مشاهدة النسخة كاملة : الموقف الأمريكي من الانتفاضة المصرية (غسان العزي)


أبو فاطمة
02-25-2011, 11:34 AM
الموقف الأمريكي من الانتفاضة المصرية (غسان العزي)

ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” في عددها الصادر في 17 فبراير/ شباط الجاري، نقلاً عن مصادر من الإدارة الأمريكية، أن الرئيس باراك أوباما كان قد أمر مساعديه، في أغسطس/ آب الماضي، بإعداد تقرير سري عن الاضطرابات التي يمكن أن تحدث في العالم العربي . وقد جاء التقرير في ثماني عشرة صفحة ليحذر من أنه من دون إصلاحات سياسية جذرية فثمة بلدان أضحت ناضجة لانتفاضات شعبية باتت عناصرها متوافرة من شباب يشعر بالتهميش والحرمان واقتصاد متأزم وشبكات اجتماعية متنامية، وغيرها . في طليعة هذه البلدان يذكر التقرير مصر واصفاً إياها ب “المحاورة الرئيسية في المفاوضات الفلسطينية “الإسرائيلية”” و”حارسة قناة السويس” و”مرساة المنطقة” خالصاً إلى أن الاستقرار فيها مهدد بال “غموض الذي يحيط بمسألة خلافة مبارك” .
وتفهم الصحيفة المذكورة، من قراءة التقرير، ما اعترى الرئيس أوباما من تردد إزاء الانتفاضة الشعبية ضد مبارك، حليف الولايات المتحدة التقليدي في المنطقة، ومحاولته العثور على نقطة التوازن ما بين المصالح الاستراتيجية الأمريكية وعدم الوقوف في وجه التطلعات الديمقراطية للمتظاهرين .
ولا يقف التقرير المذكور عند مصر، بل يذكر دولاً أخرى في المنطقة مثل اليمن والبحرين والأردن وكلهم حلفاء لواشنطن في الحرب على الإرهاب وتنظيم القاعدة .
هذا التقرير لا يعني البتة أن إدارة أوباما كانت على علم مسبق بما جرى ويجري في بعض الدول العربية من انتفاضات شعبية على النظام الحاكم . فكل التحليلات الأكاديمية والسياسية لطالما أجمعت على وجود بذور لثورات شعبية في تربة عربية خصبة، وتقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة تفند بالأرقام الواقع العربي الأليم . لكن وجود عناصر الثورة شيء، وهي موجودة منذ عشرات السنين، واندلاع هذه الثورة أمر آخر، وهو على الأرجح فاجأ الجميع من خبراء وسياسيين محليين ودوليين وال “سي .آي .إيه” نفسها تعرضت إلى انتقادات بسبب ذلك، ووعدت بأن تزيد من مراقبتها لمواقع التواصل الاجتماعي في الإنترنت .
أما وقد حصلت المفاجأة في مصر بعد تونس فما كان من الإدارة الأمريكية إلا التصرف إزاءها على طريقة “الخطوة خطوة”، أي إبداء القلق حيال ما يجري قبل المطالبة بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين، ثم تفهم مطالبهم المشروعة . ولكن عندما بدأ يتضح للجميع أن الانتفاضة تكمل طريقها لتتحول ثورة حقيقية بدا الرئيس أوباما أكثر ميلاً للشعب منه للنظام إلى درجة أثارت مشكلة مع هذا الأخير عبّر عنها بوضوح وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط . حتى إن الرئيس مبارك وصف أوباما بأنه رجل طيب القلب لكنه لا يعرف المجتمع المصري، ولا يدرك خطورة الفراغ في السلطة .
وفي كل مرة كان الرئيس مبارك يبدي تنازلاً مثل الوعد بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة وعدم التوريث ثم تعيين نائب له للمرة الأولى منذ اعتلائه السلطة منذ ثلاثين عاماً كما عندما أوكل صلاحياته إلى نائبه عمر سليمان، كان الرئيس أوباما يجاري المتظاهرين في ميدان التحرير أو يسبقهم أحياناً بالإعلان أن هذا الإجراء غير كاف، وأنه ينبغي إجراء انتقال سلمي للسلطة “الآن، يعني الآن” . حتى إن أوباما أبدى في أحد تصريحاته من الحماسة لانتقال السلطة، أي تنحي مبارك، ما جعلنا نعتقد أنه ربما ينوي الانتقال إلى ميدان التحرير بنفسه ليشارك المحتجين اعتصامهم (!) . وبعد أن حصل هذا التنحي امتدح أوباما بحماسة واضحة “هذه اللحظة التاريخية” ونوه بالجيش المصري الذي تصرف بحكمة وعقلانية
والملاحظ أن الإدارة الأمريكية تتصرف بالطريقة نفسها حيال الانتفاضات الشعبية التي تهب في غير بلد عربي .
لا حاجة إلى معرفة معمقة بالولايات المتحدة كي يدرك المرء أن البراغماتية الأمريكية تسعى وراء المصالح وهي الدائمة بعد رحيل الأشخاص مهما كانوا حلفاء لها أو موالين . ولا حاجة في هذا المضمار إلى التذكير بتجارب الشاه الإيراني والفلبيني ماركوس ودكتاتور بنما نورييغا الذي لا يزال يقبع في أحد السجون الأمريكية، وغيرهم .
وفي ما يخص الشرق الأوسط فإن إدارة بوش سبق وتبنت برنامجاً طموحاً لنشر الديمقراطية لكن عن طريق العنف والاحتلال، الأمر الذي أفشله منذ المهد . وكان الرئيس مبارك قد ذهب إلى مقابلة بوش في البيت الأبيض منتدباً من نظرائه العرب ليقنعه بعدم جدوى المشروع الأمريكي لأن الإصلاح ينبغي أن يأتي من الداخل ولا يستورد من الخارج (وهذا ما كان!) . ومن المؤكد أنه لا الرئيس مبارك ولا الإدارة الأمريكية، السابقة أو الحالية، كانا يتوقعان أن يحدث ما حدث وبالطريقة التي حدث فيها .
يبدو أن القناعة باتت سائدة في أوساط القرار الأمريكي بأن الديمقراطية في العالم العربي، حتى إن أتت بإسلاميين إلى السلطة، لا تتناقض مع المصالح الأمريكية بالضرورة وأن الدكتاتوريات تخلف الفقر والأصولية والتطرف، الأمر الذي يضر بهذه المصالح بدل أن يفيدها . وتعج الأدبيات السياسية الأمريكية بدراسات وآراء في هذا الاتجاه . وعلى الأرجح أن الرئيس أوباما من معتنقي هذه القناعة إلى جانب كثير من أركان إدارته لاسيما في وزارة الخارجية .
ثم إن استطلاعات الرأي لطالما أكدت كراهية الشعوب العربية للولايات المتحدة لسببين أساسيين، أولهما الانحياز السافر ل “إسرائيل” . وثانيهما دعم الأنظمة المستبدة . دعم “إسرائيل” لا يبدو أن واشنطن قادرة على العودة عنه، وهي مستمرة فيه وآخر “إنجازاتها” في هذا الصدد استخدام حق “الفيتو” في مجلس الأمن ضد مشروع قرار عربي يدين الاستيطان . أما التخلي عن الأنظمة التي تنهار أمام ثورات الشعوب فهذا أمر يسهل على واشنطن القيام به والادعاء بانسجام سياساتها مع المبادئ الديمقراطية التي تحملها وتروج لها .

نقلا عن دار الخليج