليار أوقية ، وبماذا خرج هو ؟ هل خرج بعقارات ، وحسابات بنكية موزعة بين بنوك الداخل والخارج ، هل خرج بقطعان من لإبل تجوب أطراف البلاد مع سيارات عبرات الصحراء ... ، إنه خرج بأقل مما يستحق ، وما ذلك إلا لتركه الكثير من حقه مخافة ما ليس له فيه الحق .
وباختصار السيد مولاي العربي يتعرض لمعاقبة على مواقفه السياسية فقد كان الرجل ينخرط في تيار سياسي يشكل حزبه حزب طلائع التغيير جزء منه وقف في وجه الانقلاب الذي نفذه ولد عبد العزيز على الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله ، وكان له دور كبير في التعبئة ضده ، في الفترة التي سبقت اتفاق دكار ، وفي الانتخابات التي أعقبت اتفاق دكار قرر حزبه أن يدعم أحد مرشحي الرآسة الذين وقفوا باستماتة ضد انقلاب ولد عبد العزيز ، ولا يزال حزبه حتى اللحظة من الأحزاب المشكلة للجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية ، هذا فضلا عن رفضه المتكرر لعروض التوظيف في دائر مقربة من السلطة
كان الأولى بالولد عبد العزيز وهو الذي كسب أصوات الموريتانيين في الانتخابات الرآسية لا حبا فيه مع احترامنا له لكن طمعا في أن ينجز وعوده بتحقيق العدالة ومحاربة الفساد وإدارة الدولة بأسلوب مختلف عن العهود السابقة ، كان أولى به وهو يرفع تلك الشعارات المدغدغة لعواطف الشعب أن يستفيد من خبرات محمد مولاي العربي وأمثاله ويسأله كيف نجح في إصلاح الشركة التي عجز عن إصلاحها من سبقوك ، كان عليه أن يكرمه ، ويرفع من شأنه لا أن يذله ويهينه ، في حين يوزع التوشيحات على من هم دونه نزاهة وكفاءة وأدا .
أعتقد جازما أنه لو قرر السيد محمد مولاي العربي الانضمام إلى صف الموالاة لخرج من السجن بسرعة أكبر من تلك التي دخل بها ، ولأصبح بطلا قوميا ولسلطت الأضواء على ماضيه وحاضره وإنجازاته وكفآه وأداه ، ولنال أعلى المراتب ، لكنه وهو الشريف نسبا وصفة والأبي نفسا يأبى أن يناقض ذاته ، أو يتنكر لمبادئه .
أما أنت أيها المسجون بغير حق فلا تبتئس ولا تحزن فلإن غيتبك الجدران المظلمة والقضبان الصدئة ، فلأنت الحر وهم الأسرى الأسرى لظلمهم وظلامهم وأسرى لعقولهم الضيقة التي تضيف بكل ذي رأي مخالف وموقف مناوئي .

نقلا عن الأخبار