مشاهدة النسخة كاملة : الحاكم والشعب (جميل مطر)


أبو فاطمة
03-03-2011, 07:38 PM
الحاكم والشعب (جميل مطر)

قالوا عن ليبيا إنها صندوق رمال تمر عليه في طريق ذهابها وعودتها جيوش الإمبراطوريات، تلقي فيه ما تحمله من ثقافات وأفكار وإنجازات فتبتلعها الرمال ولا يبقى منها على السطح شيء يذكر بمرور هذه الجيوش أو تلك الحضارات . وإن غصت في الرمال حتى القاع فلن تجد أثراً يؤكد أن غرباء متحضرين مروا من هناك . لم أقتنع يوماً بهذا الرأي في مسيرة التاريخ الليبي، وكتبت وحاضرت ضد هذا الرأي وضد مناصريه، وعلى رأسهم العقيد معمر القذافي .
أفهم أن يكتب مؤرخون ودارسو حضارات رأياً أو آخر يقابل بالانتقاد الشديد، إما لأن الرأي يعكس موقفاً عنصرياً أو يعبر عن قناعات أيديولوجية أو دينية معينة . انتقدنا الكثير من كتابات المستشرقين، ونشر إدوارد سعيد تشريحاً أكاديمياً راقياً لكتاباتهم وتوجهاتهم ونواياهم، وعشنا عقوداً غير قليلة ندفع ثمن ما استوعبه قادة دول غربية، بخاصة بريطانيا والولايات المتحدة، من الأفكار الشريرة التي كان يبثها كبير المستشرقين المعاصرين برنارد لويس، حتى إن دولاً أعادت صياغة أو تعميق سياساتها الخارجية بناء على أفكاره العنصرية والمعادية للمسلمين بصفة عامة وشعوب الشرق الأوسط بصفة خاصة . جاءت فترة كان لويس وحواريوه يقودون قوافل من الأكاديميين والبيروقراطيين الأمريكيين، حتى أشعلوها في العالم ناراً بدأت بالتحريض ضد الدول الإسلامية والثقافة الإسلامية وانتهت بحرب عالمية ضد الإرهاب بعد أن مررنا، معاً نحن وهم، بصدام الحضارات .
أفهم أن يفعل هؤلاء المؤرخون والمستشرقون ما يسيء إلى شعوبنا ويهين إنسانيتنا، ولكن ما لم أفهمه على الإطلاق، ولن أفهمه، هو أن يتعامل بعض قادتنا وحكامنا العرب مع شعوبهم على أساس هذه النظرة اللئيمة أو على أساس ما هو أسوأ . وأقول أسوأ، لأنها نظرة من ائتمنتهم الشعوب على حياتها وأمنها . بعض هؤلاء دافعنا عنهم ضد خصومهم حين هوجموا، ووجدنا لهم الأعذار حين انهزموا، وأشفقنا عليهم حين مرضوا، ومع ذلك استمروا يتعالون على شعوبهم وإن عبرت عن رأيها أهانوها وإن عصت اعتقلوها وإن تمردت أبادوها .
لا أبالغ في إطلاق صفة الكره على شعورهم تجاه شعوبهم رغم ما كشفت عنه انتفاضات الشعوب في الأسابيع الأخيرة من حقيقة المشاعر التي يكنها الرؤساء والحكام الذين انتفضت عليهم شعوبهم، كشفت عن مدى احتقارهم الشعوب وكرههم لها .
بالنسبة لي لم تكن الأسابيع الأخيرة وحدها هي الكاشفة عن حقيقة شعور حكامنا تجاه شعوبهم، بل كانت سنوات عديدة من الممارسة العملية لعلاقات مع شعوب عشت بينها وراقبت من كتب كيف يعاملها حكامهم، ومنها الشعب المصري وحكامه . رأيت حكاماً يتجاهلون الشكاوى لأنها صادرة من شعب “لا يفهم”، ويعتبرون فضول الشعب أو حاجته ليعرف تطاولاً من شعب “لا يقدر”، وحين يأتي علماؤنا من الخارج ومعهم نصيحة أو تجربة ويتلقاها الشعب بالفرحة والأمل ويفرح بها ويبتهج ويستبشر خيراً يتهمونه بالسذاجة وقصر النظر، لأنه لم ينتبه إلى أن العلماء العائدين ساعون لمنصب كبير أو لشهرة تتجاوز شهرة الرئيس .
في جعبتنا حكايات لا آخر لها، حكايات عن حكام في تونس واليمن والعراق وسوريا والجزائر والسودان وليبيا ومصر، تفننوا في إهانة شعوبهم والاستهزاء بها . كان في العراق رجل امتلأ يقينا بأن شعبه لا يؤمن جانبه إلا إذا ضرب بالعصا وأهين وذلت أعناقه . كان يستند إلى التاريخ، وما أطوله، ليثبت أن العراق لم يعرف استقراراً إلا عندما تولى أمره حاكم لا يعرف الشفقة، ولا يعرف غير الدم المسفوك أنهاراً سبيلاً إلى طاعة الشعب . رأيته يستقبلنا بابتسامة عريضة لا تتناسب مع شرارات الشر التي تطلقها عينان قاسيتان، ولكنها ابتسامة على كل حال . هذه الابتسامة التي كانت تختفي في كل مرة توجه بها بالحديث إلى مسؤولين عراقيين موجودين معنا بالغرفة . الزعيم لا يبتسم في وجود مواطنين خشية أن يشعر المواطن حتى وإن كان وزيراً أو محافظاً مسؤولاً عن ملايين البشر، أنه آمن على نفسه وبيته وممتلكاته .
ومن ليبيا جاء لزيارتنا في جريدة “الأهرام” العقيد القذافي ولم يكن قد تجاوز بعد الثلاثين من عمره بكثير . وفي اجتماع ضم عشرين أو ما يزيد بعضهم من قيادات مصر الثقافية باعتبارهم من أركان الأهرام التي تفخر بها المؤسسة، عرض العقيد رؤية لمستقبل يعود فيه العرب إلى العصر الذهبي للإسلام . وحين سأله أحد الحاضرين عن العصر الإسلامي الذي يعتبره ذهبياً، بمعنى أن السلطة فيه كانت تتداول أو تتوارث سلمياً والإنسان فيه يعيش في ظل قانون يحترم حقوقه وحياته، راح العقيد يختار عصراً بعد آخر فينتقده حاضر أو آخر حتى انتهى إلى أنه ربما كان عصر الخلفاء الراشدين . هنا انبرت مثقفة كبيرة للإعراب نيابة عن كل الحاضرين عن السعادة لأن “العلي الكريم أرسل لنا أخيراً خليفة سينهض بالأمة ويعيد إليها أمجاد العصور الذهبية” . ويبدو أن هذا التصريح شديد النفاق كان سبباً في أن يضع السيد العقيد الأهرام بنداً دائماً في جدول زياراته لمصر .
يحكي زميل يحتل مكانة محترمة في الصحافة اللبنانية أن الدعوة وجهت إليه لمقابلة العقيد الذي تصادف وجوده في بلد عربي ثالث في ذلك الوقت . وعندما ذاع الخبر اتصلت بالزميل اللبناني شخصية ليبية كبيرة مقيمة في البلد نفسه يطلب منه العمل على ترطيب الأجواء مع العقيد القذافي تمهيداً للقاء بينهما . استجاب الزميل وخلال اللقاء طلب من العقيد الالتقاء بهذا الشخص ليصحح له معلومات وصلته عنه، ولكن العقيد لم يدعه يكمل الطلب، فبمجرد أن سمع عن شخص يريد مقابلته سأل هل هو ليبي؟ وعندما جاءته الإجابة بنعم قال . . . “ليبي؟ يعني بهيم” واستطرد في لهجة غاضبة وباشمئزاز واضح “أنا لا أريد أن أقابل بهائم” . تذكرت وأنا أسمع هذه القصة أحاديث عديدة جرت في القاهرة مع العقيد، وفي كثير منها كان يوجه نقداً شديداً إلى الشعب الليبي، وأذكر جيداً أنه قال ذات مرة أتمنى لو أمكنني استبدال شعب ليبيا بشعب آخر . وفي مرة أخرى، وكان قد مضى عليه في الحكم خمسة عشر عاماً أو أكثر، قال، إن الشعب الليبي غير قادر على الارتقاء إلى مستوى تفكيري، “قدري أن أكون زعيماً لشعب لا يفهم” .
تذكرت هذه المشاهد والحوارات وكثيراً غيرها وأنا أستمع إلى العقيد يصرخ بأعلى صوته، “أنا المجد . . مجد ليبيا والعرب وإفريقيا وأمريكا اللاتينية” . هاهو بعد أربعين عاماً في الحكم والزعامة يؤكد مجدداً قناعته الأساسية، وهي في الوقت نفسه قناعة غيره . هو وهم أرقى من شعوبهم التي لا تستحقهم، شعوب ناكرة للجميل، شعوب لم تفهمهم، ولا بد من سحقها وذبحها إن تمردت أو رفعت صوتها .
ومع ذلك، ورغم هذه الطباع الاستبدادية، والوحشية أحياناً، لا أستطيع أن أقبل من شيخ وقور له احترامه بين مريديه وأتباعه، دعوته الناس لقتل القذافي . إن توجيه دعوة من هذا القبيل والقبول بها تحت ضغط المأساة الواقعة في ليبيا تجعلنا في نظر الإنسانية والتاريخ نبدو في صورة أقل تحضراً وإنسانية من صور الملايين المسالمة المتحضرة التي خرجت تطالب بإقصاء حكامها ولم تطلب، ولا يجب تشجيعها على أن تطلب، سفك دمائهم .
إن الثورة العربية الكبرى التي نعيش أعظم أيامها تاج على رؤوسنا جميعاً . دعونا نحافظ عليها بيضاء ونقية وطاهرة، لا يلوثها تعصب أو اندفاع أو تصفية حساب .

نقلا عن دار الخليج