مشاهدة النسخة كاملة : الثورة البيضاء.. والثور الأحمر! ( خالد هنداوي)


أبو فاطمة
03-07-2011, 09:30 AM
الثورة البيضاء.. والثور الأحمر! ( خالد هنداوي)

ألح عليَّ وهو يسأل مراراً ما هذه الثورة في بلاد ليبيا وماذا تعني في اللغة والعرف وما ضرورة هذا التغيير الثوري وهل يقتصر حراكه على السلم أم للقوة والحرب فيه نصيب.. فقلت يا صاحبي: لعلي أختصر لك ذلك مما ذكره ابن منظور في لسان العرب "2/148" في مادة ثور حيث تحتمل عدة معان عند العرب أهمها اثنان ينسحب أولهما على معنى جميل ومفيد، ويرد الآخر على معنى يحمل القلق والتوتر والغضب، فإذا ما جرينا على الأول وجدنا أن المراد بالثور السيد وبه كني عمرو بن معدي كرب أبا ثور، وكني به الفقيه المعروف أبوثور صاحب الرأي المذهبي الذي اجتهد فيه ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه لأنه كان سيداً وأبيض لانتشار الشيب في رأسه. كما أنه يقال: بنو ثور وهم الذين ينتسب إليهم سفيان الثوري إمام الدنيا في زمانه من قبيلة مضر رحمه الله وفي التنزيل: أثاروا الأرض أي حرثوها وزرعوها واستخرجوا منها بركاتها، ويقال: ثوّر القرآن أي: بحث عن معانيه وعلمه، وفي حديث عبدالله: أثيروا القرآن فإن فيه خير الأولين والآخرين وتثوير القرآن: المفاتشة في تفسيره وهكذا فإننا نرى أن تلك المعاني جملة تعبر عن السيادة والوصف الحسن سواء في إثارة عمل مادي وحركة محسوسة مفيدة أو في استخلاص كنز معنوي يتمثل في فهم القرآن والعلم واستنباطهما وإفادة الناس بهما ولعلي يا صاحبي أستأنس بهذا التأويل فأقول لك: إن مثاورة الشعب الليبي الأصيل مع العقيد معمر القذافي كانت تنطلق من هذا المسار، فالشعب في نفسه منذ دخل الإسلام أرضه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مثال الالتزام الأخوي في جميع قبائله التي تميزت بالتماسك الاجتماعي والتضامن وأنهم كانوا يعيشون كجسم واحد مهما اختلفوا ومن هذه القبائل الورفلة والزوية والتبو والترهونة وقبائل الطوارق ومر الدهر على ليبيا بآماله وآلامه فتأقلموا في الزمان والأحوال من حيث السراء والضراء وتعاملوا مع الخلافة العثمانية واستطاعوا بحركاتهم السلمية والجهادية أن يزيحوا الطغيان الإيطالي ولم تزل هتافاتهم الوطنية والإسلامية تردد كلمات عمر المختار رحمه الله: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت، من كافأ الناس بالمكر كافأوه بالغدر وعلى هذه القواعد بنوا صروحهم العتيدة وبدأوا ثوراتهم بالسلم حتى إن عمر المختار لما بدأ القتال لم يكن يملك أي سلاح، وهكذا فإن بدايات الثورات غالباً ما تكون بيضاء تضرب السيوف بالورود ولكن عندما كان يطفح الكيل ويبلغ السيل الزبى ما كان نشيدهم إلا هكذا:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وعند ذلك تثور القبائل وتنتصر ويقتل الباغي بسيفه كما أشار عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لأن المحقين عندها يثأرون من قاتل الأمل ووائد الحرية والكرامة ويعلمون البشرية أن حياة الشجعان إنما تكون في موتهم فالجبن هو العبودية، كما قال فرجيل.. وهكذا عرفنا تاريخ ليبيا والليبيين شجاعة لا تعرف المستحيل وأبطالاً يقضون واقفين دوماً ولأن الطموح لا يشيخ كما في المثل التشيكي فإنهم يعتزون حين يخرون شهداء لأنهم يوقنون أن سقوط الجواهر على الأرض لا يفقدها قيمتها بل قد يرفعها أكثر وأكثر، وإذا أردت أن أوجز لك الأمر يا صاحبي عن شعب ليبيا فإنني أقول لك هم أهل الإباء والعزة والتعاون والاتحاد والتسامح والإحسان والإخلاص والصدق والإنصاف والعدل والكرم والتواضع والتفاؤل والتفاني والحب والوعي والفكر والحق والصبر والعلم والحلم والرحمة والشدة والسياسة والحرب والصلاح والنجاح والغنى والشكر والقناعة والعمل وإن مثل هذه الأوصاف لتؤهل أصحابها بعون الله أن يكونوا من أرباب الوفاء بالعهود والفوز بنصره الموعود وأن غدا لناظره قريب.
أما ما وعدتك ببيانه يا صاحبي عن المعنى الثاني فإنه لا يفوتك أن الثور هو الذكر من البقر وغالبا ما يوصف بالهيجان والشدة المفرطة مع بني فصيلته حتى رأينا مباراة الثيران بالمناطحة المستمرة المستعرة بقرونها ويضرب هذا مثلا للحدة وقد استعير هذا المعنى للإنسان العنيد الذي يثور ويهيج لغير مبرر معقول ولذا يقال: هو ثائر فائر هائج مائج وقد ثور الغضب حدته والثورة هنا هي: الهيج وقد قام صاحبها ثائرا فريصته أي منتفخ الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف أي عصب الرقبة وعروقها وهكذا يثور به الدم حتى يثور على الناس شرا بالمقال أو الفعال فإذا ما عرفت حقيقة هذا المعنى يا صاحبي أدركت مدى صحة نزوله على مثل القذافي الهائج بثورته الدموية الحمراء وهي التي تعتبر امتدادا لما بدأه منذ أربعة عقود حتى تأكد الجميع أن هذا عادة سيئة له باستعمال الأذى ماديا ومعنويا وكما قالوا: حب الأذية من طباع العقرب أو كما قال الشاعر:
إذا كان الطباع طباع سوء فلا لبن يفيد ولا حليب
أو كما قال توماس فولر: التجعيدة القديمة لا تمحى أبداً، وبهذا نشر الرعب في كل نفس بريئة حتى حسبت نفسها متهمة وقد قال الإمام محمد عبده: شر الرعية من خافه البريء وكم فات القذافي ومن حذا حذوه ويحذو أن الغضب مفتاح كل شر كما قال سقراط وقبل كل ذلك أكدت نصوصنا القرآنية والحديثية هذه المعاني باستفاضات وفيرة، لقد قام مخرب القذافي بالاعتداءات المعنوية والحسية فشنق عشرات العلماء وشباب الفكر والنهضة وسجن الآلاف المؤلفة في الصراع الممتد إلى هذه الأوقات ثم أطلق بعضا منهم ليعمل على فتح صفحة جديدة للتصالح الماكر وأدخل ابن سيف الجاهلية الذي لا يتمتع أصلاً بأي منصب وذلك لإتقان سيناريو التوريث له في شأن حكم ليبيا كما نعلم، كما آذى من سماهم بالقاعدة والجماعات المقاتلة ضد ظلمه وكان وما يزال مثالاً قذراً للكبرياء والغطرسة والغرور والطغيان والديكتاتورية والعمالة التي كشفت من قبل ومن بعد وصار كما يقال في المثل الفرنسي من يشتريه الشيطان يبيعه الشيطان كما فعل بمن قبله زين العابدين بن علي وحسني مبارك وكما سيفعل بأمثالهم من الفراعنة المتألهين المستبدين، إن عامنا هذا الذي نمر فيه إنما هو عام سقوط هذه الديكتاتوريات ونهايات الظالمين، ألم تر يا صاحبي كيف هب الشعب الليبي هبة الثورة البيضاء ليكون حجة على حكامه ولم يستعمل أي سلاح غير الاحتجاج العفوي النظيف لا العنيف، فماذا وجد من هذا الثور الأحمر الهائج، لعلك والبشر في العالم على قول واحد: إنه لم يجد إلا الدم للمواجهة حتى ودعنا من نحسب أنهم يرتعون في جنان الخلد من آلاف الثوار وحتى لم تفارق عيوننا بل قلوبنا آلاف آلاف الجرحى الذين قضى كثير منهم حيث لم يكن الإسعاف له كافياً أو حيث كانت الجراحات في المقاتل، جرى هذا ويجري كالنهر الدموي دون انقطاع في طرابلس وبنغازي والزاوية ومصراتة في الشرق والغرب وكل مكان ولكن لأن الحق مؤيد ومسدد من الله ونواميس الكون بإذنه تعالى فقد انقلب السحر على الساحر وكانت هذه الدماء هي الشرارات المتوقدة للتخلص من الليل البهيم الذي دام أكثر من أربعين عاماً، فالمدن والحمد لله تتساقط وتضم قلوب الثوار وينفض أصحاب القذافي السياسيون والدبلوماسيون في الداخل والخارج من حوله ويصطفون مع شعبهم وقبائلهم إلا القليل القليل بعذر أو بآخر وهكذا يتعرى ملك ملوك الأفارقة والزعيم الوحيد ويحاول كما يقول تحرير ليبيا من شعبها في كل مكان فيخسأ غالباً ويتقدم الثوار وعما قريب إن شاء الله يصلون مدينة سرت مسقط رأسه ثم طرابلس حيث الحسم بإذن الله وسيظهر للجميع يا صاحبي أنه لم يعد إلا فقاعة أو طحلباً فوق الماء كما قال اللغويون في معنى آخر للثور وإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، فهل من معتبر؟

نقلا عن المركز الفلسطيني