مشاهدة النسخة كاملة : البوصلة! (حماه الله ولد السالم)


أبو فاطمة
03-09-2011, 05:25 PM







البوصلة! (حماه الله ولد السالم)

لا شيء أسمى من العدل، فهو روح الشرائع ونظام الكون وفطرة الإنسان، وبفقده يختل الاجتماع وتجف منابع الخير وتنتشر الريبة والخوف والحقد وتتراجع ملكات الإبداع والكفاءة والبناء والمسؤولية.
تكشّفت خفايا الأنظمة المنهارة عن أشياء رهيبة بدء بالسجون السرية وتلك القابعة تحت الأرض وحتى المُتابعة المرعبة للناس في بيوتهم وأعمالهم.
عرف الجميع، وبدون تحليل ولا دراسة، أسباب الضعف العميقة وعوامل التخلف والانحطاط التي عمت بلداننا ردحا طويلا من الزمن، وجدها الجميع شاخصة في غياب العدل الذي كلما غاب عن جزئية من الحياة إلا وظهر فيها الخلل والخواء والفساد والضعف والسوء.
قمة العدل هي ترك الناس وما يرضونه من عقيدة وعرْف، يحكمون بها أنفسهم، ويرجعون إليها في نوازلهم ورأيهم وأمنهم وخوفهم.
ولا ظلم أشد من حرمان شعب من ذلك الحق، وتركه يتيه في بيداء الوهم، يخضع للتجارب المهينة والمذلة من قبل شياطين الإنس المُستلبين حضاريا وثقافيا.
والأدلة على ذلك كثيرة وأشهر من أن نقف عندها، حتى في بلدنا المسكين الذي لم يتنفس مواطنوه هواء ثقافيا واجتماعيا نقيا، لأن أبناءه يخضعون للقمع الفكري المُمنْهج ضدا على قيمهم وثقافتهم بتدبير من الاستخبارات المحلية التي ترى في ذلك مصلحة ودرءا لضغط أجنبي أو داخلي؟ وبأمر عتاة المجرمين من "خبراء" الغرب والشرق الذين يعبثون بتربيتنا وثقافتنا.
حتى البلدان التي تؤمن بخيارات عقدية وثقافية أخرى، مثل الصين استطاعت بناء مشروع التنمية والتقدم ومن دون التفريط في القيم الأساسية وحتى في النظام السياسي ـ الاجتماعي مهما كانت طبيعة الاجتهاد القائم عليه. وبالطبع كان لذلك ثمنه، الباهظ أحيانا، لكن الهدف كان يستحق.
نهاية المشروع التغريبي
أفلس المشروع العلماني القائم على قتل الروح الإسلامية والهوية الحضارية والثقافية وتحييد أخلاق الفطرة وقيم العمل والصبر والقناعة والفضيلة.
الدول التي تخلصت من تأثير العلمانية والتغريب، خرجت من عنق الزجاجة إلى رحابة القوة والمنعة والنماء والمصالحة مع ذاتها.
لقد كانت إيران، مثلا، قبل الثورة الإسلامية، لا تستطيع صناعة سياج من الحديد، وليس هذا المثال مجازيا، بل واقعيا!
وبعد قيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، استطاعت القدرة الإيرانية إنتاج المعدات المعقدة والثقيلة التي تصنع أدوات الإنتاج، وهي أعلى مقامات الصناعات الثقيلة في علم التصنيع الأساسي.
وكانت القفزة الكبرى بدخول النووي السلمي واغتراف العلم من منابعه المعقدة والصافية، فجن جنون القوى المستكبرة، وعرفت أن ذلك البلد عرف طريق التقدم، وسبيل التحرر من التبعية والجهل والمرض والخوف والضياع، وامتلك مفاتيح سجنه وهي عبارة بليغة صاغها ذات يوم مفكر معارض للاستعمار.
وفي السودان تحققت معجزة كبرى بكل المقاييس، حيث استطاع هذا البلد الخروج من دائرة التبعية السياسية مباشرة برفضه الخضوع لأية إملاءات، مهما كان نوعها، و أيّا كان مصدرها.
لم يكن ذلك ليحصل لولى الإرادة السياسية التي جعلت بلدا مترامي الأطراف، متخلفا ومتنوعا، في السودان، يشهد نقلة عجيبة في الزراعة والتصنيع الحربي والمدني ويعيد بناء جيش حديث واستخبارات متمرسة. وها هي الدولة السودانية، بعد أن تخلّصت من الهمّ الذي كانت تجرّه، تتصل بقنوات العلم والبحث في الخارج لتفيد من علماء السودان في المهاجر وتتفرغ لترسيخ البنية التحتية للتقدم والنماء.
الجامعات والمعاهد والكليات والمدارس الإيرانية أخرجت العقول المقتدرة والسواعد المتمكنة ولم تلق بالا للمظاهر الجامعية الغربية الكاذبة القائمة على الرياء العلمي والنفاق المعرفي والجدل البيزنطي والمراسيم الوثنية.
جامعات الخليج لم تقدم اختراعا واحدا أساسيا طيلة عقود من الزمن، ولم تُخْرج مفكرا واحدا أصيلا يقدم أنموذجا تفسيريا للمجتمع أو للتاريخ أو للتراث، إسهاما في حل مشكلات الناس، بل بلغ الحال ببعض النظم الخليجية أنها نقلت بعض مُركّبات الجامعات الغربية معمارا ونظاما إلى عواصم خليجية، ظنا منها بأن شيئا مثل ذلك سيكون كفيلا بحل المشكل، فلم تزد على إنتاج مصغر للتجربة الغربية معرفيا وتقنيا وبطريقة ميكانيكية نمطية خارج التاريخ والمجتمع والعقل!
كان الهدف سرابا، وظلت الوسائل وهْما، وبالطبع كانت النتائج كارثية على كل الأصعدة: إقتصاد ريعي واستهلاكي وخدَمي، وأجيال ضائعة منفصلة عن الدين واللغة والحضارة وقيم الصبر والقناعة والتمَعْدُدْ، إلا قليلا!
الدول التي يسيطر عليها المشروع العلماني والتغريبي، جزئيا أو كليا، تدور في حلقة مفرغة، من الدراسات والورشات واللقاءات والملتقيات، وبالبرامج التأهيلية والتكوينية، ولم تستطع الخروج من الضياع والجهل والتبعية والفقر والمذلة أيضا.
ما تبحث عنه الشعوب هو الإرادة التي تمكنها من امتلاك مقدراتها، لكنها لا تحتاج إلا إلى البوصلة التي تحدّد لها، تقنيا، جهة "القبلة" التي تعرفها مسبقا، بفطرتها ودينها وتراثها.
قال رئيس وزراء مصري أسبق، ولم يكن سارقا ولا متزلفا، كنت أعرف ما يريده الشعب من خلال ما أقوم به يوميا من إجراءات لتسيير الشأن العام، ومنها معرفة مستوى الديون والرصيد المالي والإنفاق قبل الساعة الحادية عشرة!
لكنه رغم وجاهة عمله التقني، كان يدبّر الأمر من علٍ وبطريقة جزئية بعيدة عن النظر التأليفي الذي يشمل كل الأمور وينظمها بخطة للإصلاح والبناء.
توالت على كرسي الوزارة شخصيات "بالغت" في تقدير مصالح الشعب، ولذلك خرجت من الوزارة بملايين الجنيهات أو المليارات، باستغلال النفوذ أو بالنهب المباشر لمال سكان الدويقة والمقطم وامبابة.
بين ذيْنك الأنموذجين، ذهبت وزارات وجاءت أخرى، في بلادنا، ولم تخرج على حدّين اثنين: تدبير جزئي لا يسمن ولا يغني من جوع، أو سرقة لا تبقي ولا تذر!
هل سمعتم بدولة لا تملك مشروعا من أي نوع؟ وبنُظم تأتي وتذهب ولا تخلّف وراءها غير الذكريات المريرة عن الصراع الداخلي وتصفية الخصوم وحرمان عمرو أو زيد من حقه أو حقوقه، والإفراط في بناء ما يُشعرها بالقوة وبأنها دولة أو سلطة تشعر بنقص داخلي وتريد أن تقنع نفسها بذلك، وهو ما لن تتخلص منه إلا بالمزيد من التغوُّل على المجتمع والإفراط في السلطة، في حلقات مفرغة لن تنتج إلا مزيدا من الغربة عن المواطنين والاغتراب عن حقيقة ما يؤمنون به.
حتى في ظل الدولة ـ الفاشلة، يحدث أحيانا شيء من الفعل الجاد، هناك في الزوايا المعتمة، لكن الفشل العام سرعان ما يبطل ذلك "الإبداع" ويلغيه فيعود شعوذة ودجلا.
ذات يوم افتتح مشروع صناعي تابع لشركة المعادن (اسنيم)، تحت عنوان (كوميكا)، لصناعة بعد قطع الغيار، أو تعديلها، كان تجربة بالغة الذكاء والوطنية، والمغامرة، في ظل رقابة من الخصم التاريخي، لكنها استمرت، ثم دخلت غياهب النسيان، أو قتلت في المهد بعد برهة!
ولم يقل أيّ كان، ومن أي نظام، ما الذي يجعل بلدا مثل موريتانيا، هو مركز معادن الحديد يستورد قضبان الصلب للبناء والتشييد، ومن السنغال أو عبر موانئه؟
ولم يقم نظام لا في الماضي ولا في الحاضر ببناء مصنع للصلب حتى ولو كان فُرْنا من تلك التي أنشأتها الكومونات إبان الثورة الثقافية في الصين الشعبية.
الخيارات القلقة
لم يعد أحد يصدق أن هناك خطرا داخليا، من أي نوع كان غير الرداءة الفكرية والسياسية، وسوء التسيير والتقدير، والتسلط والاستبداد بالرأي، وغيرها من تفاصيل مشروع العلمنة الجزئية أو الكلية والتغريب والتبعية والظلم والاستبداد.
ويشكل الإمعان في سياسة عدم المبالاة بالقيم الكبرى الدينية ولثقافية، عاملا يزيد في الإحباط والمرارة وربما الريبة تجاه الدولة وحتى المجتمع.
ولم يعد يكفي الاستناد إلى الحضور الرمزي للدين والثقافة والقيم العامة، في المشهد الوطني، ولاسيّما للتدليل على تطابق الدولة والسلطة مع القيّم الجماعية.
العلاقة مع المشروع الوطني (وفك الارتباط بالقيم العلمانية والتغريب والتبعية)، هو جوهر مصداقية الدولة ومبدأ اقتناع المجموع بالشأن العام، والباقي هو مجرد تفاصيل، لها أهميتها، لكنها تندرج، حتما، تحت وهج ومظلة وكلية المشروع الوطني، لاستعادة روح الأمة التي هي وحدها منبع الإبداع والكفاءة والتقدم.
ليس بمكْنَة أي كان، معرفة طبيعة ما يجري، أو ما يُخطط له أو حتى ما ترمي إليه سياسات بعينها، مهما كانت مقبولة مبدئيا، لكنها في الغالب، قصيرة النفس، أو مرتجلة، أو حتى متردّدة، وبالنتيجة، وحتى إذا آتت أكلها حينا، فهي تبقى معزولة وضامرة ومجزّأة، وغير كافية، وهي إنْ تجاوزت كل ذلك ليست مقنعة، لأنّ أولي البصائر لا يجدون بينها رابطا من أي نوع يصِلها بمشروع للتحرر من المظالم التاريخية والسياسية والمجتمعية، التي تجد أصلها في هيمنة الأجنبي وأوامره وتجاربه الفاشلة في تدبير الدولة ومؤسساتها خدمة ولسانا ومنهجا.
ولذلك يظل السؤال المُعلّق، إلى أين نتجه وماذا نريد أو يُراد لنا؟ وهل سنظل في نفق مظلم لا نرى فيه ضوء ولا مخرجا، بل نتلمس بصيص النور عبر الشقوق والجدران الصماء.
إنها سياسة غريبة وعجيبة وغير مقبولة، تلك التي تجعل من تدبير الدولة عملا منفصلا عن مشروع كامل بعينه، أيا تكن طبيعته، أو مصداقيته، وتبالغ في الكتمان والتّقْية وتحرّك الدواليب العامة على طريقة الخدمة السرية (Intelligence ) وفقا للمبدأ المشهور: المعرفة بقدْر الحاجة! ولذلك فليس لأي كان وزيرا أو مديرا أو رئيس هيئة، أن يتصرف إلا وفقا لمعرفته، أي لما يُملى عليه. وهي كارثة بكل المقاييس، لكن نتائجها التراكمية ستكون أكثر كارثية.
والأدهى من ذلك وربما الأمر، الاقتناع بأنها خير سبيل، لتسيير الدولة الحديثة، ولاسيما تلك التي هي في موقعنا أو في مواجهة "المخاطر" الوهمية أو النصف حقيقية.
هناك عنصر بالغ الخطر في تلك السياسة، وهو بالطبع عنصر خفي، غير معلن، كباقي عناصر سياسة "الخدمة السرية"، هو عدم الاستعجال، وضرورة التمهّل إزاء الإنماء ولو في التنمية العمرانية، لأن البناء والتشييد والنماء قد يتهدّم بفعل مخاطر يجب التنبّه لها مسبقا، من قبيل الصراع الداخلي وانفجار الطموحات الفردية أو الجماعية، ولذلك فليس من المُجدي، ولا من الصواب، البناء والإنماء ليتم هدمهما في مواجهات مقبلة من أي نوع! هي قمة التشاؤم وسوء التقدير والإضرار بالناس. وأيضا الجهل بحقيقة فطرية وهي أن من لم يُصْلحه العدل فلا أصلحه الله، وليس من البلادة تمكين الناس من حقوقهم حتى ولو زاد ذلك من قواهم وشدّ من أزرهم، لأنهم سيكونون، في النهاية، أقرب للصواب وأدنى للخير، منهم إلى غير ذلك.
وبغض النظر عن صحة أو احتمال وقوع الخطر من عدمه، فلن يقلل من تلك المخاطر، إنْ لم يساعد على إخماد بؤرها، غير الإسراع في القضاء على أسباب الخيارات القلقة بشريا ونفسيا ومجتمعيا.
ولم يقل أحد من العالَمين إن البناء في ظل الخوف من المستقبل، ولمجرد الاحتمال أو الظن الراجح، لوقوع المصائب، عمل غير ذي جدوى، لاسيّما مع توالي الخبرات القديمة والجديدة، المُؤكّدة على أن عمل الخير وفعل المحامد والعدل والكفاية توقي من الكوارث والمصائب وتصلح ولا تفسد، مهما ساءت نيات الخصم وخبثت مراميه.
الرافضون للمشروع العلماني التغريبي والاستبدادي، هم الخصم الفعلي أو المفترض لكل حاكم ولكل دولة فاشلة في عالمنا العربي والإسلامي.
المشروع الوطني القائم على رفض العلمنة ورفض التغريب ورفض التبعية، هو المعْبر الوحيد إلى التوازن في النفسية الجماعية والانسجام بين المجتمع والدولة.
لماذا لا يصرّح نظامنا بالمشروع الذي يريده للمجتمع؟ ولماذا تسود في سياساتنا حالة دائمة من التّقْية والتحايل والمجاملة تجاه قيمنا الأساسية التي هي الرباط الوحيد الذي يجمعنا ويوحدنا، ولماذا تُفرض علينا سياسة النعامة والذئب وليس غيرهما من الوحوش النبيلة والقوية.
لا ننكر أنّ للدولة "حقها" في التدبير الخفي والنصف علني، ولها حقوقها في ترتيب الأولويات وحفظ المراتب وتقريب من تشاء وتعديل ما تشاء، من السياسات التدبيرية، لكن لكل أمر حدودا ولكل شيء حدّا وميزانا.
ولله الأمر من قبل ومن بعد

نقلا عن السراج الإخباري