مشاهدة النسخة كاملة : في ليبيا "لشعب يريد بناء النظام" (عبد الإله بلقزيز)


أبو فاطمة
03-07-2011, 06:05 PM
في ليبيا "لشعب يريد بناء النظام" (عبد الإله بلقزيز)

ابتدع الليبيون، في خضم ثورتهم، شعاراً في غاية النباهة والحصافة والتعبير الأمين عن حال بلدهم: “الشعب يريد بناء النظام” . لمسة ليبية تلخص معاناة شعب مع حقبة سياسية عجفاء في تاريخهم المعاصر، وتصوغها الصوغ اللغوي السياسي الدقيق والمناسب . لثوار تونس ومصر أن يرفعوا شعارهم الذي أصبح كلمة السر في الشوارع العربية: “الشعب يريد إسقاط النظام”، فلقد كان في كل من البلدين نظام سياسي، وهو وإن أثقل ظهر الشعب، وجثم على الصدر، ونشر الظلم والطغيان والفساد، كان فيه من مقومات النظام السياسي ما لم يختلف في شأنه زيد وعمرو، وكان التونسيون والمصريون إنما يعانون من وجوده كنظام سياسي بالذات .
ليست هذه حال ليبيا، ولا حال الليبيين مع من يحكمونهم منذ اثنين وأربعين عاماً . هناك جهاز سياسي حاكم مختلف عما عرفته الكرة الأرضية منذ الزمن القديم من دول وممالك وإمارات وإمبراطوريات وجمهوريات . الرئيس ليس رئيساً، الوزير ليس وزيراً، والجيش ليس جيشاً، والأبناء ليسوا أبناء فحسب، والفوضى قانون عام، والخبل والمزاجية شريعة، والجنون عرف، والقتل طقس عادي، والسجن مأوى للعقلاء، وثروة الشعب ملكية شخصية، والناس عبيد ل “القائد”، فهم رعاع وعملاء، وإن ضاقت بهم الأرض بما رحبت وانسدت أمامهم السبل فتمردوا، فهم جرذان يستحقون الرش بمواد الإبادة .
النظام الوحيد في ليبيا “الجماهيرية” هو الفوضى . سماها العقيد، منذ “كتابه الأخضر” قبل ثلث قرن، “سلطة الشعب” الذي “يحكم نفسه بنفسه”، وأوجد لها صيغة “مؤسسية” هي “اللجان الشعبية” التي تكاثرت على نحو طفيلي واخترقت نسيج المجتمع كله عملاً بشعار “اللجان في كل مكان” . ولقد كان على الليبيين، في ضوء بل في ظلام تلك “اللجان الشعبية”، أن يوطنوا أنفسهم على أنهم يعيشون في كنف الغموض والالتباس والفوضى، وأن يتعايشوا مع حقيقة لم يعرفها شعب قبلهم منذ العهد البدائي هي: غياب الدولة والنظام والشرعة والقانون . فلقد فرضت “سلطة الشعب” تلك و”لجانها الشعبية” و”الثورية” شريعة الفوضى في مجتمع حوله “الكتاب الأخضر” وصاحبه إلى قطيع بشري يسوقه الخوف والرعب ويتحكم في رقابه جمهور من الموتورين المتنزلين من الشعب منزلة “الممثل” والناطق الرسمي .
كانت هذه حصة شعب ليبيا من “الدولة” و”النظام” منذ أربعين عاماً ونيف . للبشرية جميعها الملكيات والجمهوريات، ولليبيا وحدها من دون سائر الخليقة “جماهيرية” ليس على رأسها ملك أو رئيس أو وزير أول، وإنما “زعيم” و”قائد ثورة” يقول عن نفسه ويقول عنه إعلامه “الجماهيري” إنه “لا يحكم” . غير أن هذا “الزعيم” الذي يقول عن نفسه، ويقولون عنه، إنه “لا يحكم” لا يشبه ملوك إسبانيا وبريطانيا وبلجيكا حيث الملك هناك “يسود ولا يحكم”، كما لا يشبه “مرشد الثورة” في إيران، الذي يتقاسم السلطة مع رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب، لأن “زعيم الجماهيرية” يسود ويحكم في آن، ولأنه يملك السلطة الدينية والمدنية: ف “يرشد” المجتمع و”الثورة” إلى الحتف، ويحكم ويتنصل من الحكم في الوقت عينه .
على المرء أن يمتلك من الذكاء الخرافي والنباهة والحذق ما يسمح له بأن يفك طلاسم هذه الكيمياء السياسية العجيبة التي صنعت ملامح “النظام السياسي” في ليبيا “الجماهيرية”، ويفهم “فلسفتها” الضمنية المؤسسة، ذلك أن “النظرية الثالثة” المبسوطة في “الكتاب الأخضر” هي أعقد النظريات السياسية في الكون على الإطلاق، وتجربتها في التطبيق هي الأعصى استيعاباً على العقل البشري المعاصر . والمشكلة ليست في النظرية وكتابها الأخضر وتجربتها السياسية الحمراء، وإنما في العقل الذي يتلقاها من دون أن يملك مفتاح فهم مستغلقاتها . ولقد يكون على المرء في مثل هذه الحال، حيث تنقلب الحقائق والأشياء سافلها على عالٍ، أن يقف على رأسه حتى يرى الأشياء بوضوح .
كيف أمكن لشعب ليبيا أن يعيش في كنف هذه الفوضى العارمة أربعين عاماً ويزيد؟ كيف تدبر أموره الحياتية في ظروف الفراغ السياسي والقانوني حيث المجتمع من دون دولة؟ كيف حمى هؤلاء أمنهم من غائلة الضواري المنفلتة من كل عقال سياسي أو قانوني أو أخلاقي، ومن دون وازع يزع بعضهم عن بعض على قول ابن خلدون وتوماس هوبس؟ ليس في وسع علم الاجتماع السياسي أن يفسر هذه “النازلة” ولا تملك مفرداته أن تفي بغرض الإبانة عن مجهولها . لكن الليبيين وحدهم يستطيعون أن يشرحوا للعالم كيف أمكنهم أن يعيشوا في كنف الفوضى واللانظام، وأن يقدموا للبشرية وللمعرفة الإنسانية درساً في الصلة الغريبة والاستثنائية بين المجتمع والدولة على نحو ما عاشوها وعانوا مراراتها منذ عقود أربعة من تاريخهم المعاصر قبل أن يتمردوا عليها فيرفعوا شعارهم الحكيم: “الشعب يريد بناء النظام” .

نقلا عن دار الخليج