مشاهدة النسخة كاملة : الموت فوق صهوة الجواد ( عصام فؤاد)


أبو فاطمة
02-28-2011, 06:31 PM
الموت فوق صهوة الجواد ( عصام فؤاد)

http://img222.imageshack.us/img222/7633/ikh9.jpg

نجم الدين أربكان

بعد نحو ستين عامًا قضاها في مناهضة قواعد العلمانية المتشددة التي أرساها كمال أتاتورك بتركيا منذ أواسط عشرينيات القرن العشرين، تُوفي عميد إسلاميي تركيا والزعيم السياسي البروفيسور نجم الدين أربكان، صباح أمس الأحد السابع والعشرين من فبراير 2011م، عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عامًا.
وُلد أربكان 29 أكتوبر 1926م بمدينة سينوب التركية، في أقصى الشمال على ساحل البحر الأسود، ويرجع أصله للأمراء السلاجقة المعروفين في تاريخ تركيا باسم "بني أجوللري"، وكان جده آخر وزراء ماليتهم، ومقربًا من السلطان عبد الحميد الثاني، وكان والده مدرسًا للشريعة والقانون، بينما كانت أسرة أربكان تلقب بـ"ناظر زاده"، أي ابن الوزير.
وأنهى دراسته الثانوية في عام 1943م؛ ليلتحق بجامعة الهندسة في إسطنبول، ويتخرج أول دفعة كلية الهندسة الميكانيكية عام 1948م، ليتم تعيينه معيدًا بالكلية ذاتها، ويحصل على بعثة دراسية إلى ألمانيا عام 1951م؛ فحصل على الدكتوراه من جامعة أخن الألمانية في هندسة المحركات عام 1956م، وعمل أثناء دراسته بألمانيا رئيسًا لمهندسي الأبحاث في مصنع محركات، ليتوصل إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكلِّ أنواع الوقود.
وعاد نجم الدين أربكان بعد فترة دراسة أذهل فيها كبار المتخصصين الألمان في صناعة المحركات، ورفض كلَّ محاولات إبقائه في ألمانيا، وعاد إلى جامعة إسطنبول، ليحصل على درجة أستاذ مساعد نظرًا لنبوغه، وهو بعد لم يتجاوز 27 عامًا، فكان أصغر أستاذ مساعد تعرفه تركيا، ثم أستاذًا في اختصاص المحركات، بينما لم يكن قد تجاوز التاسعة والعشرين من العمر.
المحرك الفضي
ووضع حجر الأساس للصناعة القومية التركية حين أسس مصنع "المحرك الفضي" هو ونحو ثلاثمائة من زملائه، لتصنيع محركات الديزل، وبدأ إنتاجه الفعلي عام 1960م، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن، وتنتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويًّا، وتمكن هو و22 مهندسًا من زملائه من صناعة أول أوتوموبيل قومي.
النقشبندية
وكان أربكان قد عرف طريقه مبكرًا إلى الالتزام والتدين بعكس ما كان يصبغ تركيا حينها من مظاهر الانحلال والتغريب، وتعرف على الطريقة النقشبندية وشيخها محمد زاهد كوتكو؛ ما أعانه على الاستقامة دينيًّا من ناحية، ودعم نشاطه السياسي الذي بدأه عقب تخرُّجه في كلية الهندسة، من ناحية أخرى، خاصةً مع التضييق عليه ومنعه من المشاركة في الحكومات المختلفة؛ بسبب نشاطه المعادي للعلمانية.
ولم يسلم الرجل من حرب العلمانية المثارة ضده إعلاميًّا وسياسيًّا، خاصةً مع إشهاره مرجعيته الإسلامية، والاستفادة من المناصب التجارية والاقتصادية التي تولاها في تركيا خلال عقد الستينيات، وكونه أحد أعمدة الاقتصاد التركي لتقوية الاقتصاد القومي، ما كان يعلي نجمه كرمز إسلامي، الأمر الذي واجهته الصحف العلمانية بهجومٍ واسعٍ ضدَّه، فقالت مجلة (آنت) في يونيو 1969م "هناك صراع واضح هذه الأيام بعالم التجارة الصناعة بين فئة الرفاق الماسونيين الذين يعملون بحماية رئيس الوزراء سليمان ديميريل؛ وفئة الإخوان المسلمين الذين يعملون برئاسة نجم الدين أربكان"، على حد تعبيرها.
الخلاص الوطني
وانتخبت مدينة قونية المتدينة- التي كانت معقلاً إسلاميًّا على امتداد تاريخ تركيا الإسلامي- أربكان ممثلاً لها في مجلس النواب التركي، واستطاع النائب ورئيس اتحاد النقابات التجارية استثمار تلك العلاقات الواسعة في الأوساط الإسلامية، وتوحيد عدد منها لإنشاء أول تنظيم سياسي ذي هوية إسلامية منذ سقوط الخلافة العثمانية على يد أتاتورك عام 1924م، وهو حزب النظام الوطني الذي تأسس عام 1970م بدعم من تحالف الطريقة النقشبندية مع الحركة النورسية، وكان الحزب أول ضربة حقيقية في وجه قوى العلمانية.
وعرفت بعض المراجع حزبه باسم "الخلاص الوطني"، وأعلن أربكان هوية الحزب بوضوح، حين قال "إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يُخربوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والتجارة بأيديهم، والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان؛ فليس أمامنا إلا العمل معًا يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا؛ حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، ونصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقًا.."، وهي الكلمات التي كانت بمثابة إلقاء حجر كبير في البركة الراكدة.
لم يصمد حزبه سوى 9 أشهر حتى تمَّ حله بقرار قضائي من محكمة أمن الدولة العليا، بعد إنذار من قائد الجيش محسن باتور، ليصدر الحكم بالحل في دعوى حكومية ضد الحزب، مع قرار بمصادرة أمواله وممتلكاته، بدعوى انتهاكه الدستور العلماني، والعمل على إلغاء العلمانية، وإقامة حكومة إسلامية في تركيا، والعمل ضد مبادئ أتاتورك.
وقررت المحكمة منع أي عضو في الحزب من العمل في حزب آخر، أو تأسيس حزب آخر، أو ترشيح نفسه للانتخابات ولو بشكل مستقل، وذلك طيلة 5 سنوات؛ ما دفع البروفيسور أربكان إلى مغادرة تركيا أواخر سنة 1970م، قبل أن يعود بدعم من التحالف القديم لتأسيس حزب السلامة الوطني عام 1972م، بأسماء بعض الإسلاميين ممن لا ينطبق عليهم حكم المحكمة، وأصدر صحيفته الرسمية (مللي غازيته) التي ما زالت تصدر إلى اليوم.
نائب رئيس الوزراء
وفي عام 1973م صدر عفو عام عن الجرائم السياسية، فشمل ذلك الحكم نجم الدين أربكان، ما أهَّله لقيادة حزب "السلامة الوطني" وخوض الانتخابات، ليفوز الحزب بـ48 مقعدًا، كانت كافية له ليشارك في مطلع عام 1974م في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ليرعى المبادئ العلمانية، مستفيدًا من خلاف الأخير مع حزب العدالة شريكه القديم في الوزارة.
وحصل حزب السلامة على 7 وزارات مهمة، منها الداخلية والعدل والتجارة والجمارك والزراعة والصناعة والتموين ووزارة دولة، وتقلد أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، وحقق مكاسب كبيرة لتيار الإسلام السياسي، وقدَّم مشروع قرار للبرلمان بتحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها، وأسهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي، وأظهر أكثر من موقفٍ مؤيدٍ صراحة للشعب الفلسطيني ومعادٍ للصهاينة، ونجح في حجب الثقة عن وزير الخارجية آنذاك خير الدين أركمان؛ بسبب سياسته المؤيدة للكيان.
ومع الضغط العلماني اضطرت الحكومة الائتلافية إلى الاستقالة بعد 9 أشهر من تشكيلها، قبل أن يعود الحزب للحكومة من جديد بالعدد نفسه من الوزراء ومقاعدهم في الحكومة السابقة، في ائتلاف مع حزب العدالة التركي بزعامة سليمان ديميريل.
وسجل أربكان- خلال تلك الفترة- واحدة من أبرز الخطوات التي اتخذها في حياته السياسية؛ في قراره عام 1974م، الدفع باتجاه اجتياح القوات التركية للثلث الشمالي من جزيرة قبرص، للقيام بدور مكافئ للنفوذ اليوناني في الجزيرة، إثر قيام المجلس اليوناني الحاكم فيها بانقلاب، وقد أُتيح لأربكان ذلك بموجب صلاحياته في ظلِّ غياب رئيس الوزراء في الخارج.
وأعدَّ العلمانيون والقوميون الأتراك للانتخابات التي جرت عام 1977م، فانحسر عدد مقاعد الإسلاميين بمجلس النواب التركي إلى 24 نائبًا فقط، وحتى بعد خروجه من الحكومة قدَّم حزب أربكان مشروع قانون إلى مجلس النواب في صيف عام 1980م يدعو إلى قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، ونجح أربكان في السادس من سبتمبر 1980م في تنظيم مظاهرة باسم حزب السلامة الوطني، في مدينة قونية التركية، شارك فيها أكثر من نصف مليون تركي، بمناسبة يوم القدس العالمي؛ للتنديد بالاحتلال الصهيوني.
حبيس الانقلاب
وبعد ذلك بيوم واحد فقط؛ كانت الإذاعة التركية تعلن عن انقلاب عسكري بزعامة الجنرال كنعان إيفرين، بدعوى وقف المد الإسلامي، و"روح التعصب الإسلامي الذي ظهر في مظاهرة قونية"، واقتاد جنرالات الانقلاب أربكان وعددًا من رجاله إلى السجن بتهم متعددة؛ من بينها العمل على استبدال مبادئ تقوم على أساس الإسلام بقوانين الدولة العلمانية، وهو ما كان كافيًا لأن يحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات أخرجته من الحلبة السياسية التي أصبح العسكر يمسكون بها مباشرة.
وبعد ثلاث سنوات خرج نجم الدين أربكان "أبو السبعة أرواح" كما يلقبه الأتراك، لكثرة ما دخل من محاكم وسجون وخرج منها، واستغل التعديلات الدستورية في تأسيس حزب "الرفاه الوطني" عام 1983م، وواجه الحزب سلسلة من مذكرات الاتهام والادعاء من قِبَل عددٍ من المحاكم التركية، إلا أنه شارك في انتخابات نفس العام لكنه لم يحصل سوى على 1.5% من الأصوات، وبعدها استطاع في انتخابات عام 1996م الحصول على 185 مقعدًا، ليصبح الحزب الأكبر في البرلمان التركي.
رئاسة الحكومة
وشكَّل أربكان حكومته بالتآلف مع حزب "الطريق القويم" الذي كانت تقوده تانسو تشيلر، وكما هو متوقع تنامت حالة التوتر بين حكومة أربكان الأولى من نوعها في تركيا منذ عهد أتاتورك وجنرالات الجيش التركي؛ الذي يُنظر إليه على أساس أنه حامي مبادئ الجمهورية العلمانية.
وفيما أكد أربكان حرصه على عدم المساس بالنظام العلماني، سعى إلى الانفتاح بقوة على العالم الإسلامي، وبدأ ولايته بزيارة إلى كلٍّ من ليبيا وإيران، وأعلن عن تشكيل مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنجلاديش وماليزيا.
وتوالت الهجمات الصحفية والإعلامية ضدَّه؛ ما واجهه أربكان بالتحدي، فأكد عزم حكومته بناء مسجد ضخم في ميدان تقسيم بإسطنبول؛ حيث ينتصب أكبر تمثال لأتاتورك، فضلاً عن تشييد مسجد آخر في أنقرة في منطقة شانكايا التي تحتضن مقار مؤسسات الجمهورية العلمانية الرسمية.
وتواصل ضغط الجنرالات ساعين إلى انقلاب من نوعٍ جديدٍ، وحاصروا أربكان بقيود السلطة التي تحرسها حراب العسكر، وتطوقها مؤسسات علمانية متأهبة، وآلة إعلامية مهيمنة على الرأي العام المحلي، فانقسم الائتلاف مع حزب الطريق القويم بزعامة تشيلر، وقدمت الحكومة استقالتها في يونيو 1997م قبل وقع انقلاب فعلي للعسكر.
وبعد ذلك ببضعة أشهر تقدَّم المدعي العام بدعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية، مطالبًا بحل حزب الرفاه أيضًا بتهمة العمل على تغيير النظام العلماني في تركيا، وصدر الحكم في 1998م بحل "الرفاه"، ومنع زعيمه أربكان وعدد من رجاله من العمل السياسي لمدة خمس سنوات.
7 أرواح
ولم تفتّ ضربات العلمانية في عضد أربكان فأسس حزبًا جديدًا باسم الفضيلة بزعامة أحد معاونيه إسماعيل ألب تكين الذي تخلى عن زعامة الحزب؛ لإفساح المجال أمام انتخاب رجائي قوطان رئيسًا للحزب في المؤتمر الطارئ للحزب الذي انعقد عام 1998م.
وفي يوليو 2000م، صدر حكم بالسجن لمدة عام لأربكان، بتهمة التحريض على "الكراهية الدينية والعرقية"، وحرمانه من العمل السياسي مدى الحياة، واستندت المحكمة في حكمها إلى خطاب قديم كان أربكان قد ألقاه في مهرجان انتخابي في عام 1994م.
وفي اليوم التالي، أصدرت المحكمة الدستورية في أنقرة هي الأخرى قرارًا بحرمان أربكان من العمل السياسي مدى الحياة، فيما تعرض حزب الفضيلة للحظر عام 2000م، وتمَّت محاكمة زعيم الحزب بتهمة "معاداة العلمانية"، إلى أن تم حله في عام 2001م بقرار من المحكمة الدستورية.
ومن جديد يدفع أربكان لتأسيس حزب "السعادة" بزعامة رجائي قوطان، وحينها تأسس حزب "العدالة والتنمية" بزعامة تلميذه رجب طيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول، ولم يسلم أربكان من خصومه مجددًا ليُحاكم في سنة 2003م بتهمة اختلاس أموال من حزب الرفاه المنحل، وحكم على الرجل بسنتين سجنًا، وكان يبلغ من العمر وقتها 77 عامًا.
تلاميذ أربكان
وفي انتخابات عام 2002م، اكتسح حزب العدالة والتنمية الانتخابات، وحصل على 363 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا هي مقاعد المجلس النيابي، فيما أخفق حزب "السعادة" في الدخول إلى البرلمان حينما لم يتمكن من الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين، ما فتح باب التجربة أمام قطاع من "تلاميذ أربكان".
ولم يتوقف البروفيسور نجم الدين لحظة واحدة عن جهاده إلى أن وافته المنية، ولم يؤخره حتى المرض عن الدعوة إلى راية الحق والإسلام، والتنظير لفكر للحركات الإسلامية وبناء فكرها وتربية كوادرها وأبنائها.
وفي لقاء تليفزيوني سأل المذيع أربكان عن سرِّ تركه مجال نبوغه العلمي إلى السياسة، فرد قائلاً: لقد وفقني الله لخدمات كثيرة علمية قدمتها لبلادي والعالم كله، ثم هداني إلى طريق أكثر خيرية بالعمل والجهاد السياسي لخدمة أمتي كلها؛ لأنه من الممكن أن يكون أي شخص دكتورًا في الجامعة بل ويحصل على جائزة نوبل؛ لكنه يعيش في ضنك وسفالة وقلة أخلاق، فماذا تنفع جوائزه؟ لذا يبقى الأكثر فائدة هو العمل والجهاد الحقيقي لخدمة الأمة والبلاد كلها.

نقلا عن إخوان أون لاين