مشاهدة النسخة كاملة : لبنان : حكومة ميقاتي في غرفة الانتظار


ام خديجة
02-25-2011, 09:43 AM
لبنان : حكومة ميقاتي في غرفة الانتظار


http://img33.imageshack.us/img33/1965/142952.jpg

بيروت - “الخليج”:


لم يعد تأخير ولادة الحكومة الميقاتية العتيدة، في بيروت، امراً عادياً في ميزان الحسابات السياسية اللبنانية المتصلة بمثل هذه المسألة، لذا فإن ثمة اوساطاً سياسية بدأت تحيط تأخير الرئيس نجيب ميقاتي باشهار مراسيم تأليف حكومة جديدة، بأكثر من استفهام وتساؤل.

وليس جديداً القول إن رموز فريق 14 آذار وخصوصاً “الصقور” منهم بدأوا يقاربون الموضوع إياه من زاوية أنه تعبير عن أزمة تأليف بفعل وطأة وثقل القيود والشروط التي وضعتها القوى التي سمت الرئيس ميقاتي لهذه المهمة الصعبة والشاقة، على عاتق هذه الشخصية السياسية التي ولا ريب بدأت تدرك وتعي مخاطر المهمة التي انيطت بها وضرورة انه يخرج بحكومة تراعي الحد الأدنى من التوازن على نحو يقيها مخاطر أن تكون حكومة استفزازية أو حكومة فريق واحد بعينه.

لا تخفي أوساط فريق 14 آذار ان ميقاتي بدأ يتحسس مخاطر المهمة التي شرع بها لأن فكرة انه حصل على غطاء إقليمي ودولي لحكومته بدأت تتهاوى شيئاً فشيئاً أمام التحذيرات المكثفة التي بدأ يتلقاها من المجتمع الدولي عموماً مخاطر عدم التزام حكومة لبنان المقبلة بالقرارات الدولية وفي مقدمها موضوع المحكمة الدولية . إضافة إلى ذلك فإن قوى 14 آذار، بدأت تعزو مسألة التأخير في ولادة الحكومة العتيدة إلى جشع زعيم التيار العوني النائب العماد ميشال عون ورغبته بالحصول على الحصة المسيحية في الحكومة كاملة، وهذا يعني ضمناً ان عون يسعى سعياً حثيثاً إلى حرمان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من أي حصة وزارية وازنة أو معتبرة.

ولا ريب ان ثمة في أوساط قوى 14 آذار من يعزو التأخير ايضاً إلى رغبة سورية ضمنية بعدم الإسراع في تأليف الحكومة الجديدة في انتظار جلاء رياح التغيير والتحولات التي بدأت تهب في العديد من العواصم العربية وما يمكن أن يحمله معه ذلك من تغيرات في موازين القوى وفي معادلات السياسة في المنطقة عموماً .

وليس جديداً القول إن في كواليس فريق الأكثرية السابقة من بات يدغدغ وجدانه وذاكرته حلم أن يعجز الرئيس المكلف ميقاتي عن أداء المهمة التي تصدى لها وهو ما من شأنه أن يبقيه لأمد غير منظور رئيساً مكلفاً .

وفي مقابل ذلك فإن في الضفة السياسة الأخرى أي من فريق الأكثرية الجديدة من يقيم على رؤية تبدو أحياناً متقاربة مع أو متقاطعة لرؤية الأقلية الجديدة من شأنه تأخير ولادة الحكومة الجديدة، وتبدو أحياناً أخرى نقيضة لها وفيما يعتصم الرئيس المكلف تأليف الحكومة بالصمت حيال الأسباب التي تدفعه إلى التريث في إعلان حكومته، انسجاماً مع النهج الذي دأب على اتباعه منذ بداية تكليفه لهذه المهمة الصعبة ولا يبادر إلى اطلاق أي شكوى أو الجهر بأي عقبة فإن اللافت في أوساط فريق الأكثرية الجديدة وجهتي نظر حيال موضوع التأخير، الأولى تبدو متوجسة إذ تزعم أن التأخير مرده إلى كلمة سر خارجية لم تهبط بعد على الرئيس المكلف للانطلاق في رحلته الفعلية نحو حكومة أعلن سلفاً أنه يريدها حكومة مختلفة من سابقتها أي حكومة تحكم وتؤسس لمرحلة مميزة من الأداء والممارسة.

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن ثمة ضغوطاً أوروبية على سبيل المثال على الرئيس ميقاتي لكي لا يبادر إلى إعلان حكومة من لون سياسي واحد لا يشارك فيها كل ألوان الطيف السياسي اللبناني بمن فيهم قوى 14 آذار وأن هذا الرأي حملته معها مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاترين اشتون في زيارتها الأخيرة إلى بيروت.

إضافة إلى ذلك فإن الرئيس ميقاتي بات مضطراً إلى التريث في إعلان حكومته بعد المناورة التي لجأ إليها الفريق الآخر والتي تنحسر في إعلانه الرغبة بتلبية الدعوة الموجهة إليه للمشاركة في الحكومة الجديدة، والتي رهنها كما صار معلوماً بشروط معينة، مع علمه المسبق بأن الفريق الذي سمى الرئيس ميقاتي لن يقبل التجاوب معها أو جعلها سقفاً سياسياً خصوصاً ما يتصل بموضوع المحكمة الدولية وموضوع سلاح المقاومة . وعليه، فإن أصحاب هذا الرأي باتوا يتوجسون من التأخير في ولادة الحكومة ويرونه أمراً ليس من مصلحة الاكثرية الجديدة وهو من شأنه أن يستنزف رصيد تجربتهم السياسية الجديدة.

أما المدافعون عن الرأي الثاني فإنهم مازالوا يقيمون على اعتقاد وتحليل فحواه أن أمر تأخير ولادة الحكومة الجديدة المحسوبة على المعارضة السابقة لم يخرج عن المهلة المعقولة، ولم يدخل بعد في دائرة التوجسات والتخوفات من وجود قطب أو أجندات مخفية يمكن أن تعيق انطلاقة التجربة السياسية الجديدة التي يعتزم فريق 8 آذار ومن تحالف معه حديثاً (النائب وليد جنبلاط والرئيس ميقاتي) خوضها بقوة ضد الفريق الآخر على عدائه المطلق لها ورغبته المعلنة بمحاصرتها وإسقاطها بل وحتى وأدها في مهدها إن وجد إلى ذلك سبيلاً.

ويرى أصحاب الرؤية عينها أن تأخير ولادة الحكومات في لبنان صار جزءاً من الفولكلور السياسي اللبناني، وبالتحديد بعد الشروع في تطبيق اتفاق الطائف حيث إن لعبة التشكيل والمشاركة تبيح للرئيس المكلف أن يأخذ وقته في تركيب حكومته وهذا ما حصل في كل الحكومات التي تم تأليفها في خلال الأعوام العشرة الماضية ومن بينها حكومات كان ألفها الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

وبناء عليه، فإن أصحاب هذه الرؤية ومن بينهم “حزب الله” يخلص إلى الاستنتاج بأن مضي ثلاثة أسابيع على تكليف شخصية سياسية بتأليف حكومة أمر طبيعي ضمن المهل الطبيعية.

وعلى رغم وجهات النظر الثلاث التي تتقدم تفسر عملية التأخير في إعلان الحكومة الجديدة، فإن ثمة جهات تدرج نفسها في خانة المحايدة تقيم على تفسيرات وقراءات خاصة لدواعي وخلفيات تأخر استيلاد الحكومة الجديدة .

إذ تقر هذه الجهات استهلالاً بأن عملية تأليف ميقاتي لحكومته الجديدة ليست عملية في سباق طبيعي متدرج، بل تأتي في ظل تحول سياسي جذري قلب المشهد السياسي اللبناني رأساً على عقب، إذ أنه أقصى فريقاً سياسياً كان مشروعه السياسي الخاص وقد أمسك بمقاليد الوضع السياسي بشكل شبه كامل خلال الأعوام الستة المنصرفة، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام فريق سياسي آخر يحمل بين يديه مشروعاً سياسياً مناقضاً بشكل شبه تام لمشروع الفريق الآخر وليس خافياً أن كلا المشروعين تواجها وتصارعا بشراسة في السياسة وفي الشارع طوال الأعوام الماضية، وعلى كل منهما توجيه ضربة حاسمة للفريق الآخر، بغية تهميشه وإقصائه، واستبعاده إن أمكن .

على هذا الأساس بدا واضحاً أن الفريق الذي يعتبر نفسه منتصراً أخيراً بعدما أمن الأكثرية النيابية التي أقصت الفريق الآخر عن المؤسسات والمسائل الدستورية، يحتاج إلى وقت معين ل”يهضم” انتصاره ويعرف كيف سيجيره وفي أي اتجاه يوظفه، بينما الفريق المضاد يحتاج أيضاً إلى وقت ليتعاطى مع الواقع المستجد الذي يعتقد البعض أنه لم يكن لمصلحته وأنه قد يؤذن ببداية أفول لمرحلته السياسية التي قبض على زمامها بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما أعقب ذلك من تحولات وتغيرات جذرية توجت بتقلص النفوذ السياسي والعسكري السوري من البلاد إلى أقصى الحدود.

وبناء على هذه الموازنات والمعطيات الجديدة، يبدو جلياً أن أحد أبرز رموز فريق الأكثرية الجديدة وهو النائب العماد ميشال عون، استند إلى هذا الواقع السياسي المتحول والمستجد بسبب اثنين:

* الأول: تصفية حسابه مع خصومه السياسيين الذين يسمون عادة بمسيحيي 14 آذار الذي يعتبر انهم حاربوه طويلاً على أكثر من صعيد مستمدين قوتهم من كونهم حلفاء تيار “المستقبل” وزعيمه الرئيس سعد الحريري، وأيضاً رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان نفسه .

وإذا كان معروفاً أبعاد العداء وحدود الصراع السياسي بين عون وتياره من جهة وبين مسيحيي 14 آذار من جهة اخرى، فإن الذي يبدو مستجداً هو هذا الصراع بين العماد عون والرئيس سليمان الذين هم على دراية بتفاصيل الوضع الداخلي اللبناني وتشعباته وتعقيداته يدركون تمام الإدراك ان الصراع والتباين بين الرجلين ليس مستجداً أو جديداً بل هو صراع مزمن وكامن بدأ منذ ثلاثة أعوام تقريباً أي منذ أن انتقل الرئيس سليمان من قيادة الجيش في اليرزة إلى مقر الرئاسة الأولى في قصر بعبدا المجاور، إذ إن عون اعتبر ضمناً وكأن سليمان سلبه حقاً مكتسباً له، وهو حق أن يتولى هو مقاليد الرئاسة الأولى باعتباره زعيم الأغلبية النيابية المسيحية خصوصاً في الفترة التي سبقت انتخابات عام 2009 حيث كان يمثل عون وفق مقاييس ومعايير انتخابات عام 2005 نحو 70 بالمئة من المسيحيين .

الثاني: قد زاد في الصراع والتباين حده ان عون رأى بأن الرئيس سليمان لم يكتف بأن يكون رئيساً للجمهورية بل شاء أن يحفر لنفسه موقعاً واسعاً في الساحة السياسية المسيحية وهو ما ينطوي ضمناً على رغبة منه بمنافسة زعامة عون المسيحية ومزاحمته عليها . وكانت شرارة اندلاع الصراع وخروجه إلى العلن ترشح محسوبين على سليمان في الانتخابات اللبنانية في دائرة جبيل في انتخابات عام 2009 ثم في دعمه سليمان للائحة بلدية جبيل، وإذا كان فشل في التحدي الأول فإنه قدر له أن ينجح في التحدي الثاني .

وفي الآونة الأخيرة أيضاً جاهر المحسوبون على الرئيس سليمان برغبته المضمرة في خوض غمار الانتخابات النيابية في المعاقل المسيحية في كسروان وجبيل والمتن، عبر مرشحين محسوبين عليه مباشرة .

وعليه فإن عون يمانع في حصول الرئيس سليمان على حصة وزارية معتبرة ووازنة في حكومة ميقاتي الجديدة، ويجاهر عون برغبته في الحصول على وزارة الداخلية على وجه التحديد . وبالطبع تبدو المعارضة السابقة في صف عون، في حين ان جنبلاط والرئيس المكلف يسعيان مع الرئيس سليمان إلى الحصول على كتلة وسطية وازنة في الحكومة المقبلة، وهو أمر لا يبدو أن قوى المعارضة السابقة متحمسة له، وترتضى به، إذن عقدة مطالب عون ورغبته بالحصول على أكثرية الحصة المسيحية هي في رأي البعض أحد العقد الكبرى التي تؤخر ولادة حكومة ميقاتي الذي لا يزال يحاول تدوير الزوايا مستعيناً بعلاقته المميزة مع رئيس مجلس النواب وأحد رموز المعارضة السابقة الرئيس نبيه بري الذي وعده في آخر لقاء له به بالسعي معه لإيجاد المخارج الملائمة لهذه العقدة وهو أمر يحتاج في رأي الكثيرين إلى إعطاء ميقاتي مزيداً من الوقت لكي يخرج حكومته المنتظرة إلى حيز الضوء .

ومع إقرار الوسط السياسي اللبناني بأن هذه إحدى أبرز العقد فإن هناك من يرى وجود عقد أخرى لا يتم تسليط الضوء عليها ومن بينها على سبيل المثال، عقدة تمثيل المعارضة السنية إذ إن ميقاتي لا يزال حتى اللحظة يمانع في تسمية شخصية من سنية المعارضة على اعتبار أنه عمل استفزازاي للآخرين .

وفي كل الأحوال بدا واضحاً أن مهمة ميقاتي ليست سهلة وان أبرز مشكلاته تأتي من الوسط الذي سماه لهذه المهمة والذي تحمس له لاحقاً بعدما بادر هو إلى الصمود في وجه الاعتراض الشرس الذي أبداه تيار “المستقبل” وتمثل في “يوم الغضب” الشهير في 25 كانون الثاني/ يناير الماضي .

ومع كل ذلك الوضع فإنه لا يبدو في الأفق أن ميقاتي في وارد الاعتذار أو التراجع لأنه يعرف أن ذلك هو بداية النهاية السياسية له . لذا فعليه أن يتعامل برويته المعتادة مع عقبات حلفائه للجدل وهجمات خصومه الجدد أيضاً .

أما مسألة التحاق فريق 14 آذار بهذه الحكومة الموعودة فيبدو حتى الآن أمراً خارج كل التوقعات والقراءات.


نقلا عن الخليج