مشاهدة النسخة كاملة : تركيا والعرب الحراك والمراوحة (محمد نور الدين)


أبو فاطمة
02-27-2011, 10:19 AM
تركيا والعرب الحراك والمراوحة (محمد نور الدين)

حجزت تركيا مكاناً ثابتاً لها في الشرق الأوسط وفي محيطاتها الإقليمية.
على امتداد العقود التي تلت الحرب العالمية الأولى التي انتهت بانفكاك الروابط مع المنطقة، والدخول في سياسة الانكفاء السلبي عن المنطقة، كانت تركيا في مكان آخر من سياساتها وتوجهاتها على مختلف الصعد.
ولم تكتف بذلك، بل أسهمت للأسف في معظم المخططات الغربية و"الإسرائيلية" التي استهدفت تحرر العرب ووحدتهم.
اليوم يتغير الوضع. تركيا تناصر القضية الفلسطينية ولو بالموقف وتحت سقف الشرعية الدولية التي تعترف ب"إسرائيل"، لكنها لم تقدم شيئاً للقضية الفلسطينية ولا تقوم بالضغط على "إسرائيل"، بل وصلت الوقاحة الأمريكية إلى درجة التفرد باستخدام الفيتو ضد مشروع قرار يدعو إلى تجميد (وليس تفكيك) مشروعات بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تركيا الجديدة تمارس أدوارها بنجاح، وبما يتناسب مع المصالح التركية أولاً وأخيراً، ليس في ذلك انتقاص من الدور التركي ولا من مواقف المسؤولين الأتراك. إنهم يقومون بواجبهم الوطني المنطلق من المصالح التركية الوطنية، وهذه المصالح اقتضت دعوة الرئيس المصري حسني مبارك إلى التنحي، وتذكيره بالمترين المربعين اللذين ينتظرانه في الآخرة ومحاسبة الله.
والمصالح الوطنية التركية اقتضت أيضاً التمهل في اتخاذ موقف معارض ومنتقد لممارسات معمر القذافي الدموية والإبادية ضد الشعب الليبي الأعزل، وقد أعلنها رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان بصراحة أن مواقف تركيا تمليها المصالح الوطنية.
ولا يمكن لوم أردوغان ومسؤوليه على صمتهم تجاه ليبيا، ذلك أن أي تصريح غير مسؤول سوف يثير وحشية القذافي، فيفتك بالرعايا الأتراك في ليبيا وعددهم يجاوز ال 25 ألفاً، كما أن لتركيا مصالح اقتصادية في ليبيا لا تقل عن خمسة مليارات دولار أمريكي.
تركيا تتقدم حيث يجب، وتتراجع حيث تقتضي المصلحة. بتقديرنا نجحت تركيا في تقديم صورة واقعية جداً عن الدولة التي تدير مصالحها بعين العقل، وتمسك بالخيوط من مختلف أطرافها.
لكن الأهم برأينا أن تركيا نجحت منذ بدء عصر الثورات العربية التي لم تنته بعد في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها من الدول العربية، في أن تقدم نفسها على صعيد آخر، وهو صورة النموذج السياسي القادر على تحقيق الاستقرار في المجتمع. وهو الجمع بين النظام الديمقراطي، والحفاظ على هوية إسلامية مرنة ومعتدلة وعلمانية لا تزال تحتاج رغم كل شيء إلى التهذيب.
كان الحديث عن النموذج التركي عاماً في السنوات القليلة الماضية، لكن تخويف الحكام العرب الغرب بأن البديل من الأنظمة الاستبدادية سيكون أنظمة راديكالية إسلامية بقيادة "القاعدة" أو غيرها لم يعد ينطلي على أحد وكان ذريعة للاستمرار في الحكم.
مع كل الأنظار والأقلام التي كتبت عن النموذج التركي كمثال للتطبيق في العالم العربي، كان الأتراك أكثر ذكاء حتى من الإسلاميين العرب.
راشد الغنوشي على سبيل المثال يقول لصحف تركية، إنه يريد النموذج التركي في تونس، في حين أن وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو يقول إن تركيا لا تريد أن تكون نموذجاً للآخرين. كذلك أصاب الكاتب المصري فهمي هويدي عندما قال في حوار مع صحيفة تركية، إن النموذج التركي غير قابل للتطبيق في مصر، لأن لكل دولة ظروفها. وهو ما أكدناه في أكثر من كتابة سابقة ومن "الخليج" بالذات.
من الخطأ جداً أن ينبري الأتراك ويقدموا أنفسهم على أنهم "أساتذة" في مدرسة، يصورون العرب فيها على أنهم مجرد طلاب.
ويجب أن نعترف بأن العرب تأخروا كثيراً في بناء دولتهم الحديثة، وهم لا يملكون حتى اليوم مشروعاً جدّياً لذلك. لذا نرى مثلاً القذافي يذكّر ويهدد بالبنية القبلية لليبيا، متسائلين عما كان يفعل طيلة أربعين عاماً لإقامة دولة حديثة تمحى فيها النزعات القبلية، وهو تساؤل يطال كل المجتمعات العربية.
تركيا تجرّب العلمانية والديمقراطية والبعد الإسلامي وسياسة تعدد الأبعاد وتصفير المشكلات، وتتطلع تارة إلى الاتحاد الأوروبي، وطوراً إلى الحضن المشرقي، وأخرى إلى فرو الدب الروسي، كما إلى شمس إفريقيا الحارة، ولا تمل من البحث عن موقع لها ومكانة ودور في واقعية عالية، فيما نحن العرب نراوح مكاننا ولا نتورع عن التهديد بإبادة شعوبنا من أجل كرسي اهترأت من جلوس نفس "المؤخرة" عليه عقوداً، بل نفتح أبوابنا، إن اضطر بعض حكامنا، للعدو "الإسرائيلي".

نقلا عن المركز الفلسطيني