مشاهدة النسخة كاملة : إذا نودي للثورة من يوم الجمعة (وائل أبو هلال)


أبو فاطمة
02-27-2011, 06:30 PM
إذا نودي للثورة من يوم الجمعة (وائل أبو هلال)

كثيرا ما تساءلت مستنكراً – وكثيرون غيري – كيف لأمة كُرّمت بصلاة الجمعة، تجتمع فيها فرضاً – كل أسبوع على مدار الزمن - لا تستطيع أن تقود العالم عوضا أن تقود ذاتها؟!
وكم كنت – وما زلت - أحنق على أولئك "الخطباء" الذين أوتوا نعمة توجيه الأمة – كل الأمة ذكراً وأنثى، عالماً ومتعلماً وجاهلاً، كبيراً وصغيراً، غنياً وفقيراً، عاملاً وفلاّحاً، وزيرا ورئيساً .. – فلا يستثمرون هذه النعمة في قيادة الأمة نحو المعالي من القيم والأخلاق والرقي والتقدّم. بل إنّ الناس يجتمعون لهم – فرضاً لازماً – يتعبّدون الله طوعاً "بحسن" الاستماع لهم والتنافس تقرّبا لله في الاقتراب منهم؛ بينما هم يجلدون هؤلاء "المؤمنين" الذين "سعوا إلى ذكر الله" بمواعظ عن فرضية الصلاة والصيام ووجوب صلاة الجمعة (على مصلي الجمعة!!)، والحض ّ على تمام الاستنجاء وشروط الطهارة من "الدورة الشهرية"!، وقد (يبالغ) أحدهم بالاهتمام "بالشأن العام" للأمة فيخطبنا (بالخاء والحاء معا) عن أهمية أسبوع المرور أو وجوب طاعة وليّ المر وعدم الخروج في مظاهرات (تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر) لأنّ في ذلك فتنة، (والفتنة أشدّ من القتل طبعاً)، وما درى أنّه والله هو الفتنة!
وكثيراً ما مرّت مناسبات عظيمة على الأمة – هزيمة أو نصراً – فاجهّز نفسي ذلك الأسبوع لعلي "أستمع" لشيء مختلف هذه المرة؛ فالأمة في كرب! ودماء المسلمين تسيل؛ فلعل خطيبنا يحرّض المؤمنين اليوم – لا على القتال (معاذ الله!) – على الدعاء أن يفرّج الله عن المسلمين! إلا أنّ خطيبنا الذي يعتلي منبر رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – يتحدّث في واد والناس في واد آخر، وكأنّه قادم من كوكب آخر!
ويحهم! ماذا سيجيبون الله إذ يسألهم عن عمرهم وعملهم وعلمهم فيم أفنوه ؟!
لكنّ نعم الله علينا عظيمة؛ فلم يقبضنا قبل أن تقرّ أعيننا "بجمعة" نسعى فيها "لذكر الله " حقيقة! وأسأل الله أن يعوّض خيراً من مات قبل أن يحظى بهذه النعمة، ولاشك عندي بعدل الله أنه معوّضه! إنّها والله من تمام النعم على العبد أن يمدّ الله في عمره فيعيش هذه الأيام المباركة التي هي "من أيام الله" بلا شك! فبتنا ننتظر "الجمعة" العظيمة لهفة وشوقاً؛ فلعلها تكون جمعة "الغضب" أو "التحرير" أو "الخلاص" أو "الحشود" أو "الشهداء" أو "الثورة" ...
يا ألله ما أكرمك! إذ أحييتنا في ظلال هذه الثورات العربية المباركة، فاكتحلت عيوننا و"شفت صدورنا" بالمشهد المهيب لجموع المصلين "يسعون لذكر الله" كما أراد الله هذه المرة، لا كما أرادت وزارات أوقاف الطغاة وخطباؤها. ويزيد الموقف روعةً وجمالاً وبهاءً ورونقاً تلك الخطب التي تتناغم مع نبض المصلين، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بحالهم وصفاً وتوجيهاً وتحريضاً على خير الثورة.
ليس هذا فقط؛ بل إنّ صورة الصلاة– بمئات الألوف المنتظمة بصفوف تُباهى بها الملائكة – أصبحت الشعار "الصوري" للثورة! والرمز الثوري "للجمعة"! فإن قيلت الثورة قفز للذهن مباشرة تلك الصورة الرمز! وأصبح العالم – كل العالم – ينتظر الجمعة ليرى ما سيحدث؟ ماذا سيفعل "الشباب" هذه الجمعة؟ ما هي مطالبهم؟ ترى أيّ زعيم سيسقط هذه الجمعة؟! ويتساءل النّاس بفرح وحماس: هل استمعت لخطبة ميدان التحرير في القاهرة؟ هل استمعت لخطبة بنغازي؟ هل رأيت المصلين في صنعاء وعدن وتعز وعمّان والمنامة ودرنة والاسكندرية والسويس وتونس ونواكشوط ... هل استمعت لما يقوله الخطباء؟ وكل المصلين خطباء! لم تعد تنام في الخطبة! بل أصبحنا نحفظ ما قيل في كل ميدان! وأصبح "أهل الميادين" يتلقون توجيهاتم من منابر الجمعة! وأصبحنا نرى الأمة تنتظر توجيهاتها من أهل "الميادين".
يا ألله ما أكرمك!
لم تكن أحلامنا ترقى لأكثر من خطبة تدعو لخلاص الأقصى من الصهاينة! بينما نعيش هذه الأيام لنرى ونسمع القرَضاوي – عزّ بن عبد السلام هذا العصر – يخطب ويؤمّ الملايين "الذين سعوا" لميدان التحرير، "يحرّضهم" بل يحرّض الأمة كل الأمة من خلالهم للثورة على الظلم والطغيان والفجور والاحتلال والقهر والعدوان والفساد ... ويبث فيهم كل معاني وقيم العزة والكرامة والعدل والحرية والثورة والمقاومة والجهاد!
وعشنا لنرى "الغنّوشي" الطريد الشريد في عواصم الغرب يخطب في تونس الخضراء، ونرى ذلك الشيخ الليبي يذكرنا بصورة "عمر المختار" في بنغازي، والزنداني في صنعاء، ... و
كلّهم "يحرّضون" على "الثورة". بل كلّهم في غمرة ثوراتهم الوطنية لا ينسون الدعاء لفلسطين، نعم يدعون لفلسطين وأهلها ولا يخافون!
من كان يتخيل ذلك يحدث؟ من كان يظنّ ذلك آت؟ لكنّه أتى وحدث!
"مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" الحج،15
كان أقصى أملنا وأحسن ظنّنا "
نصر الآخرة"! لكنّ الله منّ علينا بأن نحيا نصر الدنيا!
يا ألله ما أكرمك!
إنّها الثورة! الثورة التي أعادت للجمعة بريقها! أو إنّها الجمعة التي أشعلت الثورة! او إن شئت فقل إنّها جمعة الثورة إن كنت من أهل الجمعة"! أو لعلك تفضل ثورة الجمعة إن كنت "ثورياً"! لا فرق! فكلنا ثوريون! وكلنا – إن صح – "جُمعيون"!
ألم نعد نسمع مصطلح "قدّاس الجمعة"؟!
إنّها الرسالة الحضارية التي ترسلها للعالم صورة صلاة الجمعة للملايين الثائرة في "ميادين التحرير" بآلاف الشعارات، ثم لا تلبث – بكلمة واحدة من "الخطيب": استووا! - أن تصطف، فتتوحد صفوفها لا ترى عوجاً ولا أمتاً، وتوحد صوتها فلا تسمع همساً!
إنّها الرسالة التي تقول: آن للعالم أن تتغيّر نظرته لنا، بل آن لنا أن نغيّر صورتنا لدى العالم، حينما يرانا نثور على الظلم والظُلاًم، ونرفض الطغاة والطغيان. ونواجه جمال وبغال وخيول عملائهم بكلام وعلم علمائنا وخطبائنا! و"نستوي" بكلمة: (استووا)، و"نثور" بكلمة: (ارحل)!
ترى هل "سيفهم!" العالم هذه الرسالة؟!
هل "سيفهم" العالم أنّا أمّة ما عدنا نقبل وصايته ولا وصاية أوصيائه؟ "فليرحل" كما رحلوا! وليقل لكل البقية من "أوصيائه" أن يرحلوا! لم نعد نطيقهم! هل "سيفهم" العالم أنّنا كما "أسقطنا" الاستعمار "فسنسقط" الاستعمار نفسه! ترى كم "جمعة" سيحتاج العالم ليفهم هذه الرسائل؟!
من حسن حظنا أن في كل أسبوع "جمعة"، ولنا مع كل "جمعة" موعد مع "الثورة"، الثورة التي تقودنا للحرية من الاستعمار وأذناب الاستعمار! "الثورة" التي تقودنا لنرتقي سلّم الحضارة الذي نزلنا عنه يوم نسينا أنّ لدينا "جمعة"! فهل يتذكر خطباؤنا هذه الحقيقية؟!
قبل الختام: يتندّر "الثوّار" أنّ الحكام أصبحوا يخافون من ثلاث: "الفيسبوك" والجزيرة ويوم الجمعة!
وآخر الكلام: جمعة مباركة!!

نقلا عن المركز الفلسطيني