مشاهدة النسخة كاملة : الفلسطينيون في مواجهة "ثورة الوحدة" \ رائد لافي


ام خديجة
03-03-2011, 11:22 AM
الفلسطينيون في مواجهة "ثورة الوحدة"

http://img828.imageshack.us/img828/7467/144113.jpg

غزة - رائد لافي:


عندما نجحت ثورتا تونس ومصر، وفي ظل رياح التغيير التي تعصف بكثير من الأقطار العربية، يبدو أن الشعوب العربية التي ظلت “ساكنة” بلا حراك، منذ التحرر المادي من قوى الاحتلال الغربية، باتت تدرك الآن أنها هي مصدر السلطات، وأنها تمتلك إرادة التغيير وأدوات الفعل المؤثرة، بدليل نجاح الثورتين التونسية والمصرية في أقل من شهر واحد على الإطاحة بنظامين مستبدين .

بنجاح هاتين الثورتين، خصوصاً الثورة المصرية لما لمصر من ثقل وأهمية ومكانة لدى الشعوب العربية، وما تشهده ليبيا من حركة احتجاج شعبية واسعة النطاق ضد النظام القمعي لمعمر القذافي، يكون عقد الأنظمة العربية قد انفرط، ومن المستبعد أن تهدأ موجة الاحتجاجات والثورات الشعبية العربية، نظراً لتشابه الظروف، وتشابه تطلعات الشباب العربي على وجه الخصوص، الذي يتطلع بكل أمل وإصرار نحو رسم مكانة جديدة ومرموقة للوطن العربي على خارطة العالم، بعد عقود طويلة لم يستطع خلالها العرب من اللحاق بركب الحضارة والتطور العلمي والتكنولوجي الذي شهد قفزات واسعة خلال العقود القليلة الماضية.

الشباب العربي هو من يقود عربة التغيير، ولم يعد يقبل الصمت والتغييب، وليس وارداً أنه سيقبل مرة أخرى الرجوع إلى مربعات تم تجاوزها بنجاح الثورتين التونسية والمصرية، والنجاح المرتقب لثورات مماثلة في ليبيا واليمن .

وانسجاماً مع رياح التغيير العربية، ينشغل محللون سياسيون فلسطينيون حالياً للوقوف على تأثير وتأثر الساحة الفلسطينية بالتغيير الحاصل في المشهد السياسي العربي، خصوصاً في ظل “الجمود” في عملية التسوية السياسية والمفاوضات مع دولة الكيان “الإسرائيلي”، واستمرار الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وعدم وجود أي أفق للمصالحة في المدى المنظور .

إن ما حدث ويحدث في المنطقة العربية، بعد نجاح ثورتي تونس ومصر، وما هو مرتقب من حراك شعبي، أثر وسيؤثر بشكل واضح وملموس على الساحة الفلسطينية، ويجب أن يسهم التغيير العربي في تحرير القيادة الفلسطينية من قيود عملية التسوية السياسية، واتفاق (أوسلو) والالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية المترتبة عليه، وسيحررها أيضاً من الضغوط التي كانت تمارس عليها، وهي ضغوط كانت تنطلق من الشروط والاعتبارات الأمريكية و”الإسرائيلية” بعيداً عن المصالح المصرية والفلسطينية، وبالتالي تصبح القيادة الفلسطينية فاعلةً لا منفعلةً .

ويقول الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري إن هناك نقاشاً متصاعداً يدور بين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها عن الهدف الناظم، فلا ينفع استنساخ التجربة المصرية والتونسية وتكرار شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، بل لا بد من الاتفاق على الهدف القادر على توحيد الفلسطينيين .

هل يكون الهدف إنهاء الاحتلال عبر المقاومة بالأشكال المتاحة؟ أم إنهاء الانقسام؟ أم الدفاع عن الحقوق والحريات وتعزيز الصمود وتأمين حياة كريمة للمواطن؟ أم إحياء المنظمة وإجراء انتخابات المجلس الوطني، أم إجراء تعديل أو تغيير حكومي في الضفة وفي غزة؟ أم تجديد شرعية السلطة وإصلاحها وتوسيع قاعدة المشاركة بها وبناء مؤسسات الدولة، أم التركيز على المسار السياسي والدبلوماسي للحصول على الاعتراف بالدولة ونزع الشرعية عن “إسرائيل”؟ أم فتح الطريق لاعتماد خيارات وبدائل جديدة، قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية التي عجزت الاستراتيجيات السابقة عن تحقيقها؟ إن كل هذه الأهداف مترابطة وتخدم بعضها بعضاً، ويمكن أن تكون بشكل متزامن ومتوازٍ مع بعضها البعض، إلا أن الهدف الناظم لها جميعاً، هو هدف إنهاء الاحتلال . فهو الهدف الذي يوحد الفلسطينيين جميعاً .

ويعتقد المصري أنه لا يكفي وضع هدف إنهاء الاحتلال بل لابد من إزالة العوائق التي تحول دون تحقيقه . فلا يمكن وضع الجهود والطاقات الفلسطينية في مجرى إنهاء الاحتلال، من دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، ودون إحياء منظمة التحرير وتجديدها وإعادة بناء مؤسساتها ومنحها شرعية جديدة أصبحت تفتقدها بعد تآكل برنامجها الوطني، وبعد عدم إجراء انتخابات للمجلس الوطني، أو عقد جلسات له منذ فترة طويلة . ومن دون توفير الحقوق والحريات وحياة كريمة للمواطن، ومن دون تنظيم مقاومة شاملة تجعل الاحتلال مُكلِفًا، ومن دون التخلي عن مسار (أوسلو) واتباع مسار سياسي قادر على حصد ما تزرعه المقاومة، ومن دون سلطة توفر الخدمات للمواطنين ومقومات صمودهم عبر مؤسسات فاعلة بعيداً عن الفساد والهيمنة والفئوية والفصائلية .

إن المنظمة أصبحت مجرد ديكور وإطار مشلول، لم يتم ولم يسمح عربياً ودولياً بإصلاحه ولا دفنه، ولا بإنشاء بديل عنه حتى يوقع باسم الشعب الفلسطيني على التسوية النهائية . إن واقع المنظمة المشلول أضعف الإطار الحاصل للقضية الفلسطينية ما أدى إلى ظهور مراكز قيادية تمثل الفلسطينيين، واحد في الضفة وآخر في غزة وثالث في فلسطين ،1948 وعدة مراكز أخرى في الشتات .

ضمن هذا السياق، لا يكون طريق الخلاص الوطني في التمسك بالسلطة وتجديد شرعيتها وإصلاحها، فالسلطة فرع من أصل هو المنظمة، وهي فقدت مصدر قوتها وشرعيتها بعد شلل المنظمة وانهيار ما سمي “عملية السلام”، وبعد أن استعاد الاحتلال حتى الصلاحيات المحدودة التي منحها للسلطة بعد أن اجتاحت قوات الاحتلال أراضي السلطة العام 2002 ولم تنسحب منها حتى الآن .

إن شرعية السلطة مستمدة أساساً من المنظمة، ومن تمثيلها للشعب الفلسطيني ودفاعها عن الحقوق المجسدة في برنامجها، الذي يقوم أساساً على إنهاء الاحتلال، في هذا السياق كانت السلطة وفق التفويض الممنوح لها مجرد مرحلة مؤقتة مفترض أن تنتهي بانتهاء المرحلة الانتقالية . إن مرور أيار (مايو) ،1999 كان يفرض مراجعة عملية التسوية وخصوصاً التفويض والوظيفة اللذين تقوم بهما السلطة، لأن تمديد المرحلة الانتقالية استمر إلى أجل غير مسمى؛ ما أطاح بشرعية السلطة .

الآن، سقط وهم إمكانية تحقيق التسوية، والحل الوطني القريب عبر المفاوضات، والرهان على الدور الأمريكي، وإمكانية إقناع “إسرائيل” بقبول تسوية متوازنة .

في هذا السياق، لا معنى للمصالحة وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وإنجاز الحقوق والحريات وإحياء المنظمة . . . إذا لم تكن في سياق مقاومة الاحتلال، وإعادة بناء الإجماع الوطني القادر على إنهاء الاحتلال .

لا يمكن خلق الإجماع الوطني الجديد القادر على النصر من دون ميثاق وطني واستراتيجية جديدين، يتم بلورتهما بعد إجراء مراجعة عميقة وجريئة وعقلانية للتجارب السابقة واستخلاص الدروس والعبر منها .

فمن دون ميثاق واستراتيجية يوحدان الفلسطينيين، لا معنى لإحياء منظمة التحرير أو السلطة أو لإجراء الانتخابات (للمجلس الوطني والرئاسية والتشريعية)، ولا معنى لإنهاء الانقسام؛ لأن أي وحدة من دون استراتيجية ستكون هشة ومؤقتة سرعان ما تنهار، لأنها ستقوم على المحاصصة وتوزيع المناصب والمصالح والمغانم والنفوذ .

من دون إجماع وطني جديد على ميثاق واستراتيجية يجسدان المصالح والتطلعات الفلسطينية؛ يصبح إصلاح السلطة والتغييرات الوزارية وبناء المؤسسات والمسار السياسي والدبلوماسي مجرد تحسين شروط حياة للفلسطينيين تحت الاحتلال، ما يجعل سلطة الحكم الذاتي وكأنها باقية إلى أجل غير مسمى .

إن بناء الإجماع الوطني الجديد هو الطريق، الذي يؤدي إلى توحيد الفلسطينيين، وإنهاء الاحتلال، وهو إجماع يستند إلى مجمل الأهداف والحقوق والقواسم الوطنية المشتركة، وإلى قواعد العمل السياسي والديمقراطي والنضالي التي يتم الاتفاق عليها، ولا يلغي التعددية، ولكنها ستتجسد في إطار وطني موحد .

لقد بدأت رياح التغيير تلقي بظلالها وآثارها على الفلسطينيين، كما يظهر في التحركات التي بادر إليها الشباب الفلسطيني في الأسابيع الأخيرة، وهي مرشحةٌ للاستمرار والتعاظم حتى تستطيع تحريك الشعب كله، ليفرض إرادته على الجميع .

إن المدخل العملي الذي يجب البدء به لتحقيق ما هو مطلوب لإنقاذ الشعب والقضية، يتجسد بإطلاق حوار وطني شامل، يختلف عن الحوارات السابقة من حيث مضمونه وأهدافه والمشاركين فيه، داخل الوطن وخارجه ولا يقتصر كالعادة على الفصائل والقيادات والشخصيات فقط، وإنما يشارك فيه ممثلون عن الشعب خصوصاً الشباب؛ حتى يتم التوصل إلى إجماع وطني جديد يرتكز إلى ميثاق وطني واستراتيجية .

وبرأيه، يعتقد المحلل السياسي علي جرادات أن الحال الشعبية الفلسطينية مرشحة لانفجار انتفاضي وشيك، على إيقاع نهضة الحال الشعبية العربية، خاصة وأن الحال الفلسطينية مثقلة أصلاً، بوقائع الاحتلال وجرائمه، وانسداد أفق التسوية السياسية معه . ناهيك عن تشوهات الانقسام الداخلي المدمر .

هنا يثور سؤال ما العمل؟؟ في وجه كافة النخب القيادية الفلسطينية، وخاصة قيادتي “فتح” و”حماس”، اللتين تخطئان، إن هما قرأتا المستجدات العربية قراءة ذاتية، عبر انتظار كل منهما، إلى ما ستسفر عنه المرحلة الانتقالية العربية، والمصرية تحديداً، وتمنى أن تأتي بما ينصرها على الأخرى . فيما بات واضحاً ضمان أن تؤول هذه المرحلة الانتقالية إلى ولادة سلطات سياسية، تحدد إرادة الشعوب ملامحها وطنياً وديمقراطياً في انتخابات حرة ديمقراطية ونزيهة . ولا أعتقد أن الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات أقل حاجة أو أقل توقاً إلى هذا الخيار الديمقراطي، للحسم بصوته، وبما يعبر عن إرادته من دون وصاية من أحد، في مسألتين أساسيتين متداخلتين: مسألة كيفية إدارة الصراع مع الاحتلال، خاصة بعد وصول خيار التفاوض معه إلى طريق مسدود . ومسألة كيفية البت في شأن الانقسام الداخلي، بعد ثبوت غياب إرادة قطبي هذا الانقسام عن إنهائه .

وفي ظل هذه القراءات السياسية للحال الفلسطينية وانعكاس ما يدور في دول الجوار العربي عليها، تداعت مجموعة من الشباب الفلسطيني أطلقت على نفسها مجموعة شباب الخامس عشر من آذار (مارس)، وهو اليوم الذي حددته للخروج إلى الشوارع والاعتصام وعدم العودة إلا بانتهاء الانقسام، فقد قرر الشباب الفلسطيني أخذ زمام المبادرة بنفسه، بعدما فشلت جهود عربية وفصائلية فلسطينية في استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام .

ويقول الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله إن الثورات العربية بثت روحاً جديدة لدى الشباب الفلسطيني وزودتهم بكلمة السر القادرة على فتح طريق الأمل لديهم بعد أن خيمت طويلاً تلك الغيوم السوداء فهرعوا إلى “الفيسبوك” وسيلة النجاح الثوري الجديدة وكامل طاقتهم وحيويتهم حاملين شعارهم المقدس “إنهاء الانقسام” والمدهش أنهم تجاوزوا الحدود بفعلهم كما أحلامهم تمكنوا من الاتصال بكل الجاليات الفلسطينية لضمان وقفة شاملة في غزة والضفة وفلسطين 48 ولبنان والأردن وسوريا وفي دول أوروبية، فهم سيرسمون مشهداً غاب طويلاً عن الفعل الفلسطيني الشامل والموحد وإن نجح ذلك سيسجل للشباب الفلسطيني أنهم أعادوا بقوة الإرادة بوصلة فلسطين التي انحرفت لسنوات عن وجهتها وسيكتب لهم التاريخ أنهم يستحقون بجدارة لقب القادة .

ويستخف الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم باستبعاد الحركتين أن تطالهما رياح التغيير، وأن سلطتيهما مختلفتان، وليس هناك ذات المقومات التي دفعت للثورة في البلدان العربية، إلا أن أحداً لا يستطيع التنبؤ متى وكيف ستدفع الفاتورة، وتقديم كشف حساب للفلسطينيين، لذلك على قادة الحركتين أن يصلحوا قبل أن يرحلوا .

نحن مختلفون، فنحن شعب محتل، ومحاصر والاحتلال مستمر في ممارسته من القتل والاعتقالات والاستيطان والتهويد للقدس والضفة، ويتنكر لحقوقنا، ويحاصر قطاع غزة وعدوانه مستمر، ومع ذلك نوهم أنفسنا بتأسيس نظام، لكنه في الحقيقة نظام يشبه الأنظمة العربية القمعية والتسلطية والديكتاتورية .

أصلحوا قبل أن ترحلوا . عليكم اتخاذ قرارات جريئة بإنهاء الانقسام، والعودة للناس واحترام خياراتهم والإصغاء إليهم، وعليكم أن لا تعتمدوا على الحلول الأمنية، والحكم بعقلية القبيلة والتنظيم، اعملوا بشكل سريع لتعزيز الوحدة الوطنية وإعادة الاعتبار لقضايا الناس وهمومهم، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير وإعادة بنائها على أسس وطنية يشارك فيها الكل الفلسطيني .


نقلا عن الخليج