مشاهدة النسخة كاملة : الرصاص المصبوب بنكهة ليبية (علي الحمادي)


أبو فاطمة
02-24-2011, 05:38 PM
الرصاص المصبوب بنكهة ليبية (علي الحمادي)

هل سمعتم بقصة نيرون الذي أحرق شعبه؟ نيرون هو آخر أباطرة الرومان من الأسرة اليوليوكلودية (من 27 ق. م حتى 68 م)، بدأ نيرون حكم الإمبراطورية الواسعة وهو صغير السن (كان سنه 16 سنة)، فانقلب حكمه إلى كابوس مخيف وانغمس في اللهو، والغريب أنه سيطرت عليه رغبه أنه بارع كمغنى ولاعب للقيثارة وسائق عربة حربية.
كان نيرون أحمق، شديد السفه، كثير التلون، دائم الغدر بأقرب الناس إليه، حتى إنه قد قتل أمه وزوجته ومعلمه، أما أشهر جرائمه على الإطلاق فكان حريق روما الشهير سنة (64) م حيث راوده خياله أن يعيد بناء روما، وبدأت النيران من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير حيث شبت فيها النيران وانتشرت بشدة لمدة أسبوع في أنحاء روما، والتهمت النيران عشرة أحياء من جملة أنحاء المدينة الأربعة عشر، وبينما كانت النيران تتصاعد، والأجساد تحترق، وصراخ الضحايا يعلو وسط المدينة؛ كان نيرون جالسًا في برج مرتفع يتسلى بمنظر الحريق الذي خلب لبه وبيده آلة الطرب يغني ويطرب بمشاهد الدمار والخراب والموت الفظيع .
أما عن مصير هذا الطاغية المجنون فقد ثار عليه شعبه، وحاصروا قصره، فانتحر وقتل نفسه قبل أن يقبض عليه شعبه ويحاكمه علي جرائمه وطغيانه، ولا زال الناس يلعنون نيرون منذ ذلك الزمن الغابر.
نعم.. رحل نيرون الروم وخلفه نيرون ليبيا، وكأن التاريخ يعيد نفسه، "أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ" (الذاريات: 53)، فإذا بمعمر القذافي يحرق بلده بالصواريخ والرواجم، ويقتل شعبه بالرصاص والحرائق، ويمارس جرائم إبادة (وهي أشد أنواع الجرائم على الإطلاق) وما حدث لكتيبة الفضيل بوعمر، وهي إحدى الميلشيات الأمنية التابعة للنظام الليبي، يعكس مدى دموية ووحشية هذا النظام، ورغبته في التضحية بكل شيء مقابل بقائه حتى وإن كان الثمن هو إبادة مدن بأكملها.
(100) فرد من هذه الكتيبة - جميعهم من مدينة بنغازي التي يسيطر عليها المتظاهرون - تمردوا على أوامر أمنية بإطلاق النار بشكل عشوائي على المتظاهرين، فما كان من النظام الليبي إلا أن كبل أيديهم وأرجلهم وقام بحرقهم جميعًا، ثم دفنوهم في مقبرة جماعية اكتشفها الأهالي بالأمس القريب.
ليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن هذا النظام الدموي أيقظ العالم كله يوم الأحد الماضي على صوت انفجارات، وفرقعات قنابل، ورصاص حي، وطائرات حربية، ومدافع ودبابات، وغازات محرمة دوليًا، تُصَبُّ فوق رءوس الشعب الليبي صبًا، وهو ما أعاد إلى أذهان العالم أجمع عملية الرصاص المصبوب الصهيونية على أرض غزة أواخر ديسمبر 2008م.
الفارق بين جريمة الصهاينة وجريمة القذافي أن الأولى كانت من الصهاينة المحتلين تجاه شعب محتَلٍ، أما الثانية فهي من حاكم (عربي مسلم) تجاه شعبه (العربي المسلم) أيضًا، وهو ما يجعلها جريمة لا مثيل لها في التاريخ، حتى إن رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين العلامة يوسف القرضاوي أفتى بقتل القذافي، وهو ما يوضح الدور العظيم الذي ينبغي لعلماء الأمة أن يقوموا به في مساندة الشعوب المسلمة ومناصرتها ضد الظلم والطغيان الذي تتعرض له.
ثم خرج جبار ليبيا على العالم وخرج ابنه من قبله يتوعدان ويهددان الشعب الليبي بكل فاجعة، ونسيا أن طاغية تونس قبل أيام فعل الفعل نفسه، وبعد ذلك كرره فرعون مصر فأخذهما ربي أخذ عزيز مقتدر، ورماهما في أنتن مزابل التاريخ، وفضح جرائمهما وسرقاتهما وفسادهما، وصب عليهما "سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد".
إن هؤلاء الظالمين لا يتعظون أبدًا مما حدث، فقد: "خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ" (البقرة: 7)، فهم في حكم الأموات الذين لا يسمعون: "إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" (الأنعام: 36).
إن حسن ظننا بالله تعالى يجعلنا نؤكد ونقول: لقد سقط نظام القذافي وانتهى إلى غير رجعة؛ لأنه بلغ الحد الذي لا يُغتفر، والأفعال التي لا يُتسامح بشأنها، وإنما هي أيام قلائل ويلحق بصاحبيه في الجبروت والطغيان، بن علي ومبارك، وإن كان بن علي سقط في (28) يومًا، ومبارك سقط في (18) يومًا، فإني أرجو أن يُسقِطَ الله القذافي في (8) أيام أو قريبًا من ذلك.
أما الشعوب فقد نفد رصيدها من الصبر، وسرت فيها روح أخرى غير روح الاستسلام للذل والتبعية للنظام، إنها روح الحرية والكرامة التي ظلت محرومة منها طوال أربعة عقود من الزمان، فإذا هي تقدم الشهيد تلو الشهيد، وكلما سقط شهيد ازدادت قوة وإصرارًا على مواصلة الكفاح حتى تحصل على مرادها.
هذه الشعوب التي كانت تموت خوفًا من التحدث، ولو سرًا، فيما بينها حتى لا يُسمع صوتها وتُزهق روحها، وكانت ترتعد فرائصها عندما ترى عنصرًا صغيرًا من عناصر جهاز الأمن، أصبحت اليوم لا تتحدث جهرًا وحسب، بل تهتف علانية، وتتحدى بأجسادها الضعيفة صواريخ الطائرات وقاذفات المدافع، وتندفع بصدورها العارية نحو الرصاص المصبوب عليها لا تخاف ولا تهرب منه، بل وتطالب بإسقاط النظام وأجهزة أمنه الظالمة المتسلطة، فما أغنت الأسلحة عن الحكام شيئًا لما جاء أمر ربك.
لقد ضرب لنا كثير من الحكام العرب، وللأسف الشديد، أوضح الأمثلة على أنهم لا يفكرون إلا بأنفسهم، وأنهم على استعداد أن يبيدوا شعوبهم من أجل كراسيهم، وأن كلامهم المعسول عن حبهم لشعوبهم ما هو إلا ضحك على الذقون لم يعد تصدقه الشعوب، وأن فضائح هؤلاء الظالمين شيء لا يُصدق، حتى أصبح الناس في حيرة من أمرهم، وأخذوا يقولون: أهؤلاء بشر أم أنهم وحوش لا تتلذذ إلا بالقتل والتعذيب والسلب والنهب والبلطجة والترويع للشعوب؛ فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم لست أدري لماذا هذا الصمت العربي المخزي تجاه الشعب الليبي الذي يُباد؟ هل هم خائفون على كراسيهم، أم هو رضا مقيت عما يحدث لهذا الشعب المسكين؟ لقد صمت الحكام العرب في الثورة التونسية، وصمتوا في الثورة المصرية، ويصمتون الآن في الثورة الليبية، إنهم – لعمري – هم الخاسرون، وغدًا لن يرحمهم التاريخ، بل ربما تطولهم ثورات شعوبهم علَّهم حينها ينطقون! والساكت عن الحق شيطان أخرس.
مررت على المروءة وهي تبكي فقلت علام تنتحب الفتـاة؟
فقالت: كيـف لا أبكي وأهلـي جميعًا دون خلق الله ماتوا
إن على الحكومات العربية أن تدرك أن الشعوب قد فاقت من سباتها، وانتفضت على الذل والظلم، وهي أقوى بكثير مما كانت عليه، وأن أية قطرة دم ستكون لعنة عليهم في الدنيا قبل الآخرة، كما على الحكومات أن تقوم بإصلاحات كبيرة وجذرية وليست شكلية، فعهد "الغباء الشعبي" الذي ظلوا يغذونه ولَّى إلى غير رجعة، وحلَّ مكانه عهد الحراك والفعل والإرادة الشعبية، وعليها أن تعي أن عملية التغيير انطلقت ولن تعود إلى الوراء.
وبقي أن نطالب الجيش الليبي بضروة الإسراع في الوقوف مع الشعب والدفاع عنه، لا كما فعل الجيش التونسي والمصري فهم منه وعليه، ولو أنهم انخرطوا في هاوية القذافي فإنهم لن يقتلوا إلا أبًا أو أمًا، أو أخًا أو أختًا، أو عمًا أو خالاً، أو صديقًا أو جارًا، أما لو انضموا إلى الشعب فسيحقنون بذلك دماء كثيرة، وسينحازوا إلى الشرعية الحقيقية وإلى الحق والعدالة، أما الظالمون المجرمون فعما قليل ليصبحن نادمين.
ونقول للشعب الليبي الحبيب: اصبر فإنما النصر صبر ساعة، وقد قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): وجدنا خير عيشنا بالصبر، وقديمًا قال الشاعر:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنهـا لا تفرج
ولرب ضائقة يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرج
كما نقول لأحبابنا المرابطين في ليبيا: تعلموا من إخوانكم التونسيين والمصريين، فاستمروا في احتجاجاتكم ولا تتوقفوا في منتصف الطريق حتى تتحقق مطالبكم الكاملة في التغيير الذي تنشدونه، والله ينصركم، ويثبت أقدامكم، ويتقبل شهداءكم، وصدق الله تعالى: "قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ" (التوبة: 52).

نقلا عن المركز الفلسطيني