مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة الثورة ...وسؤال الثقافة \ "دحمود"


ام خديجة
02-25-2011, 07:39 PM
ثقافة الثورة ...وسؤال الثقافة

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__dahmoud_1.jpg

بقلم: محمد محمود ولد الشيخ أحمد "دحمود"

استوقفني كثيرا منظر الشباب والشابات التونسيين وهم ينظفون شوراع العاصمة التونسية بعد نجاح ثورتهم ضد نظام بن علي ورفاقه.. هذا المشهد المؤثر أثار في نفسي إحساسا قويا بأن حقبة جديدة من تاريخ العرب والمسلمين قد ولدت بالفعل، وأن هؤلاء الشباب لم يتركوا للنخب السياسية والفكرية سوى الجلوس على مقاعدهم للتفرج من بعيد وأخذ العبر والدروس استعدادا للعصر الجديد عصر "ايديولوجيا الثورة".

كان معظم الساسة والمفكرين يعتقدون أن المجتمعات العربية سوف تأخذ في طريقها للتحرر ـ بشكل أو بآخرـ نفس الإرهاصات التي أرتبط بأذهانهم أن مجتمعات الغرب مرت بها، حتى أًصبوا غير قابلين للنقاش في أن مجتمعات الغرب هي المنبع الأساس للثورات الحضارية، دون أن يضعوا في عين اعتبارهم الاختلاف الجوهري والتاريخي بين هذه الشعوب وتلك. لكن أيديولوجيا الثورة التي انتشرت بين شباب اليوم سوف تسحق كل تلك التصورات المتراكمة عبر قرون.
فإلى وقت قريب لم يكن في ذهن هؤلاء الساسة أنه يمكن لثورة الاتصال والمعلومة الالكترونية أن تنتقل بالشعوب عبر مراحل كانت فيما سبق تحتاج إلى عقود طويلة من الزمن. وربما يكون أعظم ما في هذه الثورة الهائجة التي انفجرت في عالمنا العربي في كل الاتجاهات والمستويات أنها وضعت كل الأسس النظرية و السياسية والاقتصادية وغيرها.. موضع الشك والتساؤل.

فكأن الساسة ما زالوا لم يستوعبوا بعد، أبعاد هذه الحركات الثورية التي شهدها العالم العربي والتي بدأت تتدحرج من بلد لآخر مثل كرة الثلج. بدون أن يعرف أحد ما هو المحرك الفعلي الكامن وراء انبثاق هذه التحولات التي نراها.


غير أن المدهج أن بعض المحللين مازلوا حتى الآن يكررون مقولات وتحليلات كانت صالحة للقول قبل سنوات لأنهم ما زالوا لم يبتلعوا بعد العقاقير اللازمة لاستيعاب الأحداث والمتغيرات الهائلة التي طرأت على عقول الناس والأحدث سنا منهم على وجه الخصوص.
فهؤلا الشباب الذين يسكنون الآن مدن الانترنت صنعوا نماذج جديدة للتفكير والنقاش مختلفة كل الاختلاف عن النماذج التقليدية.. نماذج تتداول فيها المعلومات بمستوى هائل جدا من السرعة التي لم يكتشف الناس لحد الساعة مداها الحقيقي ، وهم بذلك لم يستطيعوا أن يعلنوا عن ثورة سياسية عارمة فحسب ، ولكنهم استطاعوا أن يخلقوا أيضا وهذا هو الأهم ثورة على الثقافة أو ما يمكن تسميته



"ثقافة الثورة" بمعنى مجموعة المواقف والممارسات والتوجهات والرموز والهيجانات التي تصبح بشكل تلقائي جزء من حياة الناس اليومية وتصبح بالتالي مواقف الناس مرتبطة بهذه "الحزائز" النفسية التحررية أكثر من ارتباطها بالخطط والبرامج النظرية التي مل الناس من تكرارها على مدا عقود ولم تأت بجديد.

وأعتقد أنه ـ وبشكل تلقائي ـ سوف تبدأ كل المؤسسات التي كانت قائمة في عصر ما قبل الثورة في التلاشي إن لم تعد لها صياغة جديدة تتماشى مع أيديولوجيا الثورة التي أصبحت هي الأخرى مرجعية لا شعورية لردود الأفعال على الأوضاع غير المريحة. بمختلف تصنيفاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية..

بمعنى أنه سوف تشكل ثقافة الثورة هذه قاعدة نظرية يتأسس عليها كل نشاط جماعي أو فردي في مجتمعات مابعد بعد الثورة. تماما مثل أي من "المسبقات" الشعورية التي ليست بحاجة إلى تفسير. غير أن التكيف مع هذه الأيديولوجيا الثورية يحتاج لمنظومة متكاملة من القيم التحررية الخاصة. التي يشعر في إطار سيادتها كل إنسان بأن بإمكانه أن يكون كما يريد هو بدون أن يفرض عليه التستر على ملامح شخصيته الحقيقية أو قناعاته الفكرية أو الأيديولوجيه.

لتتحول تدريجيا إلى مجموعة من المنظومات والقيم التي تشكل مرجعا للمراحل اللاحقة قبل أن تتحول في ذهنية الجميع إلى جدار فاصل وقاطع عن ما قبلها من تشرذم سياسي واجتماعي واقتصادي.

وبدون أن يكون هناك أيضا اعتبار لحدود أو طبقات اجتماعية كالتي تخلقها الفوارق الاقتصادية أو المراتب الاجتماعية ذاتها أو التي تحددها الاعتبارات التي كانت سائدة في مجمع ما قبل الثورة. لأن أيديولوجيا الثورة ترسم حدودا ثانية للمجتمع وللفرد وللطبقات بحيث تجعل تلك الحدود السابقة ثانوية وغير مهمة.

وهذا ما نتمناه: أن تأتي الثورة بقيم كان قد زرعها الدين الإسلامي في مجتمعات المسلمين في زمن القرون المزكاة حينما استطاع الناس أن يتجاوزوا حدود القوميات الضيقة ويتجاوزوا الصراعات الطبقية التي تفكك المجتمع وتزرع بين أفراده الحقد والضغينة.

وإذا كانت هذه الثورات العظيمة التي شهدها العالم العربي نتيجة بشكل أو بآخر لصراعات وتضحيات قدمها الكثير من المناضلين على مدا العقود الماضية فإنها بالتأكيد تشكل أكبر تحول تاريخي للمجتمعات العربية في العصر الحديث. تحول يفصل ما قبل الثورة بنضالاته وشعاراته عن ما سوف يحدث بعد نجاح الشعوب في أخذ زمام المبادرة وتحقيق مصيرها بنفسها لتصبح شعارات النخبة في المرحلة الماضية بما فيها اجتهادات من يسمون "حملة المشروع الإسلامي " على المحك أكثر من أي وقت مضى.

وأعتقد أن النموذج الفكري الثوري الذي طبعه الإنترنت في أذهان الناس والذي يعطي كل أحد غرفة متجاورة مع صديقه مليئة بما يريد من "أثاث" الأفكار والمعلومات و بالتساوي الكامل بين كل الناس في الشقق والأثاث. هذا النموذج هو الذي سوف يكون صالحا للتطبيق بين الناس في المستقبل القريب.

الشباب اليوم ينتمون إلى منظومات فكرية و"قبائل" لا يعرف عنها هؤلاء أي شيء لأنها خارج المنظومات العامة التي كانت مهيمنة على أفكار الناس وعقولهم. اعتنقوا أيديولوجيا الثورة عن طريق وسائل الاتصال الحديثة.. كما يعتنق ناس ما قبل الثورة الأديان التي يدينون بها.

لهذا أنا أتصور أن العالم مقبل على تطورات وأحداث هائلة جدا لا يمكن التنبؤ بحدودها.. لأنها ببساطة لن تكون على غرار أي حدث من الأحداث التي عرفتها البشرية في سابق عهدها,, فضلا عن أن تكون نسخة مكرورة عنها.

لذلك لدي شعور بأن كثيرا من الأفكار التي كانت سائدة في ذهنيتنا حول مستقبل العالم، ونهضة الأمم والشعوب التي كانت توصف بـ"التخلف" تحتاج إلى إعادة نظر أعمق, في ظل ثقافة الثورة المعاصرة.

ويبقى السؤال الأهم هو هل هناك فعلا إمكانية لأن تفهم النخبة العربية مدى الاختلاف الجذري بين حركات التاريخ وظروف التطور لدي المجتمعات البشرية في السابق وفي العصر الحديث.. لتأقلم خطابها مع هذه الثقافة الثورية التي تتيحها ثورة معلومات الانترنت والفيسبوك.

متى سيمكن لنخبنا الفكرية أن تستقل بشكل فعلي وكامل عن كل الأفكار المسبقة والمستوردة لتعرف أنه يمكن أن يكون لدى شعوبها نماذجها الحضارية المستقلة التي لا يجب أن تكون بالضرورة بإملاء وتعليم من طرف آخر..؟


نقلا عن الأخبار