مشاهدة النسخة كاملة : أربكان في الواقع التركي والإسلامي (محمد نورالدين)


أبو فاطمة
03-06-2011, 02:57 AM
أربكان في الواقع التركي والإسلامي (محمد نورالدين)

نجم الدين أربكان شجرة دلب عظيمة من شجرات دلب تاريخ تركيا الحديثة. بهذا يوصف الزعيم التاريخي للحركة الإسلامية في تركيا في الخمسين سنة الأخيرة والذي توفي الأحد الماضي (27 فبراير) في أنقرة ودفن في اسطنبول عن عمر يناهز الـ85 عاماً. لا يمكن عند تذكر عظام تركيا الجدد إلا ويذكر أربكان في مقدمتهم.
كان رائد البراغماتية في الواقع السياسي التركي ورائد التصنيع الحديث منذ نهاية الخمسينيات. والجسر الذي نقل الإسلاميين إلى التجربة الديمقراطية، والعلمانيين ليتعرفوا عن كثب إلى الاتجاهات الإسلامية التي لم يُبقِ أتاتورك منها أثراً. نقل أربكان الإسلام من مجرد فكرة في الكتب إلى حركة على أرض الواقع فأسس أحزابه المتتالية صوناً لجوهر العقيدة الإسلامية وحماية لهوية تركيا التي أراد بعضهم لإسلامها أن تكون مجرد ديكور. فكان إنجاز أربكان الأعظم أنه أعاد تركيا إلى عمقها التاريخي والجغرافي ومنه انطلقت أو ارتكزت السياسات الحالية لحزب العدالة والتنمية المنفتحة على العرب والمسلمين. كلهم، كما يقولون في تركيا، خرجوا من عباءته وإن خرج لاحقاً بعضهم عليها. وليس ما يضيره ذلك أبداً. فهو الذي رعى ورعرع قادة حزب العدالة والتنمية ومع أنه حزّ في نفسه أن ينقلب مريدوه عليه فهو لم يكن ضمناً إلا مرتاحاً وفخوراً بأن النبتة التي زرعها وسقاها عرقاً ودماً أورقت وأثمرت سلطة كاملة في الرئاسة والبرلمان والحكومة والإدارات كما في السياسة الخارجية حين احتلت القدس وفلسطين قلب الخطاب الجديد لحزب العدالة والتنمية.
لم يحد أربكان أبداً عن قناعاته ولو كلفته الحظر السياسي والسجن والمنفي والبدء من الصفر في كل مرة. كان عنيداً في مبادئه مثابراً في ملاحقة فكرته ومرنا في استعداده للتعامل مع الآخرين. كان أربكان، كما يقول الكاتب التركي المعروف المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية والأربكانية أكثر تحديداً، روشين تشاكير، أشبه بـ "سيزيف" حامل الصخرة الذي ما إن يقترب من القمة حتى يعود أدراجه لكنه يعود وبتصميم أكبر لحمل الصخرة من جديد.
لذا أصر أربكان، كما أجمعت وسائل الإعلام التركية، على أن يتنفس سياسة إلى النفس الأخير من حياته.
ولم تغلبه السنون. وفي الرابعة والثمانين، قبل أشهر قليلة من رحيله، كان يطيح بالرئيس الشاب لحزب السعادة نعمان قورتولمش، كي يستعيد "مُلكاً" أراد أن يحتفظ به لابنه فاتح. ولعل هذه كانت من ثغراته الأخيرة في حياته الحافلة. وبقدر ما كان أربكان تركياً، كان أيضاً منتمياً إلى مساحة العالم الإسلامي كله. لم يفكر بتركيا على أنها بلد منفصل عن الجسم الإسلامي وكان يدرك جيداً أن تركيا لا مكان لها في الاتحاد الأوروبي بل لا يجب أن تكون هناك. لذا كان أول من طرح مشروعاً تفصيلياً لقيامة العالم الإسلامي وإن استوحى ذلك من منجزات الغرب كالأمم المتحدة ومجلس الأمن وصندوق النقد الدولي وقوات حفظ السلام وحلف شمال الأطلسي والسوق الأوروبية المشتركة. فدعا إلى منظمة الأمم المتحدة للدول الإسلامية. وإلى منظمة التعاون الدفاعي للدول الإسلامية. وإلى السوق المشتركة للدول الإسلامية. وإلى وحدة نقدية إسلامية مشتركة. وإلى منظمة التعاون الثقافي للدول الإسلامية. كان وطنياً وقومياً وكونياً إسلامياً وكانت مجموعة "مللي غوريش" التي أسسها أربكان الخزّان الذي رفد الحركة الإسلامية في تركيا بالفكر والمال والنُخب والبعد الأممي. لكن من المفيد الإشارة أنه لم يكن للعالم العربي بحد ذاته حيزاً مستقلاً في الفكر الأربكاني بمعزل عن العالم الإسلامي. فشبكة علاقات أربكان وتياره تمتد من إندونيسيا وماليزيا إلى أوروبا مروراً بالعالم العربي. حتى القضية الفلسطينية لم تكن بنظر أربكان قضية عربية بقدر ما كانت قضية إسلامية. لكن فلسطين احتلت مكاناً أثيراً قي فكره ونشاطه دفاعا عنهاً. واحتلت الحركة الصهيونية حيزاً أساسياً في مواقف وسلوكيات أربكان لجهة تحميلها السياسات العدوانية في العالم ضد كل العالم الإسلامي. وغالباً ما كان أربكان يحمّل اليهود والحركة الصهيونية الكثير من سلبيات الوضع في تركيا أو استمرارها في توجهات غربية.
رحمة الله عليك يا نجم الدين أربكان. وسيحفظ الجميع لك أنك كنت الرائد حين لم يولد المريدون وكنت النبع الوحيد وسط صحراء الحصار العلماني الشرس. وستفتقد تركيا برحيلك واحداً من أبرز الذين شكلوا هويتها الحالية المتصالحة مع تاريخها وتراثها ومحيطها حين أرادوا لها أن تكون ذيلاً في ركاب الامبريالية الغربية بكل تفرعاتها.

نقلا عن المركز الفلسطيني