مشاهدة النسخة كاملة : تأملات في آية \ ولد محمد محفوظ


ام نسيبة
03-03-2011, 06:41 PM
تأملات في آية

http://img824.imageshack.us/img824/6844/indexphprexresize180w1.jpg

بقلم محمد محمود ولد محمد محفوظ

ورد في كتب اللغة العربية أن تداول الشيء يعني: حصوله في يد هذا تارة وهذا تارة أخرى، ومنه اشتقت الدولة، ومن أمثال العرب: الحرب سجال، والأيام دول، فهي تارة لهؤلاء وتارة لأولئك، ومنه قول الشاعر :
فيوم علينا ، ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
فالتداول بمعنى الانتقال والتحول والتغيير من حال إلى حال حقيقة لغوية، وهو كذلك سنة كونية أثبتها القرآن الكريم في قوله جل من قائل: { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُها بَينَ النَّاسِ } يقول المفسرون: هذا بيان لسنة الله الجارية في كونه، وهي المداولة، بمعنى: نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: هذا الشيء تداولته الأيدي، أي انتقل من واحد إلى آخر، وقد جاءت هذه الآية تسلية وتمحيصا للمؤمنين في غزوة أحد المشهورة، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ أدال المسلمين من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأدال المشركين من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا منهم خمسة وسبعين.
وبما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما قرره أهل الأصول، فإن "الأيام" في الآية تكون عامة بمعنى الأوقات لا الأيام العرفية، وتعريفها للعهد إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة والفرح والغم والرخاء والشدة... الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية، و تكون "الناس" أيضا عامة في البشر كلهم حاكهم ومحكومهم في كل زمان ومكان؛ لأن هذا من السنن الكونية، فلا يختص بالقوم المتحدث عنهم.
ولكنها تشمل الأمراء والسلاطين بالدرجة الأولى، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي حاتم عن ابن سيرين في الآية (وتلك الأيام نداولها بين الناس) قال: يعني الأمراء، وهو ما يعبر عنه اليوم بالتداول السلمي للسلطة، وهو الجانب الذي نحاول التركيز عليه لنرى أين واقع العالم العربي اليوم منه.
إن المتأمل لتاريخ هذه الأمة المحمدية يلاحظ – وبجلاء - التطبيق العملي لمبدإ التداول السلمي على السلطة في المراحل الأولى من تكوين الدولة الإسلامية على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث تولى السلطة من بعده: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو من بني تيم، ثم تولاها من بعده عمر بن الخطاب، وهو من بني عدي، ثم تولاها عثمان بن عفان، وهو من بني العاص، ثم تولاها علي بن أبي طالب، وهو من بني هاشم ـ رضي الله تعالى عن الجميع.
فضربوا بذلك أروع مثال للتداول السلمي على السلطة وَفْقَ الشروط والمواصفات التي دلت عليها الأحكام الشرعية، واقتضتها الحكمة الإلهية من التداول والتناوب، ولم يحتكرها فرد ولا أسرة ولا جماعة ولا قبيلة ولا حتى جهة.
كما يلاحظ أن تلك المرحلة مثلت حصريا العصر الذهبي من تاريخ الأمة الإسلامية في ظل الخلافة الراشدة، قبل أن تتحول إلى ملك عاض ثم ملك جبري - كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم - دخلت الأمة على إثره في دوامة من التقاتل والتنازع عنوانها الرئيسي: التمسك بالسلطة وتوريث الحكم ورفض التداول السلمي على السلطة، مما تسبب في إضعاف الأمة وسقوط الخلافة الإسلامية، مصداقا لقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
وفي عصرنا الحديث نلاحظ أن ميزان القوة والتقدم العلمي والاقتصادي والتكنلوجي... أصبح من نصيب العالم الغربي الكفري الحديث، حين تجاوز عقدة الاستبداد بالسلطة وآمن بمبدإ التداول السلمي عليها من خلال تطويره لآليات الديمقراطية القائمة على الاحتكام إلى الشعب في اختيار من يحكمه، بأسلوب سلس ومتحضر، لا مكان فيه للدكتاتورية أو التوريث، أو استخدام القوة أو التزوير والتحايل للوصول إلى السلطة.
وفي المقابل أخفقت الأمة الإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص في تطبيق هذا المبدإ التشاوري العظيم، ولم تستفد مما حققته الأمم الأخرى في هذا المضمار من نجاحات باهرة، بل ظلت وما زالت تعيش تحت وطأة من يحكمون بعقلية المستبد المتسلط المتفرد في حكمه ورأيه، بل والمتأله في بعض الأحيان، كأنما يستحضرون النموذج الفرعوني القديم، في العلاقة بين السلطة والطغيان والعلو في الأرض، وبين الألوهية، يردد واقع الحال منهم قول فرعون لقومه: (ما علمت لكم من إله غيري) وقوله (أنا ربكم الأعلى)، بل إن منهم من لا يجد حرجا في المجاهرة بها، بلسان "عربي فصيح"، وهو ما يثير الاستغراب ويجعل المرء يتساءل:
ألا يقرأ حاكم العالم العربي هؤلاء عن تاريخ الأمم والملوك والشعوب؟ ألم يبلغهم قول الواعظ: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك؟ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم؟ ألم يعلموا أن العاقل من يتعظ بغيره؟ ألم يبلغهم أن الأمم تزول بسبب الترف، والفساد، وفشو الظلم، والتجبر على الناس؟ ألم يبلغهم أن لغة القوة مهما كانت صارخة وقاهرة، هي منطق مترنح في النهاية، وأن دورة التأريخ لن تتوقف؛ لأنها سنة كونية، ولن تجد لنسة الله تبديلا؟
ألم يسمعوا قول الشاعر:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويفنى المال والولــــد
لم تغن عن قيصر يوم خزائنـــه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح لـه والجن والإنس فيما بينها تفـــــد
أين الملوك التي كانت لعزتــــها من كل صوب إليها وافد يفـــــد
حوض هنالك مورود بلا كــذب لا بد من ورده يوماً كـما وردوا.
ألم يشاهدوا – أخيرا - العروش تتهاوى من حولهم في تونس ومصر وليبيا على مرأى ومشهد من الدول الصديقة والشركاء في التنمية...؟ فلم يغنوا عنهم من الله شيئا.
فهل ينتظر هؤلاء – إذا - إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟ أم اتخذوا عند الله عهدا؟
سأترك الإجابة عن هذه الأسئلة للسادة حكام العالم العربي، مع التنويه إلى أن وسائل المساعدة معدومة لديهم، وأرجو أن يستفيقوا من سباتهم، وينطلقوا من إيمان جازم بالسنن الكونية، مستلهمين من تاريخ هذه الأمة المعطاء، وواقع هذا العالم المتجدد المتغير، حتى تكون الإجابة مقنعة لشعوبهم الثائرة، كي لا يضطروا إلى تصحيحها بأسلوب الثورة المتميز.
وفي الأخير أتوجه إلى شعوب العالم العربي فأذكرهم بأن سنة التداول ستظل قائمة، توحي بالحركة الدائمة والتجدد والأمل، وأن الأيام ليست ملكاً لأحد من الناس، ولا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم الآن في القمة سوف تنتهي بهم السنن الكونية إلى الحضيض، ومن هم في القاع سوف تصعد بهم أعمالهم الصالحة وفق السنن الإلهية الكونية بإذنه تعالى إلى القمة وإلى القوة والعزة، عن هم أخذوا بأسباب ذلك؛ لأن العاقبة للمتقين، كما قال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
ثم ألفت انتباههم إلى أن القرآن معجزة خالدة، مجرد عن حدود الزمان والمكان... وأن هذا الخلود يقتضي تجدد الفراعنة والطغاة والمستبدين... وتكرار المواجهة، والإصابات، والتدافع، بين الحق والباطل، مصداقا لقوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ...} وقوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} ليمتحن الناس، ويتمايزوا، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، ولولا هذه الشواهد، التي قد لا يخلو منها عصر، أو مكان، في جنبات الأرض الواسعة، لكان القرآن، كتاب تاريخ، وقصة، وتسلية، لا علاقة له بواقع الحياة، ولا بمستقبلها.
وحاشا لله من أن يكون القرآن كذلك، بل هو: (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به} من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.


نقلا عن الأخبار