مشاهدة النسخة كاملة : أبو بكر الصديق مروءة في الجاهلية والإسلام


ام خديجة
03-04-2011, 07:58 AM
أبو بكر الصديق مروءة في الجاهلية والإسلام



أ .د . قصي الحسين

كانت شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه فارقة بين الشخصيات الإسلامية في فجر الإسلام . ولهذا اهتمّ بها كتّاب السير، ووقفوا على دقائقها وعلاماتها ومرموزاتها التي جعلت منه شخصية عربية إسلامية مميزة في ذلك التاريخ المبكر من حياة الدعوة الإسلامية وتبليغ الرسالة . اتصف رضي الله عنه بالوسامة وبلونه الأبيض الذي تخالطه الصفرة وبغزارة شعر الرأس ونتوء الجبهة مع تعرّق الوجه وغور العينين، وكذلك وصفوه بأنه كان “نحيف العود، خفيف العارضين ممحوص الفخذين، خفيف اللحم باطل الشحم، فإذا ما هم بالوقوف أرخى إزاره على حقويه، يستأخر المهابة عن الناظرين خشية الصدود، ويستدني بشعاع عينيه شوق المحتفين حواليه” . وقلما اتصفت شخصية من الشخصيات الإسلامية بهذه الصفات، لندرة وقوعها في بطون القبائل، ولو كانت تجسد الأرومة العربية العريقة والأصيلة كما استبان لعلماء الإناسة المعاصرين .

وقد لاحظ الباحثون في شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه الفارقة علامات أخرى ميزته عن غيره من الرجال . إذ كان “أجنأ” (أي منحني القامة كما يقولون)، في شبابه ومشيبه . وهي صفة تعكس في شخصه اجتماع نفسه واشتمالها على علامات التعقل والتهيب والتواضع . تماماً كما نجد فيها إشارة إلى اعتدال القامة بين الطول والقصر مع انحناءة بسيطة نحو الأرض تفسر ما في نفسه من مهابة الله (جل جلاله) واحترام الناس .

وفي خبر الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان على بعير، وكان أبوبكر على بعير، وكان عامر بن فهيرة على بعير: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل على البعير فيتحول عنه إلى بعير أبي بكر، ويتحول أبو بكر إلى بعير عامر، ويتحوّل عامر إلى بعير رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبوبكر كما يظهر لنا أخف من عامر بن فهيرة، كما كان عامر بن فهيرة أخف من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة في الرجال، فوق القصير ودون الطويل، ولم يكن بيّن الامتلاء، بل كان معتدلاً، لا إلى السمن ولا إلى النحافة، بينما كان أبوبكر رضي الله عنه أقصر من الربعة، وأخف كثيراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخف كذلك من عامر بن فهيرة . كما يتجسد مثلاً في حركة البعير الذي كانوا يتعاقبون عليه .

حدة جميلة

ومن علامات أبي بكر الصديق الفارقة في شخصه ونهجه أيضاً، منذ كان في عهد الفتوة والشباب وقبل أن تعلو غرته وصباحة وجهه شيبة تزين مفرقه أنه صاحب مودة وألفة . وتختلف مودته عن مودات الرجال بحدّة تعصم الشهامة والنبل وكرم الخلق . وقد أشار إلى ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين ذكر هذه الخصيصة الطيبة في خلق سيدنا أبي بكر فقال عنه: “وكنت أداري منه بعض الحدّ” (أي الحدة)، أما ابن عباس فقال عنه: “كان خيراً كله على حدّة كانت فيه”، ولهذا فإن المودّة التي حملها أبوبكر للناس في قلبه، كانت تصدر عن روح مشبعة بالمسؤولية، خصوصاً حين يواجه الآخرين بنهج مختلف ومعالجة مختلفة ووداد مختلف . وقد صارح الناس بذلك، فوصف حدّة نفسه، تماماً كما رآها فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال في خطبة تعتبر من أوائل خطبه بعد مبايعته بالخلافة: “ . . اعلموا أن لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني”

لم يتمتع رجل من صحابة رسول الله بالحدّة الجميلة التي ألفها الناس في شخص أبي بكر الصديق، لأنها كانت حدّة الغضب لشدّة الحب . فما عرف عنه أنه كان، يحتد عن كره، بل كان يحتد عن حب ومودة وشدة غيرة على الحق الذي يريد إحقاقه . فكانت حدّته تنم عن سرعة التأثر عنده، فقد كان يتصف بالرحمة والرفق في جملة أحواله . وحاداً في الحزن والأسى تماماً كما هو حاد في عطفه على المحزونين وأهل السلوى والفقد . وقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها، هذا الطبع الحميد في الخليفة الأول فقالت: “كان رضي الله عنه غزير الدمعة وقيد الجوانح شجي النشيج” .

مهابة وتعقل

كان أبوبكر الصديق رضي الله عنه شديد الغيرة على وقاره ومهابته ومروءته . وهو لهذا تجنب في حياته كل ما كان يريب . وقد تحدث عنه أصحاب السير أنه رضي الله عنه، لم يشرب الخمر قط حتى في الجاهلية لأنها تجعله صاحب خفة، وتخل بوقاره . وهو حين سئل: لم كان يتجنبها في الجاهلية؟ أجاب: “كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي، فإن منْ شرب الخمر كان مُضيعاً في عقله ومروءته” . وقد تحدث عنه آخرون فقالوا: كان من مروءته رضي الله عنه أنه يتقي كل ما يورده موارد الشبهات .

والواقع أنه كانت لأبي بكر الصديق رضي الله عنه مزايا خلقية لم تجتمع في شخص كما اجتمعت في شخصه، وهي كما أوضحها الباحثون والدارسون بعض صفات التعقل الذي يثبت للمرء عن علم وتجربة وهدي من الله سبحانه . وهذا ما ميّزه عن ذوي الأقدار في زمانه فاعتبر مع صاحبه أبي عبيدة “داهيتا قريش” . وقد أثر عنه أنه كان أسرع الناس إلى الفطنة لما يوحى به للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي صدّق النبي بعد خديجة رضي الله عنها ثم صدق المعراج قبل تصديق الناس جميعاً . وقد ورد في الحديث الشريف ما يدل عن علمه وفطنته، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “كأني أعطيت عُساً مملوءاً لبناً، فشربت منه حتى امتلأت . فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ففضلت منها فُضلة فأعطيتها أبا بكر . قالوا: يا رسول الله: هذا علم أعطاكه الله، حتى إذا امتلأت فضلت فُضلة أعطيتها أبا بكر . قال صلى الله عليه وسلم: قد أصبتم”.


نقلا عن الخليج