مشاهدة النسخة كاملة : خطط إصلاح أحوال الأمة (عاطف الغمري)


أبو فاطمة
03-02-2011, 09:08 AM
خطط إصلاح أحوال الأمة (عاطف الغمري)

كنا خارج التاريخ، مقطوعي الصلة بالزمن، جرى تجفيف منابع التفكير السياسي الخالص في مصر، لتدور حركة العملية السياسية حول شيء يخص عقل الحاكم، وقد انشغل هو به . وانفصلت الدولة عن عالم من حولها يفكر ويقرر ويتصرف بطرق تراها الدولة هنا عن بعد، لكنها لا تلقي لها بالاً .
إن أقرب تعريف للسياسة، هو أن الصفة المميزة لها هي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والهدف النهائي لها هو تحقيق إنسانية الاثنين، وليس جور إنسانية أحدهما على حساب الآخر، ووجوده وقدرته ودوره، وإذا لم يتحقق ذلك، فإن ما هو موجود ليس بسياسة، ولا ما تجري في إطاره هو دولة، بل حالة أخرى مستثناة مما يجري في دول تضمن لها ممارسات الحكم عافيتها السياسية، وصلاح مجتمعها، وتقدمها وأمانها، ولهذا كانت الممارسات في مصر، في الثلاثين سنة الأخيرة خاصة، تتم خارج حركة الزمن، فالعالم يخطو إلى الأمام، ونحن ندور حول أنفسنا، لا نبرح مكاننا، والنظام جاذب بقوة لطوابير النفاق، طارد لأكفأ وأخلص أبناء البلد، وكان ما نراه اليوم من انقلاب المنافقين على مواقفهم المعروفة، لأن النفاق عندهم صار عقيدة وسلوكاً وممارسة ميكانيكية .
كان العالم يتغير بإيقاع سرعة عصر ثورة المعلومات، الذي اختصر الزمن والمسافات، بينما خطاب الحكم والحزب يحدثنا عن حكمة التدرج وعدم التسرع .
حتى إن العقل السياسي للنظام الحاكم وقياداته الحزبية، قد أصابه الصدأ، وعجز عن فهم خصائص الشخصية القومية للمصريين، حيث تصور أن التضييق على الأحزاب، وقطع تواصلها مع الناس، والحجر على أي نشاط سياسي، سوف يحكم قبضته إلى الأبد على وعي الشعب، ولو أنهم قرأوا التاريخ بوعي وبصيرة، لعرفوا أن في تاريخ المصريين شيء اسمه روح الجماعة، وهي التي تتجسد في لحظة ما، في صورة تحرك مجتمعي هادر من دون قائد فرد يحرك الأحداث، ويصنع التحولات التاريخية الكبرى .
روح الجماعة التي تقود بلا قائد مركزي هي التي صنعت ثورة ،1919 في تحرك غريزي في جميع أرجاء مصر، وفي وقت واحد، وهي التي أطلقت طاقة الشعور الوطني في مدن وقرى مصر عام ،1935 للمطالبة بإلغاء دستور ،1930 وإعادة دستور ،1923 وفرضت إرادتها على الدولة .
وفي الحالتين (1919 و1935)، كانت هناك قيادة جماعية تنشأ ذاتياً من قلب كل تحرك لا مركزي، تنظم وتنسق، وهو نفس ما حدث في ثورة الشباب في 25 يناير/كانون الثاني ،2011 حيث كانت هناك مجموعة تنظم وتنسق، وهو ما فعلته في مرحلة الإعداد للانتفاضة التي تحولت إلى ثورة، عندما جذبت إليها المصريين بمختلف فئاتهم وطبقاتهم .
وكان سقوط النظام مدوياً، لأن خطابه الذي يتحدث به إلى الناس قد انفصل تماماً عن خطاب الشارع، وراح يمشي وحده، وإن تصور وهماً أن هناك شعباً يسير وراءه، وهو لم يكن صحيحاً .
والآن، وبعد أن استردت مصر وعيها، بثورة 25 يناير/كانون الثاني، والتي حلقت بالأماني الوطنية إلى آفاق عالية، وبعد أن خرجت الجماهير في جميع أرجاء مصر تصنع ثورة جماهيرية، محددة المطالب والأهداف، فإن الصعود بمصر إلى مكانة تليق بها ضمن ما أصبح يسمى بالدول الصاعدة، صار مهمة أولى وأساسية، في إطار عملية الإصلاح السياسي والدستوري .
لقد استقر العالم خلال العشرين سنة الأخيرة على أن الأمن القومي الاقتصادي، يتساوى الآن في الأهمية مع بقية المكونات التقليدية للأمن القومي للدولة، وأن القدرة الاقتصادية التنافسية قد صعدت إلى قمة مكونات الأمن القومي، وتأكد ذلك من اكتساب الدول الصاعدة اقتصادياً في آسيا، وأمريكا اللاتينية مكانة إقليمية دولية، نتيجة نجاح خططها للتنمية الاقتصادية، وبمواصفات القرن الحادي والعشرين، وهو ما تحتاجه مصر الآن .
لكن كيف يتم ذلك؟البداية تنطلق من صياغة رؤية استراتيجية محددة الملامح، تبلور هوية الدولة، وتحدد الهدف الذي تريد بلوغه، وتضع آليات تضمن تحرك جميع قوى الدولة، في تناسق محسوب، وحصر ما لدى الدولة من موارد ماهو مستغل منها، وما هو معطل، وتضع مقاييس اختيار العناصر البشرية التي تقود التنفيذ، واستيعاب ذلك كله في إطار خطة قائمة على دراسات متعمقة ومفصلة .
ولابد أن تدعم هذه الخطوة الاستفادة من تجارب دول حققت النجاح، الذي نقلها في سنوات قليلة من دول محدودة القدرات، إلى مصاف الدول التي تتنافس مع أكثر الدول تقدماً في العالم .
لقد عقدت الكثير من المؤتمرات والندوات، وصدرت عشرات الكتب في السنوات القليلة الماضية في أمريكا وأوروبا وآسيا، تشرح وتحلل تفاصيل التجارب الناجحة، والتي أنجزت التقدم الاقتصادي، ليس بمعدلات عالية للتنمية فقط، بل بحرص بالغ على عدالة توزيع عائد التنمية، بما يزيح عن الطبقات الفقيرة شظف العيش .
وبالطبع توجد في مصر شخصيات عكفت خلال السنوات الماضية على هذه القضية، ولديها دراسات جاهزة، لكيفية خلق كيانات اقتصادية مزدهرة صناعياً وزراعياً، يمكن الاستفادة منها فوراً .
إن أي بناء لابد له من أساس يقام فوقه، ولذلك يكون من الضروري إنشاء مجلس أو تجمع من كبار المفكرين والخبراء والعلماء المختصين بشؤون: الأمن القومي والاستراتيجية وعلماء الاقتصاد والاجتماع والأدب وعلم النفس السياسي، ورجال أعمال، يلتقون في إطار منظومة مشروع قومي لنهضة مصر، ويتوزعون على مجموعات عمل تتناول كل منها موضوعاً محدداً، منها التعليم والصحة والأبحاث العلمية والعلاقات الدولية والدور الإقليمي وسلامة العملية السياسية، وفق المعايير الديمقراطية وكفاءة الحكومة، ودور القوة الناعمة من مسرح وسينما وموسيقا وفنون ونشر الكتاب .
وأن يؤخذ في الاعتبار أن نهضة الدولة حتى لو تصدرت التنمية الاقتصادية الأولويات، لابد أن تتماشى مع المفاهيم المتغيرة للأمن القومي والأمن العالمي، وأن الثقافة بجميع مكوناتها، تقف في هذا العصر، على الخط الأمامي لدفاعات الدولة .

نقلا عن دار الخليج