مشاهدة النسخة كاملة : اضبطوا ساعاتكم على نبض الشباب \ يوسف الحسن


ام عمار
02-23-2011, 06:42 PM
اضبطوا ساعاتكم على نبض الشباب

http://www.alkhaleej.ae/Uploads/zone/262.jpg

يوسف الحسن

* أياً كانت المرحلة الانتقالية في مصر، فإن الحقيقة الكبرى هي أن مصر تغيرت، وأن النظام الإقليمي القديم، سيتعرض إلى عواصف جارفة وتغيرات حيوية، وعلى رأسها ملف الإصلاحات الحقيقية، بعيداً عن التغييرات التجميلية .

* تغير مصر، سيؤدي إلى تغير الإقليم العربي، كان الأمر كذلك دوماً، واليوم هو أكثر تأكيداً، وأكثر فعالية وتأثيراً، بفضل دور مصر التاريخي، والطابع الإنساني السلمي العميق لهذا التغيير الذي جعل من ثورة الشباب كرنفالاً يهز العالم، ويستعجل التاريخ، ويبتعد عن الخطابات المملة، والشعارات المكرورة، والثرثرة الأيدلوجية البائسة .

كان المشهد أسطورياً لا يصدق، فها هو شعب عربي يصنع تاريخاً، ويستعيد القدرة على الفعل والحلم والأمل، وسنحكي لأحفادنا ذات يوم، أننا عشنا هذا المشهد الذي اختفت فيه نزاعات المؤامرة الخارجية، والفتنة الطائفية والجريمة والتحرش والفوضى، وحضرت المواطنة الصالحة، والعقل والفعل فيه للشباب، وهو يعيش عصره وأدواته، ويحشد كتلاً من “التشبيك الاجتماعي” الإلكتروني، ويسخّرها للفعل السياسي الواقعي، ويستثمر التراكمات الوطنية، ويفعّل المشاركة الجماهيرية الاحتجاجية الواسعة، ويحضر كل فئات الشعب إلى السياسة .

تطور المشهد، بشكل عفوي وسلس وسلمي ومتزن، إلى ما يشبه الفعل السياسي المعني بتقديم إجابات عن أسئلة الشرعية والمشروعية والفساد والقمع والظلم والتنمية المعاقة والدستور القاصر والنظام المغلق .

* نجحت ثورة الشباب، في بناء أدواتها ومنهجها بشكل هادئ ومتدرج، وفرضت نفسها وشرعية مطالبها عند الشعب، وعند مؤسسات النظام نفسه، وأمام العالم كله .

ولعل من أكبر إنجازاتها، أنها أحضرت الشعب إلى السياسة، بعد أن تم تأميمها، وتجريف الحياة السياسية من خلال العنف والإفساد والإقصاء . وكلما كان النظام يوغل في المراوغة والعناد، كانت تتعمق مشروعية ثورة الشباب ومطالبهم، وتحضر جماهير وفئات جديدة، وتتوسع أفقياً وعمودياً في اكتساب أطياف متنوعة من الشعب، ومن دون أن تبدي أية ردود فعل عنيفة على عنف النظام وأتباعه .

ومن أبرز سماتها، أنها ثورة شباب جاءت من خارج إطار النظام السياسي المصري الحكم والمعارضة فالحكم كان قد افتقد القوة السياسية الراجحة تنظيماً ومؤسساتياً، أما المعارضة، فكانت تعاني من أزمات بنيوية وقصور ذاتي وضمور في أنشطتها وفعاليتها، في حين وصلت فيه مؤسسات المجتمع المدني إلى حالة بائسة من الهشاشة والضعف .

وفي ظل هذه الأوضاع، التحقت المعارضة بهذه الثورة الشبابية، وحاولت التعبير عنها وتبني مطالبها، بعد أن تراكم الغضب والحنق الشعبي لسنين طويلة .

* لا أحد في العالم العربي، سأل عن سبب غياب الشعارات الأيديولوجية عن لافتات شباب الثورة المصرية، ولا عن غياب قضايا العراق وفلسطين والسودان، والاستعمار وما شابه ذلك من شعارات .

ولا أحد استغرب، غياب شعارات التنديد بالسياسة الخارجية المصرية المعاقة عربياً وإفريقياً ودولياً .

هل كان المواطن العربي يدرك، أن مصر المستقبل، ستتولى الإجابة عن هذه التساؤلات؟ وأن دوراً جديداً فاعلاً لمصلحة العرب ومستقبلهم ينتظر مصر الجديدة؟

* نسي المواطن العربي أثناء المشهد المصري التغييري، السودان وهو يعيش لحظة تحلل بطيء، ونسي ما تسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط، وهي تكشف عن سوءاتها وما تبقى من أوراق توت تستر عوراتها، ونسي معاناته اليومية، ورأى في ما يجري في مصر، ولادة جديدة لأحلام تلاشت، وعودة روح، لأجيال شابة، ظننا يوماً أنها استنقعت وضاعت، وفقدت مشيتها وهويتها .

* التغير في مصر، سيتجاوز في فعاليته الميدان السياسي، إلى ميادين الثقافة والفكر والمفاهيم والأخلاق وغيرها، أما أعداء هذا التغيير، فإنهم سيراهنون على بقائه في حدود المطالب المعيشية، في وقت يدرك فيه الشعب المصري، في ولادته الجديدة، أن الذين أفقروه وأهانوه وقزموا دوره، وشوهوا صورته في عيون الأشقاء والأصدقاء والعالم، وهدروا موارده، وانتهكوا كرامته، وأعاقوا تنميته وتعليمه وإعلامه وفنونه، هم الذين نحروا معنى مصر، وغيبوا عبقرية المكان والناس، واستغلوا معاهدة كامب ديفيد، ليؤسسوا نظاماً مرتبطاً بمصالح خارجية، وأعادوا هيكلة الاقتصاد، لمصلحة الانفلات والفساد، حيث تضاءلت الدولة في المجتمع وفي الاقتصاد، وتغوّلت في القمع وتأميم السياسة، وغيّبت منطق “الدولة وطن يظل الجميع”، فهرمت مصر، وعاثت ثعالبها فساداً .

ما المطلوب منا نحن العرب تجاه مصر الجديدة؟

مطلوب أولاً، احترام خيارات الشعب العربي في مصر، في ظل نظام ديمقراطي ومستقر منتظر، وتمكينه من انتقال آمن وسلس، بعيداً عن الفوضى والارتباك أو سرقة الثورة .

* لقد انتهت أو قاربت على الانتهاء لحظة التغيير، وثورة الحرية، لتبدأ ثورة توطيد الديمقراطية والعدالة، وبناء التنمية الحقيقية، وهي التنمية التي تعثرت في ظل انفتاح، سماه المرحوم أحمد بهاء الدين “السداح المداح”، حيث تم تكييف الاقتصاد المصري مع حاجات أسواق الغرب، على حساب التصنيع والتصدير، فازداد الفقراء فقراً، وتخلخلت بنية الاقتصاد المصري، وعاث الفاسدون فيه نهباً وتخريباً .

* إن أمام مصر الجديدة، تحديات هائلة، في إعادة بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستدامة، فضلاً عن المفاهيم والسلوكيات الديمقراطية القادرة على إحداث تحول أسرع وأكثر ثباتاً، وأعمق تأثيراً لمصلحة أغلبية الشعب، ولمصلحة المستقبل، بما يلبي طموحات الأجيال الشابة وتوقعاتها .

* كما يتعين علينا نحن العرب، وبخاصة النخب، مراجعة جدلية خياري الاستقرار والاستبداد، في إطار الإنصات لنبض الشارع، قبل أن يعلو صوته بالشكوى أو بالغضب، طلباً للحرية والكرامة والعمل والعدالة، كما يتعين أيضاً على العرب، تقديم المساعدة المادية والفنية والمعنوية لمصر الجديدة، وبخاصة أنه من المتوقع أن يتردد الغرب في تقديم المساعدة غير المشروطة والمكبلة لحرية أهل الكنانة، قبل أن تظهر سياسات مصر الجديدة تجاه التزامات العهد السابق وأدواره البائسة التي قام بها لخدمة المصالح الخارجية وبخاصة تحريضه للدول العربية على قبول شرعية الدولة العبرية وسياستها .

إن كثيراً من عقلاء العرب، يراهنون على مصر الجديدة، لتصحيح المسار في العلاقات العربية العربية، وفي العلاقات العربية مع الإقليم والعالم، بما يوفر سلماً أهلياً عربياً مستقراً وفاعلاً ودائماً، لا مكان فيه لعنف مادي أو فكري، ولا مكان فيه لإرهاب أو تكفير أو فتنة مذهبية أو طائفية، ولا استدعاء لأجنبي لتحرير أرض أو “رقبة” .

علمتنا تجارب الماضي والراهن، أن البيئة السلطوية والقاصرة، هي حاضنة مثالية لبذور الغلوّ والتطرف والعنف العبثي والفساد الكريه، وفيها تتأجج الفتن المذهبية والطائفية والعرقية، وترتكب الكبائر وتنتحر الأوطان، في حين توفر البيئة الديمقراطية والنظام العادل، مناخات صحية، يخسر فيها العنف الدموي والتطرف قواعده الشعبية، وركائزه الفكرية، وتجفف ينابيعه .

إن ثورة التوقعات في مصر، تحتاج إلى تعبئة الطاقات وحشد الجهود الوطنية والقومية، للخروج من تحت سقف النظام القديم، ومؤسساته ومفاهيمه وسياساته، التي أدت إلى انهياره، وتعطيل إنتاجية المصريين، وهدر مواردهم وإعادتهم إلى الوراء في شتى الحقول .

لقد تآكل النظام، من دون أن يشعر أنه سار نحو لحظة الانهيار . . لقد كانت خياراته في الداخل خطأ بامتياز .

* حتى الآن . . تبدو المرحلة الانتقالية سلسة ومنظمة، والأهم أن لا تنطفئ جذوة الأمل والروح الجديدة، بل أن تظل حاضرة ومستنفرة حتى ترسم حال مصر المستقبل . . وإلا تعرضت إلى الانكسار .

اضبطوا ساعاتكم على عقارب هموم الشارع العربي . . ونبض الشباب .


نقلا عن الخليج