مشاهدة النسخة كاملة : "اعمارة النعمة" في مقابلة مع أحد المناضلين


أبو فاطمة
03-06-2011, 06:22 PM
"اعمارة النعمة" في مقابلة مع أحد المناضلين

يروي المناضل في حزب النهضة وأحد منفذي عملية "أعمارة النعمة" ضد المستعمر الفرنسي محمد ولد تياه تفاصيل تخطيط وتنفيذ هذه العملية التي وقعت في الثلاثين من مارس سنة 1962 وقتل فيها عدد من الضباط الفرنسيين.
ويستذكر ولد تياه في مقابلة مع "الأخبار" من مدينة كيهيدي التي سكنها بعد أن قضى فيها عقوبة السجن التي حكم عليه بها بعد العملية الأحداث التي سبقت العملية وجعلت النهضة تقرر تنفيذ عمل نوعي يعجل برحيل الفرنسيين، وكيف كانت هذه العملية وعمليات أخرى للمقاومة تجسيدا لهذا القرار
يقول ولد تياه المولود سنة 1939 في لعيون والتي التحق فيها بالمد الشبابي المساند للنهضة، وهي حزب تتأسس منتصف الحمسينيات للمطالبة باالاستقلال عن المستعمر الفرنسي، إن فكرة العملية بدأت بعد حل حزب النهضة وخروج قادته من البلاد أو اعتقالهم "فقد قلنا نحن الشباب إنه لا بد من أن نقوم بعمل يترك أثرا قويا يودي إلى ثورة تحررية ضد المستعمر وكان شباب النهضة منتشرا في مدن لعيون والنعمة وأطار وتجكجة ولكنه كان شبابا في غالبيته لا إمكانية له ولا ثقافة باستثناء الثقافة المحظرية، ومع ذلك فقد كان شبابا ثوريا ومتأثرا جدا بالمد التحرري في العالم"
"ومع أن شباب النهضة بقي بدون قيادة تجمعه بعد غياب قادته في المنافي والمعتقلات -كما يقول ولد تياه- ولكنهم كانوا يجتمعون لتدارس وضعية البلاد والخطوات الممكن القيام بها "ولذلك رأينا أن أفضل وسيلة يمكن لهذا الشباب القيام بها للتهيئة لعمل ضد المستعمر هي دخول الجيش وتكوين منظمة سرية داخله وفي هذا الإطار دخل بعض شباب النهضة الجيش في تلك الآونة وكنت من بينهم"
وعن الطريقة التي دخل شباب النهضة بها الجيش الفرنسي يقول ولد تياه إن الفرنسيين قرروا في تلك السنة إنشاء وحدات عسكرية تنشر في المدن يطلق عليها بالفرنسية arme de terre بعد ما كان جيشهم في موريتانيا يتكون أساسا من الجمالة "وهنا قرر شباب النهضة دخول هذه الوحدات وأذكر أن لعيون وحدها تقدم فيها 500 شاب من بينهم العديد من شباب النهضة فاختار الفرنسيون من بينهم 12 شابا كنت واحدا منهم"
بعد اكتتاب هذه المجموعة أرسل الجندي ولد تياه إلى أطار وهناك التقى بعض شباب النهضة الفاعلين الذين سيقومون في ما بعد بعملية اغتيال لأحد الفرنسيين (من أبرزهم سيد أحمد ولد اسويدات والشيخ ولد الفاضل) وهو ما زاد من تصميمه على تنفيذ العملية ليكون تحويله إلى النعمة مع مجموعة من رفاقه العسكريين بداية التخطيط الفعلي للعملية حين التقوا أيضا بثلاثة من ابرز شباب النهضة وأكثرهم تحمسا للعمل المسلح ضد الفرنسيين رغم أنهم مدنيون والثلاثة هم أماعلي ولد لحبيب والغوث ولد سيد وهما تاجران وسيد محمد ولد إبراهيم وهو معلم.
المشاركون في عملية "اعمارة النعمة":
سيد أحمد ولد أحمد باب (عسكري)
محمد ولد تياه (عسكري)
الشيخ ولد الفاضل (عسكري)
سيد احمد ولد اسويدات (عسكري)
سيد محمد ولد إبراهيم (مدني)
الغوث ولد سيد (مدني)
أماعلي ولد لحبيب(مدني)
لعناي ولد لحبيب (مدني)
يقول ولد تياه عن مراحل التحضير للعملية "بعد وصولنا إلى القاعدة العسكرية الفرنسية في النعمة قررنا تنفيذ عملية في داخلها ولأن أسلحتنا لم يكن يمكننا استخدامها في العملية فقد قررنا استخدام الأسلحة التي كانت تأتينا من المغرب وكانت هذه الأسلحة تصلنا في النعمة عن طريق مالي فقد كان هناك عسكري مغربي من أصل موريتاني هو محمد فال ولد عبد القادر وكان ثوريا فكان المغرب يمدنا بالسلاح بواسطته حيث ينقل الأسلحة إلى باماكو ومن هناك يسافر بالسيارة إلى كوش حيث يلتقي به أحد عناصر النعمة وهو سيد محمد ولد إبراهيم فيتسلم منه الأسلحة وينقلها إلى النعمة على ظهر جمل اشترته النهضة لهذا الغرض، وذات مرة وصلتنا قنبلة يدوية ضمن هذه الأسلحة فقررنا استخدامها في تفجير أحد المقار الفرنسية في القاعدة"
بعد تحدد نوع العملية اجتمع عناصر النهضة في النعمة لتدارس طريقة تنفيذها وحضر هذا الاجتماع كل من:
سيد أحمد ولد أحمد باب (عسكري)
محمد ولد تياه (عسكري)
الشيخ ولد الفاضل (عسكري)
سيد احمد ولد اسويدات (عسكري)
سيد محمد ولد إبراهيم (مدني)
الغوث ولد سيد (مدني)
أماعلي ولد لحبيب(مدني)
لعناي ولد لحبيب (مدني)
تدارس المجتمعون تفاصيل العملية وطريقة تنفيذها "وكانت لدينا طريقة في اتخاذ القرار منذ خروج قادة النهضة وهي أن القرار يتخذ بالأغلبية حتى لا تثور خلافات وتعصب للرأي" وبعد تداول الآراء بهذه الطريقة اتفق المجتمعون على تنفيذ العملية ليلة الجمعة 30 مارس في مقهى القاعدة الذي يرتاده الضباط الفرنسيون.
أما من سيقوم بإلقاء القنبلة على المقهى "فقد طلبنا متطوعا للقيام بذلك وقد تطوع الجميع لذلك ولكننا اخترنا لها الشيخ ولد الفاضل لأنه كان ذا تدريب جيد كما انه كان قوي البنية شجاعا"
نفذ العسكري الثائر عمليته في تمام الساعة التاسعة من ليلة الجمعة ضد قادته من ضباط المستعمر الذين كانوا يرتادون المقهى "فاختلطت دمائهم بالمشروبات وسال هذا الخليط داخل القاعدة وتناثرت أشلاء القتلى والجرحى مما جعل الفرنسيون يعلنون حالة الاستنفار في القاعدة ومع أن العسكريين من النهضة الذين خططوا للعملية كانوا داخل القاعدة جميعا فإن أيا منهم لم يظهر عليه فزع ولا أي شيء يدل على علمه بالأمر ولم يكتشف الفرنسيون صلتنا بالعملية إلا بعد وشاية من أحد الأشخاص الذين أدخلوا إلى النهضة دون تحر، وقد وشى بنا بعد إصابته بحالة هلع إثر مشاهدته للدماء والأشلاء المتطايرة في مقهى القاعدة"
يقول ولد تياه عن حادثة الوشاية هذه "كنا في تنظيم النهضة لا ندعوا أحدا إلى التنظيم إلا إذا كنا نثق به جدا ومع ذلك إذا أردنا دعوة أي أحد فإنا نستحلفه أولا في المصحف على أننا سنخبره بأمر فإن وافق عليه وإلا فلا يخبر به أحدا ولكن أحد العناصر اتصل مرة بشخص (يدعى إبراهيم ولد عبد اللطيف) متعاطف معنا ولكنه ليس ثوريا بقوة وأعطاه بعض الأخبار وحين وقعت عملية "اعمارة النعمة" ورآها فزع جدا حتى إنه أصيب بحالة هلع ونقل إلى المستشفى لكنه لم يستطع البقاء فيه بل ذهب إلى حاكم النعمة وكان حينها محمد ولد مولود ولد داداه (المورخ المعروف) فأخبره بالعملية قائلا "دثروني أخبركم بالأمر" أو بالحسانية (غنبروني انرد اعليكم الأخبار) فوبخه ولد مولود ومع ذلك أخبر الفرنسيين بالعملية"
انكشف أمر منفذي العملية واعتقلوا جميعا "وحوكمنا اول الأمر من طرف الفرنسيين الذي حكموا علينا بالإعدام بعد محاكمة سريعة ولكنهم برأوا أماعلي لأنه مدني ولأنه لم يكن في النعمة ليلة العملية وكان الفرنسيون ينوون تنفيذ الحكم في نفس يوم صدوره ولكن الزعيم التاريخي للنهضة بوياكي ولد عابدين كان في ذلك الوقت قد انضم للحكومة فناضل عنا حتى تقررت محاكمتنا من طرف الجيش الموريتاني وهو ما تم بالفعل حيث تشكل لمحاكمتنا مجلس عسكري ضم كلا من المصطفى ولد محمد السالك ومعاوي ولد الطائع والشيخ ولد بيده بحضور وزير الدفاع حينها محمد ولد الشيخ والمدعي العام احمد ولد اباه وقد حكم على ثلاثة منا بالإعدام ونفذ فيهم وهم اماعلي ولد لحبيب والشيخ ولد الفاضل وسيد احمد ولد اسويدات أما البقية فقد حكم عليهم بالسجن الموبد وكنت من بينهم وقد سجنت في كيهيدي وبقيت هناك حتى خفف الحكم علي بالنصف بمناسبة ميلاد ابن الرئيس المختار ولد داداه وبناءعلى اقتراح من مريم داداه ثم بعد ذلك صدر العفو عنا جميعا تزامنا مع تأميم ميفرما"
ومع هذه الأحكام القاسية ضد منفذي العملية فإن ولد تياه يقول إنها كان لها دور كبير في خروج الفرنسيين من موريتانيا حتى إنه يتذكر أنهم حين اقروا للمحققين الفرنسيين بدورهم في العملية لكي يرهبوهم كان هؤلاء يقولون فيما بينهم "ما دام الأمر كذلك فيجب أن نرحل إلى بلدنا "

نقلا عن الأخبار