مشاهدة النسخة كاملة : من أين تأتي هذه الطاقة التغييرية؟ (نسيم الخوري)


أبو فاطمة
03-08-2011, 03:23 PM
من أين تأتي هذه الطاقة التغييرية؟ (نسيم الخوري)

فعلاً من أين تأتي يقظة هذه الطاقات التغييرية في مصر وتونس واليمن وليبيا وفي الأذهان الشبابية؟ وبشكل آخر ما هو مستقبل الثورات العربية بين التغيير والغير؟
منذ أن قدّم ماكنتوش، مخترع أوّل كمبيوتر للاستعمال الشخصي، نصوصه الإلكترونية المزيّنة بالتفاحة المقضومة، كان يؤسس لمحطّة ثانية في تاريخ العلاقات البشرية على مستويات الأفراد والجماعات والدول . إنّها المحطة المشوبة بالفكر الخرافي والأساطير تأتي في أعقاب “قضمة” آدم الأولى للتفاحة الأسطورية في حقول الجنّة الشهيّة أمام لحظ حواء وغوايتها . تلك الغواية التي لم تتمكن حوّاء من تغطيتها بأوراق التين فاستنفدتها كلّها مترددة، ولم تحظ بورقة واحدة تنال إعجابها فوقعت في “علّيقة” الموضة منذ ملايين السنين .
لسنا بحاجة، هنا بالطبع، إلى الاستطراد في التذكير بالمكانة التي شغلتها التفاحة في الثقافة الأمريكية، وعمّمتها دولة العولمة على ثقافات العالم .
أليست دولة العولمة متخفية كالعنكبوت في تمرير الأفكار والثقافات والعادات والموضة والأحلام والميول والحاجات، وكلّ الدول الصغيرة (في الذهن الأمريكي القابض على السلطة وممارسها) مثل الحشرات تعلق في الشبكات وهي تطير أو تتهادى فوق ماض ما، أو تزهو في لحظات من التاريخ ما . إن لم تؤكل عند وقوعها في الشباك من صغار الدول الأخرى، تقدّم إليها هدايا في أعياد الميلاد حيث يملأ “بابا نويل” أمريكا، وإلا فإنها قد تيبس تحت الشمس وتذريها الرياح مع أوّل عاصفة؟
تقضم الدول الصغيرة المصفوفة بعضها بعضاً في الشرق ببطء، وتؤسس المستقبل على فكر التغيير والخلاص الفردي من أعباء القرن الراهن والأنظمة القمعية، لكنها وهي تتجه إلى رفض العولمة ومنتوجاتها التي “تسحق” العالم وتولّد الرغبات الجديدة في نائي القرى فوق الكرة الأرضية، فإنها تبدو كأنها تقاتل المطر أو تحصد الرياح أو أنها تحاول سدّ فم الرعود في كبد السماء المكفهرة .
يلعب الصغار لعبة الكبار، ويلعب الكبار بدورهم حروبهم الفعلية كأنهم مثل أطفالهم عادوا صغاراً . فاللعبة تربط في ما بين الأجيال، لكنها تفرغ الصغار من مفاهيم مثل الموت والقتل والعنف وهي أفكار كبرى طالما كانت، مع غيرها من الأفكار، منهلاً للأدب والفلسفة والشعر والمآثر الراقية الإبداعية . يسقط الموت كمعنى من اهتمامات الصغار، وتسقط مع هذا المعنى بالضبط أمور تاريخية أخرى مثل نظرية القرابة الدموية والنظرية العرقية ومعها تسقط أمور تربوية تحكم علاقات الأولاد بأهاليهم . ويعزز هذا السقوط في الفكر والمفاهيم مسائل أخرى شديدة الخطورة مثل بنوك الدم والحيوانات المنوية مثلاً . إنها اللعبة ذاتها التي تفرغ الكبار من أي إحساس بالذنب لشدّة القتل الفعلي الذي يمارسونه في عصر الفضاء والصور الخيالية الضوئية المرسومة أوامر فوق شاشاتهم . ويكاد القارىء يهضم بعسر التأفف الأمريكي والتقاعس والتبرّم قائلاً: اطردوا هذا الذباب المقتول عن بصري . وتتكامل حلقة الانهيار والتدمير للعالم والقتل الجماعي نستعرضه عند الأمسيات في الشاشات بين الواقع والخيال، وننسحب من خصوصياتنا في الفرح والبكاء والذكاء والغباء إلى أناس رقميين حسب النموذج “الماكدونالدي” لكننا مفتولو الشوارب .
وهنا أسئلة مشروعة مروعة:
لماذا،أولاً، في عصر اقتصاد المعرفة يفترض أن ننقر رأس الفأرة (التي شغلت الخيال وصارت لها مدن وتعامل كالملوك وتغزو بيوت الناس تحتكرها في عالم الألعاب، ربّما كشحاً لعقدة البشر حيال هذا المخلوق الصغير الذي انبعثت من جسده ودمائه المهدورة في المختبرات الطبية أكثر أصناف الأدوية في العالم) بعدما نقرع الباب ثلاث مرّات www وليس مرّتين أو مرّة واحدة أو أربع؟
لماذا هذا الطلاق بين الأجيال وانقلاب الخبرة على المعرفة بمعناها الأرسطي الذي ساد منذ أربعة آلاف سنة؟
أليست في هذه الترجمات أو الاستطالات بين الجسد والتقنية تجليات تجعل من الأذن (مفتاح الأنثى) واللمس، والذوق، والشم (وهي حواس فجة لم تتمدد إلا في عصر الطبيعة أو العطور)، والعين (مفتاح الذكورة) لا قيمة كبرى لها قبل تفجر الطاقة الاتصالية مع الإنترنت؟ ما هي الطاقة الاتصالية؟
أليست الشاشة كهفاً أمريكياً متجدداً يقوم مكان كهف أفلاطون في اليونان؟
لقد أسمى المؤمنون الطاقة الاتصالية بالطاقة الإلهية أو طاقة الروح أو المنتظرة، وأطلق عليها البيولوجيون اسم الطاقة الطبيعية والفطرة والغريزة، وأسماها ليبنز “الشهية”، وبرغسون منحها اسم “الطاقة الحيوية”، وكان ديكارت قد أسماها “الحيوية الباحثة”، وأعطاها فرويد اسم “الليبيدو”، ويونغ اسم “الطاقة النفسية”، وعرّفها رايش ب”الأرغون” ومات في السجن من أجلها . وأميل إلى تسميتها بالطاقة التواصلية أو الاتصالية العنفية، وخصوصاً في قرن سلطات وسائل الإعلام، حيث تلتقي عوالم البيولوجيا والغريزة (المتفجرة كثيراً اليوم مع الإعلام وبعدما ساد العقل زمناً طويلاً جداً، وكبتت الغرائز) والقوة والحياة، وتعمل على إيقاظ التغيير الذي لن يرسو أو يركد قبل عقود، بل هل يبدو العرب منبعاً مجانياً لطاقات لم تتفجر بعد؟

نقلا عن دار الخليج