مشاهدة النسخة كاملة : هندسة الثورة (محمد المامي ولد مولاي علي )


أبو فاطمة
03-08-2011, 03:47 PM
هندسة الثورة (محمد المامي ولد مولاي علي )

ما إن بدأت سنة 2011 حتى بدى وكأنها سنة الثورات العربية بامتياز، تلك الثورات التي تأتي على اليابس من الأنظمة المستبدة التي جثمت على صدور شعوبها عدة عقود.
اقتلعت الثورة التونسية الزعيم التونسي المتغطرس في 28 يوما ، فاستلهم الشباب المصري التجربة واستحث الهمم ليقتلع الطاغية المصري، وكان لهم ما أرادوا في 18 يوما، و بدى وكأن المناقصة مفتوحة، فاشتعلت الثورة في ليبيا كما اشتعلت في دول عديدة أخرى كاليمن والبحرين والعراق كاسرة جدار الصمت في مواجهة أنظمتها وإن بوتيرة متفاوتة تثير التساؤل عن إمكانية نجاحها ومدى سرعة ذلك النجاح.
ولأن موريتانيا دولة عربية كباقي الدول العربية كثر الحديث عن إمكانية حدوث ثورة موريتانية على غرار ما وقع وما هو واقع في باقي دول العرب، وانقسم الناس حولها بين من يتمنى أن تحدث ثورة في موريتانيا تقتلع النظام القائم-رغم أن البلد شهد هزات سياسية عنيفة وتغييرات كبيرة منذ انقلاب 2005- في حين أن البعض لا يكتفي بالتمني وإنما يسعى لهذه الثورة ويروج لها بين فئات الشباب المتحمس للتغيير، وقد وقعت في الأيام الأخيرة وقفات احتجاجية تؤكد هذا المسعى، وفي المقابل يخشى البعض من هذه الثورة المرتقبة وما قد تحدثه من نتائج قد لا تكون محسوبة مبررين تخوفهم بالبنية الهشة للمجتمع الموريتاني بمختلف أعراقه، بينما يسعى البعض لمنع وقوع ثورة في موريتانيا بكل ما أوتي من قوة مدافعا بكل جهده عن النظام القائم.
ونحن هنا لسنا بصدد النظر في تقييم النظام القائم ومدى صدق حاجته للتغيير، وإنما نحن بصدد قراءة بسيطة للعوامل المنتجة للثورة والمؤثرة فيها وإمكانية التحكم في تلك العوامل
فالثورة هندسة دقيقة تقوم على متغيرات ومحددات تحتم وقوع الثورة إذا انتظمت وانسجمت في آلية ووضعية معينة، كما تمنع في المقابل وقوعها وتحول دون حدوثها إذا أخذت تلك المتغيرات شكلا وصورا أخرى.
والذي يحاول خلق ثورة لم تتشكل عواملها ولم تتوفر مسبباتها هو كالذي يحاول منع ثورة نضجت أسبابها وتهيأت عواملها كلاهما يضرب في حديد بارد، فللثورة قوانين وسنن وعوامل ينبغي تأملها قبل التفكير في خلق ثورة أو منع أخرى.
إن أكثر العوامل فاعلية في خلق الثورات هو الوزن المجتمعي للشباب، فالمجتمعات التي ترتفع فيها نسبة الشباب يرتفع فيها احتمال قيام الثورات بالنظر إلى حيوية الشباب وسرعة تأثره بمجريات الأحداث من حوله وانتشار البطالة في قاعدة عريضة منه، خصوصا إذا كان متعلما، وبديهي أن هذا العامل ثابت على المدى القصير والمتوسط.
ثم إن هذا العامل أيضا يخلق عاملا آخر لا يقل عنه أهمية في إنتاج الثورات وهو مدى التعاطي والتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت وخصوصا الفيس بوك والذي يعتبر أكثر رواده إن لم نقل كلهم من جيل الشباب، والتعاطي مع هذه المواقع يسهل عملية نقل الأفكار وترويجها بين الشباب كما يمكن من تنسيق جهودهم ويمكن من التواصل مع شباب مجتمعات أخرى نجحت فيها الثورات ويتيح استيراد خبراتهم.
هذه المواقع الاجتماعية وإن أمكن حجبها نسبيا باعتبار أن حجب المواقع لم يعد يجدي نفعا نظرا لإمكانية تخطي هذا الحجب من الفنيين وحتى من الهواة خصوصا إذا علمنا أن أكثر المستخدمين قد خبروا التعامل مع الانترنت ولا تعوزهم وسيلة لتخطي عمليات حجب المواقع، ثم إن الضجة الإعلامية التي قد يسببها حجب موقع كالفيس بوك قد يكون أثرها بليغا في التمكين لفكرة الثورة داخل المجتمع وهو ما يقودنا لعامل آخر له أثره الكبير في إذكاء جذوة الثورات وإنضاجها وهو مدى كبت الحريات وخصوصا حرية التعبير وحرية الإعلام، ومعلوم أن الدول التي قامت فيها الثورات حتى الآن تشترك جميعها في مستوى حجب الحريات وتكميم الأفواه، الأمر الذي يولد كبتا قد يؤدي انفجاره لما لا تحمد عقباه، وقد رأينا أن وسائل الإعلام لم يعد من الممكن التحكم فيها بالطريقة التقليدية نتيجة التكنولوجيا المتطورة للمعلومات، ولم تعد القوانين والنظم التي تكبت حرية الإعلام تجدي نفعا، بل على العكس من ذلك تولد نقمة لدى الإعلاميين والحقوقيين والسياسيين مما يجعلهم يرمون الأنظمة السياسية بالفساد وغياب الديمقراطية .
إن تفشي الفساد وغياب الديمقراطية وانتشار الاستبداد هي أيضا عوامل تجعل الشعوب في حالة من الاحتقان والنقمة والحقد على الأنظمة وبالتالي تجعلها تستجيب لأول دعوة جادة للانقلاب على الأنظمة الاستبدادية، خصوصا مع وجود دول نجحت في خلع زعمائها وتنفس شعوبها الصعداء بعد عقود من الظلم والقهر والقمع، غير أن هذه العوامل على قوتها وخطورتها يمكن للأنظمة القائمة التحكم في مجراها، بمعنى أن محاربة الفساد وإتاحة الحريات وترسيخ الديمقراطية الحقة ومحاربة الفقر والبطالة بما يلامس حياة المواطنين يجعل احتمال قيام الثورة غير وارد خصوصا في أنظمة حديثة لم تعمربعد، فعمر الأنظمة وطول بقائها يشكل هو أيضا عاملا مفصليا في خلق الثورات وإنتاجها سيما إذا كانت جائرة مستبدة، وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه يكفي من الحاكم أربع سنوات فإن كان عادلا مله الناس وإن كان جائرا فيكفي من الجور أربع سنين ، فما بالك بأنظمة عمرت عقودا مثنى وثلاث ورباع.
هناك عوامل أخرى لها أثرها الكبير في تسريع وتيرة الثورات وتسارع نتائجها، فتوحيد مطالب المتظاهرين ، ومواجهتهم بالقمع العنيف، والتغطية الإعلامية لنشاطاتهم-خصوصا من قناة الجزيرة-يبقى لها الدور الكبير الذي لا يمكن تجاهله.

نقلا عن أحداث نواكشوط