مشاهدة النسخة كاملة : هل فاق الأخ القائد صاحبيه ؟ (الهادي بن محمد المختار النحوي)


أبو فاطمة
03-04-2011, 03:29 PM
هل فاق الأخ القائد صاحبيه؟ (الهادي بن محمد المختار النحوي)

" يخلق من الشبه أربعين" ... ينطبق هذا التعبير أكثر ما ينطبق على بعض رؤساء "الجمهوريات – الجهنميات" العربية فأني نظرت أو تأملت سيرة أي من هؤلاء الرؤساء تنسيك صورته صورة أضرابه بسبب التشابه الذي يصل حد التطابق التام مع الاختلاف في بعض التفاصيل البسيطة هي مصطلحات تؤدي نفس المعاني وتهدف إلى تحقيق المقاصد ذاتها
فالممارسة السياسية هي نفسها في تونس ومصر وليبيا ... والسلوك الأمني متشابه في هذه البلدان..
فكل "القادة" بشروا بثورات ووعدوا بتحويل البلدان إلى جنان وأعلنوا أنهم جاؤوا لتصحيح الأوضاع وإنقاذ البلاد والعباد .. مع أن هذه الشعارات تزداد بريقا في هذا البلد وتخفت في قليلا في بلد آخر ، لكن الحكام كلهم يدعون أنهم هم رسل إصلاح وأن ما كان قبلهم صفحة يجب أن تحذف من التاريخ ،فهم يمثلون ميلاد الأمة وحاضرها ومستقبلها..
وفي كل هذه البلدان الحاكم يحكم بحزبه- حزب الحاكم – وليس الحزب الحاكم كما شخص أحد المحللين..
والحاكم في كل هذه البلدان "الجهنميات" العربية يمارس سلوكا أمنيا منطلقه أن الأصل في الناس أنهم أعداء – للحاكم- وبالإمكان اعتقالهم أو اغتيالهم أو سجنهم أو إذلالهم أو منعهم من السفر أو تجريدهم من أبسط حقوقهم وحرياتهم ..
ولكل حاكم في هذه الجمهوريات ترسانة من الأجهزة الأمنية من حرس رئاسي وحرس خاص وكتائب أمنية وجهاز أمن دولة وجهاز مباحث وجهاز مخابرات عسكرية ... ومهمة هذه الأجهزة مجتمعة ومتفرقة إنما هي حماية الحاكم وعائلته ولهم الحرية الكاملة في القتل وإبادة الشعوب للحفاظ على أمن الزعيم..
هؤلاء الحكام كلهم يديرون الدولة كما تدار المزارع الخاصة أو عصابات المافيا ..
وقد اتحدوا في نتائج الانتخابات فكلهم من أصحاب 99% وكلهم من أهل التجديد المؤبد ...
هؤلاء الحكام يديرون البلد بأبنائهم وزوجاتهم وأصهارهم وزبانيتهم..
وقد اتفقوا أيضا في مسألة التوريث ... الصورة هي ذاتها فكل حاكم يحضر ابنه أو ابنته أو زوجته أو صهره ليستلم الكرسي بعده حتى أصبحت المسألة من المسلمات التي لا تحتاج إلى نقاش..
وأطرف ما عندهم أنهم كلهم "يزهد" في السلطة ولو كان الأمر بيده لترك السلطة واستراح لكنه يتمسك بالسلطة استجابة لرغبة الشعب أو لأنه لا يجد في الشعب من يمكنه تحمل المسؤولية ، فهو غيرة منه وتحملا للمسؤولية يتحامل على نفسه مكرها تلبية لرغبة الشعب الذي لا يجد من يقوده.
واتفق هؤلاء الحكام في حبهم للدولار واليورو وكل العملات الصعبة..
واتفقوا في التفنن في إخفاء هذه الأموال في القصور وفي الحسابات المصرفية غربا وشرقا ..وتنافسوا في حجم تكديس الثروة فمنهم من عدت ثروته 70 مليار دولار ومنهم من قدرت ثروته بمئات المليارات ..لكنهم اتفقوا في مسالة إفقار شعوبهم وأوطانهم...
تشابه وانسجام ......
وحين بدأت الثورة في تونس ومصر سلك النظامان الطريق ذاته، واستخدموا اللغة نفسها .."جماعة من الملثمين والمتطرفين والمأجورين وأصحاب الأجندات الخارجية" هذا في الخطاب الأول وفي الخطاب الثاني قالوا له ارحل فتكلم كأنه لم يسمع وشرقوا فغرّب.
وتشبث الاثنان ب"مصلحة" الشعب وأكدا أنهما لن يفرطا فيها وما هي إلا مصلحة العائلة والحفاظ على التوريث والأمجاد الشخصية..
ولما أحكمت الحلقة قال الأول "فهمتكم " لكنها جاءت متأخرة... فلم يكن بد من الرحيل فنزع الملك نزعا وهرب الأول وتنحى –أو نحي – الثاني ...
الفروق في الحالة الليبية
مع التشابه الواضح بين حكام "الجمهوريات" العربية إلا أن الحالة الليبية لها خصوصيتها التي تجعلها حالة شاذة ولا نظير لها رغم أوجه التشابه الكثيرة في سلوك معظم رؤساء الجهنميات العربية..
سفك الحكام ثلاثتهم دماء التونسيين والمصريين والليبيين ... قتل بن علي برجال أمنه وحرسه الخاص وقناصته أكثر من 200 من أبناء تونس خلال ثورة تونس التي استمرت ما يربو على شهر من الزمن أما بلطجية مبارك ورجال أمنه فقد قتلوا ما يزيد على 300 من أبناء مصر شبابا ورجالا ونساء..
أما القذافي فتشابه مع صاحبيه في سفك الدماء فكما أطلق ابن علي قناصته وأطلق مبارك بلطجيته ، جلب القذافي مرتزقته ليعزز بهم كتائبه الأمنية ... لكنه فاق صاحبيه في سفك الدماء فقد أزهق أرواح الآلاف من الليبيين خلال حوالي عشرة أيام أي أضعاف ما قتله الهارب ومبارك المندحر خلال ما يقارب شهرين..
تحدث ابن علي لأهل تونس 3 مرات وتحدث كذلك مبارك 3 مرات وعلى الرغم مما تميز به الرجلان من استكبار وحرص على السلطة لكنهما أظهرا شيئا من الحياء فقد خاطبا الشعبين بنوع من الإحساس بوجود مشكلة والمعرفة بسقوط ضحايا ..
أما قائد الثورة فأناب في البداية ابنه الذي لا تعرف له صفة رسمية إلا إذا كان تحدث بصفته ولي عهد مملكة القذافي المفكر والقائد الأممي ... فغرد خارج السرب وتحدث عن الحبوب المهلوسة وهدد بحمام دم وخاطب المواطنين الليبيين بكثير من الاستعلاء وانعدام الحكمة وفهم من خطابه أن هذه معركة بين الليبيين الذين جاؤوا لغزو المملكة القذافية وهدد أهل ليبيا بالجوع والاستعمار والحرب الأهلية...
وبعد ذلك بأيام تحدث القائد وبدل أن يعتذر لليبيين عن أنهار الدماء التي سالت بسبب مرتزقته وكتائبه هدد وأرعد وأزبد واعتد بنفسه وكاد يقول " أنا ربكم الأعلى".. فأهل ليبيا جرذان أما القائد فهو المجد..!
وجاءت كلمته الثالثة من فوق القلعة بالأسلوب "الثوري" ذاته أو التهريج المعروف داعيا الشباب الليبي إلى الرقص والغناء ...ربما على جثث الشهداء الليبيين وهدد بفتح مخازن السلاح ووعد بتحويل ليبيا إلى جمر ونار...وكأن ما حصل لم يكفه ..
إنها جماهيرية الهلوسة أو هلوسة الجماهيرية ..أو هلوسة النظرية الثالثة نظرية سفك الدماء...
ولكن لا غرابة في سلوك العقيد الثائر فالقتل والتصفية والاغتيالات جزء من تركيبة شخصيته فلقد قتل كثيرا من المعارضين الليبيين أو "الكلاب الضالة" كما سماهم ،فقد اغتال محمد مصطفى رمضان في لندن وموسى الصدر في نهاية السبعينات ومنصور الكيخيا سنة 1993م .. وأعدم القائد 11 طالبا في بنغازي سنة 1984م باعتبارهم "معادين للثورة" تحت إشراف أحمد إبراهيم أحد أبرز رموز نظام القذافي وقد بثت عملية الإعدام مباشرة على التلفزيون! هذا فضلا عن مجزرة سجن أبو سليم في بنغازي التي راح ضحيتها أكثر من 1200 شاب سنة 1993م..
وتورط العقيد في تفجير طائرة الركاب فوق لوكربي وطائرة إيتا فوق صحراء النيجر في الثمانيات وتورط في نزاع مسلح مع مصر وتونس وشن الحرب على تشاد.
ولعل هذا ما جعل مجلة "جن أفريك" تعنون غلافها في بداية الثمانينيات "احذروا إنه يقتل ".. Attention il tue
والقذافي مصاب بداء حب المغامرات والبحث عن المجد بأي ثمن فبعد أن صرف أموال الشعب الليبي في محاولة بناء أسلحة نووية فكك المشروع وسلم مكوناته للولايات المتحدة فضاع الهدف بعد أن ضاعت أموال ليبيا وأكمل إهدار أموال الشعب الليبي بالتعويضات الضخمة التي قدمها لذوي ضحايا طائرتي لكوربي والطائرة الفرنسية التي تحطمت فوق صحراء النيجر التي زادت قيمتها على 3 بليون دولار أمريكي.
إنها حكمة القائد الأممي وإمام المسلمين...!
أطوار العقيد
من يتابع سلوك القذافي تنتابه الدهشة والاستغراب فالرجل صاحب أطوار عجيبة فقد غير التاريخ وغير أسماء الشهور وأسماء الوزارات والبعثات الدبلوماسية ..
والعقيد ابتدع بدعة لم يسبقه لها رئيس عربي أو عجمي فحرسه يضم 400 فتاة من بنات المسلمين في ليبيا ..
والعقيد داعية فهو يصلي بالناس ويدعوهم للدين وله بالمناسبة جرأة على الدين وتفسيره على هواه ..
والعقيد يمسك البلد بصورة كاملة فليس لأحد غيره أي سلطة أو قرار أو مجرد الحق في التفكير..
هذا في الوقت الذي يقدم العقيد نفسه على أنه مجرد زعيم أو صاحب سلطة أدبية أو معنوية فحسب وأنه ليست له أي سلطة على الشعب الليبي ويزعم أنه "تخلى" عن السلطة سنة 1977م عام إعلان الجماهيرية إلا إذا كان يقصد انه تخلى عنها لأبنائه سيف والساعدي وخميس . ولم يبق للقائد سوى وظيفة ملك ملوك إفريقيا..
والقائد تحار في أمره فلا تعرف إن كان قائدا أو رئيسا أو عارض أزياء ... ..
فلاحظوا كيف يظهر القائد بأنواع الأزياء وكم يصرف من قوت الليبيين لشراء الملابس والأزياء..
بين الأخ القائد والملك "الرجعي" السنوسي
القائد والثائر الأممي تقدر ثروته بحوالي 130 مليار دولار وفقا لما ذكرت بعض التقارير الإعلامية وقد بدد كثيرا من ثروة الشعب الليبي فحسبما ذكر الأمين العام السابق لمنظمة العمل العربي وهو مواطن ليبي ، فإن حوالي 300 مليار من عائدات النفط الليبي لم تدخل في خزينة الدولة.
وقد سلم العقيد البلد لأبنائه فعاثوا في الأرض فسادا فبددوا ثروة الليبيين وأصبحوا يمسكون زمام أمر البلد سلاحا وأمنا وثروة وشأنا عاما ... ويتصرفون دون الخوف من مساءلة بل إن الجماهيرية تدافع عن أخطائهم وتجعل منها مسألة أمة وقضية من قضاياها الكبرى .. فقد قطعت ليبيا علاقاتها مع سويسرا ودعا العقيد المسلمين إلى إعلان الجهاد ضد سويسرا بسبب أنها تصرفت تصرفا طبيعيا مع بعض السلوك الطائش لبعض أبناء القائد..
وأبناء العقيد يحق لهم أن يقتلوا الليبيين وليس في الأمر ما يثير الانتباه فقد قتل حراس "اللاعب الدولي" الساعدي القذافي – بناء على أمره - أكثر من عشرين من المواطنين الليبيين لأنهم هتفوا ضد فريق الساعدي..!
أما ولي العهد سيف القذافي فقد منح راقصة كندية مليون دولار سنة 2007م مكافأة لها على الرقص لمدة 45 دقيقة في حفل نظمه أبناء العقيد في إيطاليا... والطريف في الأمر أن الراقصة أعلنت قبل أيام أنها ستتبرع بهذا المبلغ للجمعيات الخيرية..
هذا جانب من سلوك أبناء قائد الثورة فماذا عن سلوك الملك إدريس السنوسي؟
كان الملك إدريس في زيارة لليونان وقت وقوع "ثورة" القذافي وكان عنده 25 ألف دولار لتغطية نفقات السفر فأعاد كل المبلغ لخزينة الدولة اللليبية عن طريق السفارة في اليونان ووصل القاهرة لا يملك ثمن العشاء فأرسل له جمال عبد الناصر وجبة عشاء..
ولم يسفك طيلة فترة حكمه قطرة دم واحدة وحكم الإعدام الوحيد الذي صادق عليه ونفذ كان بحق ابن عمه وابن أخ الملكة فاطمة زوجته بسبب قتله لرئيس الديون الملكي دون وجه حق ولم تنفع شفاعة الشافعين ... ونفذ الحكم..
ومن صرامة الملك إدريس أنه طرد كل أفراد العائلة السنوسية من بنغازي لأن أحد أفرادها عاكس فتاة ليبية...
هذا ببساطة هو الفرق بين النظام الثوري والنظام الرجعي...
المصير المظلم المجهول
لكن الأمر المحير في كل هذا هو كيف يصر "القائد" على ترك أبنائه إلى مصير بهذه الخطورة فمآلهم إما القتل أو أن يحاكمهم الشعب الليبي وفي أحسن الأحوال التشرد ،هذا إن وجدوا من يستقبلهم .. فحسب آخر الأخبار فقد ضاقت الحلقة على القائد ولم يبق له سوى باب العزيزية وسرت وسبها.. فقد تخلى عنه أقرب المقربين منه من أمثال أحمد قذاف الدم وصديق طفولته عبد الرحمن شلقم ووزير داخليته عبد الفتاح يونس ووزير العدل مصطفى عبد الجليل هذا فضلا عن معظم السفراء والدبلوماسيين وكثير من قادة الجيش وكبار المسؤولين في الدولة..
والأهم من ذلك موقف العالم الجليل الشيخ صادق الغرياني الذي أفتى بوجوب الخروج على القذافي وهي شجاعة نادرة في قاموس العلماء والمشايخ في البلدان العربية خاصة أولئك الذين لهم صفة رسمية ..
وبهذه السيرة الحافلة فإن القائد يشترك في كثير من الخصائص مع صاحبيه الهارب والمتنحي و لكنه فاقهما ولا غرابة في ذلك ، فالعقيد يبحث عن التميز في كل شيء وقد كان له ذلك فقد قتل الليبيين وشردهم وبدد ثروتهم وسلط عليهم أبناءه وهو مستعد لإحراق ليبيا كلها من أجل شخصه .. ...
أما شعارات الثورة وأمانة القومية العربية وتحرير فلسطين ومواجهة الامبريالية فهي شعارات عراها انعدام الأساس الأخلاقي وفقدان الشخصية السوية التي بدونها لا تستقيم حياة إنسان عادي فكيف بمن يريد قيادة الأمم وليس أمة واحدة.. ربما كان للرجل بعض حسن نية في بداية مشواره السياسي وربما كان صاحب مبادئ وأهداف نبيلة وقت أخذه للسلطة لكن زاحمته عوامل جنون العظمة التي تحولت مع الزمن إلى أمراض نفسية أو هلوسة العظمة فاختلت المقاييس وضاعت المبادئ ...
تحية لليبيا وأبنائها الشجعان ورحم الله شهداءهم الأبرار..
رحم الله محمد البوعزيزي الذي أشعل النار التي حررت الشعوب وكشفت المستور..

نقلا عن السراج الإخباري