مشاهدة النسخة كاملة : بوادر الثورة العربية في فرنسا (فيصل جلول)


أبو فاطمة
03-02-2011, 09:34 AM
بوادر الثورة العربية في فرنسا (فيصل جلول)

امتدت تداعيات الثورة العربية إلى باريس، حيث بادر الرئيس نيكولا ساركوزي الى إجراء تعديل وزاري أطاح بوزيرة الخارجية ميشال اليو ماري ووزير الداخلية بريس هورت فو . وإذا كان إقصاء اليو ماري كان متوقعاً بسبب أدائها السيئ في مواكبة التطورات التونسية وعرضها تقديم مساعدة أمنية لقمع المتظاهرين قبل أيام من سقوط بن علي ناهيك عن اصطحاب والديها المسنين في خضم الأزمة إلى تونس لعقد صفقة عقارية مع رجل أعمال مقرب من الرئيس المخلوع وبطائرته الخاصة . إذا كان ذلك كله يفوق قدرة الإليزيه على التحمل وبالتالي يبرر إقالة الوزيرة المذكورة، فإن التخلي عن وزير الداخلية ربما تم بسبب شهرته السيئة في مجال العداء للعرب وبخاصة شبان الضواحي، أضف إلى ذلك أن وزير الخارجية الجديد آلان جوبيه الذي يتمتع بشخصية قوية وبالتالي لا يطيق شراكة في إدارة وزارته من طرف كلود غيان المقرب جداً من ساركوزي والذي تعوّد على إدارة وزارة الخارجية من قصر الإليزيه فكان أن رفض جوبيه هذا الشريك، واشترط أن يكون وزيراً كامل الصلاحيات، الأمر الذي حمل الرئيس الفرنسي على تعيين غيان وزيراً للداخلية ونقل هورت فو إلى فريق المستشارين في الإليزيه .
بيد أن تداعيات الثورة العربية لم تقتصر على التعديل الوزاري الفرنسي الذي أعلن عنه ساركوزي شخصياً في خطوة نادرة في تقاليد الرئاسة، بل امتدت أيضاً الى رسم وجهة جديدة في التعاطي مع التطورات العربية يمكن تلخيصها في الخطوط التالية:
أولاً: إعادة تأسيس الاتحاد المتوسطي على قواعد جديدة تأخذ في الاعتبار الثورة العربية المستمرة التي تحمل معها قوى عربية جديدة لم تكتمل كل ملامحها بعد .
ثانياً: دعوة الاتحاد الاوروبي الى اعتماد سياسة موحدة مما يدور في العالم العربي وبخاصة التصدي لاحتمالات تدفق المهاجرين الى أوروبا بطريقة مفاجئة، وبكميات كبيرة، وبخاصة أولئك الذين غادروا ليبيا وبعضهم يفكر بالتوجه إلى إيطاليا التي دقت ناقوس الخطر وشكت من محدودية التضامن الأوروبي معها .
ثالثاً: الترحيب البارد بالموجة الديمقراطية العربية واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة القيم التي يدافع عنها الغرب .
رابعاً: احترام سيادة الدول المعنية من دون أن يعني ذلك عدم الاكتراث بانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية التي تقع في أراضيها .
يتقاطع التعديل الوزاري الفرنسي في الحقائب والوجهة السياسية الجديدة مع أسابيع طويلة من الغموض الارتباك والارتجال والتردد في التعاطي مع الانتفاضات العربية التي سقط بنتيجتها قادة كانوا من بين أكثر حلفاء الغرب إخلاصاً .
ويصعب التكهن بمدى فعالية التعديل المعتمدة، ذلك أن التطورات العربية مازالت مستمرة وقد تنطوي على مفاجآت غير متوقعة وغير مستحبة من طرف الأوروبيين المرتبكين الذين يعملون في إطار كل دولة على حدة في حين قد لا يجرؤ أحد على الانخراط في الورشة المتوسطية في وقت مازالت الخارطة السياسية في المتوسط قيد الإعداد .
ومع ذلك لا يخلو التعديل الوزاري الفرنسي من عناصر قوة أكيدة، فالوزير الجديد طالب لتوه العقيد القذافي بالتنحي وهو يتمتع بخبرة واسعة في الشؤون الخارجية، ويحظى باحترام كبير في وزارة يحتفظ بذكريات إيجابية لدى طاقمها، هذا فضلاً عن معرفته الوافية بالعالم العربي .
ما من شك ان الرئيس ساركوزي سيكون أكثر اطمئناناً اليوم إلى جوبيه لدوره الوشيك على رأس قمة العشرين التي سيكون العالم العربي على جدول أعمالها، مع التنويه بأن هذا البند قد لا يثير حماسة الأعضاء الذين لطالما اطمأنوا للتعاطي مع الديكتاتوريات العربية، وباتوا مكرهين على طي الصفحة والتعبير عن سعادة مصطنعة بديمقراطية العرب الجديدة التي تحمل قادة يعبؤون أولاً وأخيراً بشعوبهم .

نقلا عن دار الخليج