مشاهدة النسخة كاملة : رأي على رأي بشأن الحراطين { أحــمد ولـد دمـبـه }


ام خديجة
02-23-2011, 01:41 PM
رأي على رأي بشأن الحراطين


بلقم: أحــمد ولـد دمـبـه

رد على مقال سعادة السفير محمد فال ولد بلال المحترم:
أطلت علينا في بداية شهر يناير 2011 عدة مواقع، بمقال لسعادة السفير محمد فال ولد بلال المحترم تحت عنوان: "من ضغط العولمة ،والتحديث العشوائي إلى زحف الولاءات الضيقة ــ رأي بشأن الحراطين". هذا المقال الذي استهواني الرد عليه في محاولة مني لإبراز وجهة نظري في قضية الحرطين.

بداية أشاطر سعادة السفيرالمحترم، الرأي في قوله:" لماذا لا نتعامل مع أنفسنا بواقعية وشفافية وصدق وأمانة ؟ لماذا نعلن غير ما نخفي، ونخفي غير ما نعلن؟ وما الضير في أن نقول بصراحة إن الحراطين فئة عاشت معظم حياتها مهمشة ومعزولة عن المجرى الرئيسي للثقافة العامة والتنمية ما جعلها تشعر بالحرمان وتحس بالغبن الاجتماعي. وقد توافرت لديها اليوم كل المعطيات والظروف الموضوعية لترتفع أصواتها مطالبة بالتنمية والخدمات الأساسية تعبيرا عن تظلمات واحتقانات اعتملت في أعماق صفوفها، وتبلورت في عقول المثقفين من أبنائها".
"إن واقع التفاعلات والتغيرات المذهلة التي يشهدها العالم " وتنامي الوعي لدى الجماعات الاجتماعية المقهورة عبر التاريخ "يصدق القول بحتمية ظهور حركات وتيارات تنادي بحقوق ومصالح " هذه الجماعات والشرائح المقهورة و المهمشة والمقصية.
إن القبيلة التي يدعو سعادته، الحراطين إلى التموقع داخلها لم تكن يوما من الأيام إلا نظاما عبوديا يكرس ظلم وهوان وخضوع وإذعان وتبعية الشرائح الدنيا داخلها (العبيد، لحراطين، إيكاون، لمعلمين، آزناكه)، ولم تقم القبيلة يوما بتكافل اجتماعي وثيق، كما يرى السفير محمد فال، وإنما قامت بظلم اجتماعي بغيض. اللهم إلا إذا كان ولد بلال ينظر إلى التقسيم الاجتماعي للعمل داخل القبيلة، كتكافل اجتماعي !!
أما في الوقت الراهن فإن "البيظان" لاينظرون إلى الحراطين في القبيلة إلا كخزان انتخابي ،يصعدون على ظهورهم في المجالس المنتخبة ،ولايعينون ولاينتخبون بإسم القبيلة ،فكيف يطلب منهم والحال هذه التموقع داخل القبيلة والإعتزازبها؟
وأن المحاظر التي يقول عنها إنها كانت "توفر تربية زكية وهدي وتوجيه إسلامي "، لم تكن في الحقيقة إلا كتاتيب عنصرية لا تستقبل إلا أبناء شريحة "ازواية" من إثنية البيظان ،أما ماعدا هم فلا مجال له فيها.وأن القضاء الذي يرى سعادة السفير أنه "كان عادلا ونزيها" .فكيف ذلك ؟ وهو قضاء القبيلة المستعبدة (بالكسر)، الظالمة والمتحجرة!!
إن تلك "المرجعيات القانونية والعرفية الأخلاقية والقيمية" التي يحن إليها، سفيرنا المحترم هي التي خلفت دولة لا تحترم مواطنيها ومكوناتها الاجتماعية، دولة تتفشى فيها العبودية والقهر و الظلم و الإقصاء والتهميش والتمييز العنصري والاستعلائية.
إن رأي الحراطين، أو على الأقل رأي مثقفيهم العضويين في حل قضيتهم ــ التي كثيرا ما يربطها، بعض الساسة والمثقفين من أبناء هذا البلد بالوحدة الوطنية ــ يتمحور فيما يلي:
1ــ الاعتراف بالمظالم التاريخية والاجتماعية بالإضافة إلى المظالم " التنموية والخدمية " التي كانت إثنية الحراطين عرضة لها عبر تاريخها، والاعتذار لها أولا عن ما أصاب أفراد ها من مظالم، كبادرة حسن نية، والأخذ بمبدإ التمييزالإيجابي لصالحهم ثانيا، على جميع المستويات والأصعدة، لانتشال هذه الإثنية من براثن الظلم والغبن، مما أدى بها إلى هذه الوضعية الهشة التي كانت ولا تزال تئن تحت وطأتها. ووضع برنامج واضح وجاد لمحاربة الأمية يستهدف مناطق تواجد الحراطين وخاصة (آدوابة والكبات ...) , غير تلك البرامج التي وضعت في السابق والتي لم يستفد منها في الحقيقة سوى إثنية "البيظان"، وخاصة شريحة "ازواية" منها، حيث ركزت هذه البرامج على مناطق تواجد محاظر "البيظان"، بدل تركيزها على "آدوابه" و" الكبات" التي يفترض أن تكون هي المستهدفة، وضرورة إشراك النخبة المثقفة من الحراطين في هذه العملية أخذا بمبدإ " أهل مكة أدرى بشعابها" . كما يجب فك العزلة بشق الطرق في أماكن تواجد الحراطين وخاصة في "آدوابة " وغيرها، كما يجب فتح المدارس وبناء المراكز الصحية فيها .وفي سبيل القضاء على الفقر بين أفراد الحراطين يجب إنشاء مشاريع خدمية صغيرة ومتوسطة في مناطق تواجد هم ومنحها إياهم، وتوزيع القروض المتوسطة عليهم بشروط ميسرة، وتوفير الماء والكهرباء والأسواق في مناطق تواجد هم، وفتح مراكز ومعاهد للتعليم الفني والمهني والتدريب في المدن لتكوين وتأهيل الأعداد الكبيرة من الأميين وأشباه الأميين من أبناء الحراطين، ليساهموا في تطور وتنمية وطنهم، هذا بالإضافة إلى إنشاء مشاريع تنموية (زراعية)، كبيرة في المناطق الريفية (آدوابه)، لتحول دون هجرة الريفيين إلى المدن، مما يساعد على تحقيق التوازن بين الريف والحضر.
2ــ القضاء على التمييز العنصري والاستعلائية العرقية والتاريخية التي يتخندق داخلها أبناء إثنية البيظان، ظنا منهم بأنهم شعب الله المختار.
وفي هذا الإطار يتعين على أبناء إثنية البيظان بالذات فعل الشيئ الكثير وخاصة الحد من الشعور الزائد بالنرجسية، والإحساس بالتفوق العرقي واللوني، والسيطرة والهيمنة وفرض الوصاية على الحراطين، التي "تسكنهم لعقود طويلة ليحل محلها إحساس إيجابي أعمق "بالمساواة والإنصاف والعدل والتواضع، وإشراك الحراطين في ما تجود به بلادهم من خيرات. "وهذا ما يتطلب منهم الارتفاع إلى مستوى المسؤولية عن الوطن ككل " ومكوناته الإثنية، وليس دولة البيظان التي عشنا في كنفها وسيطرت علينا إيديولوجيتها، منذ قيام الدولة البيظانية، عفوا الدولة الموريتانية. هذا مما يدعوهم كذلك إلى " العمل على إعادة بناء المصالحة والموافقة والإجماع في بلدهم "، وعدم التفرد بالسلطة والثروة ... في هذا البلد، ما دام بلد الجميع وبدون استثناء، حيث يجب تجسيد ذلك بالأفعال لا في الشعارات الرنانة والدعايات الخادعة التي لا يوجد لها أي أثر على أرضية الواقع.
3ــ ضرورة احتواء المناهج التعليمية في جميع مستوياتها (الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية ) على مواد " عن مساوئ ومضار العبودية والعنصرية وأسبابها وأشكالها ودواعيها مع غرس قيم الأخوة والتضامن "، مع التركيز في ذلك على العبودية في موريتانيا وتبيان عدم شرعيتها الدينية، في الأصل والمعاملات غير اللائقة بكرامة الإنسان التي كان العبيد في موريتانيا الإسلامية عرضة لها. وفي هذا الصدد يقول سعادة السفير ولد بلال :" تارة أقول في نفسي ما ذا لو كانت مشاكلنا السياسية الجمة، هي في حقيقتها مشكلة أدب وأخلاق ؟ لاشك أننا بحاجة ملحة إلى وقفة جادة عند الأخلاق العامة والخاصة. ولن يستقيم مسارنا في الحياة ويكتب لنا البقاء ما لم يكن مجتمعنا أكثر صرامة في نظام أخلاقه وضوابط سلوكه، غيورا على كرامة فرده" .
كما يجب تدريس تاريخ جميع المكونات الإثنية للمجتمع الموريتاني لأبنائه بكل تجرد وموضوعية، هذا فضلا عن ضرورة احتواء الكتب المدرسية على صور تمثل جميع المكونات الإثنية للمجتمع، بما في ذلك إثنية الحراطين، بدل اختزال صور الحراطين في صور البيظان. كما هو موجود في الكتب المدرسية الحالية، حيث توجد في هذه الكتب صور أطفال ونساء ورجال البيظان في الوقت الذي لا توجد فيه صورة واحدة لطفل أوإمرأة أو رجل حرطاني !!
4 ــ تطبيق " اتشرشيمت " القانون المجرم للعبودية والمعاقبة على الاسترقاق والممارسات المشابهة الصادر عام 2007 وعدم تركه في الرفوف .كما يلوح في الأفق. هذا القانون الذي أجهض من طرف المجلس الأعلى للدولة، الذي قام بانقلاب 6 اغسطس 2008.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه منذ المصادقة على هذا القانون، تم رصد ما يزيد على 50 حالة استرقاق، دون إلحاق أية عقوبات أو أية ملاحقة لممارسيها، إذا ما استثنينا حالة السجن الوحيدة من نوعها التي تعرضت لها في الآونة الأخيرة الاسترقاقية (اميلمنين بنت بكارفال) التي حكم عليها بستة أشهر نافذة، ذلك الحكم الذي واجه لقطا قانونيا كاد أن يؤدي إلى إبطاله.
إن القضاء على العبودية، يجب أن يكون بتطبيق القوانين المجرمة لها والعناية الكاملة من طرف الدولة بضحاياها، وذلك من خلال توفير العيش الكريم لهم، من حيث السكن والتعليم والصحة وتوفير العمل الشريف (الملائم لكرامة الإنسان )، وليس عن طريق فتح مكاتب لنخاسة العصر. كما يروج لذلك سعادته، حيث يدعو إلى تقنين العبودية بدعوته إلى " تطبيق ( سن) القوانين المنظمة للخدمات المنزلية والرعوية والفلاحية ... على سبيل المثال، ينبغي فتح مراكز لاكتتاب العمالة (سائق، عامل منزلي ، فراش ، راعي ، حارس، ...إلخ)، في كل حي من أحياء المدن وفي القرى والتجمعات ... بغية القضاء على الاستعباد ..."
إن هذه الدعوة غير بريئة، إذ تطالب بممارسة العبودية والاسترقاق بطريقة عصرية تتماشى مع تغير نمط العيش لأفراد إثنية البيظان، ولا تمت بصلة إلى القضاء على العبودية، لا بل تجسدها وتكرسها بأسلوب حديث !!
إن هذا النوع من المقترحات الرجعية، لحل قضية العبودية لا تقل خطورة عن العبودية نفسها التي يجب القضاء عليها نهائيا. كما يجب القضاء على علاقاتها المتمثلة في الوصاية والتبعية بجميع أشكالها المادية والمعنوية، التي آلت إليها في الغالب رابطة البيظان بالحراطين، وذلك لإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان الحرطاني، وحقه في الاستقلالية، والحرية، والتعبير عن نفسه، واحترام رغبته.
كما يجب التسليم بسنة الحياة التي تقتضي التعدد والتنوع والاختلاف، وضرورة احترام ذلك لمجتمعنا.
5ــ أما دعوة سعادة السفير لــ "اعتماد الاسم الثلاثي على نحو يجمع بين الفرد(الحرطاني) وجماعته (قبيلته)".فهي دعوة ليست بريئة ــ كسابقتها ــ بالإضافة إلى كونها أسلوبا من أساليب اللعب على عقول الحراطين، حيث إن هذه الدعوة كغيرها من الدعوات التي تسعى إلى تزييف وعي الحراطين المتمثل في تدجينهم وإبقائهم تابعين خاضعين لمستعبديهم السابقين بطريقة حديثة، فبدل من أن نقول: مسعود إديقب، واسغيرلغلال، وبيجل تندغه. كما كان ولا يزال معروفا، يطالبنا ولد بلال بأن نقول : مسعود اليعقوبي، واسغيرالغلاوي، وبيجل التندغي . وكأن ذلك يحقق هدفا للحراطين أو مطلبا من مطالبهم.
فهذا النوع من الدعوات، لا يرغب في اعتماده إلا أبناء القبيلة الحقيقيين من أمثال سعادة السفير ولد بلال. أما الحراطين فلا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لهم، لأن ذلك النسب لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، وأن المحافظة عليه بالنسبة لهم نوع من العبودية المعنوية، وهو بذلك لا يشرفهم لأنه لا يمت إليهم بصلة.
وفضلا عن ذلك فإن نسبة الحراطين إلى قبائل مستعبديهم السابقين لن تضيف جديدا وسيظل الحرطاني حرطاني والبيظاني بيظاني . هذا بالإضافة إلى أن هذه الدعوة تكرس القبلية التي تعتبر أكبر عائق أمام تقدم هذا البلد وخروجه من براثن الرجعية والعبودية.
وقد تساءل سفيرنا المحترم قائلا :" أليس في هذه الأسماء ما يعزز وشائج القربى والإخاء بين المرء وأبناء عمومته وجماعته وذويه.
وجوابا على هذا التساؤل إذا جاز لي ذلك، أقول وبالفم الملآن لا، لا،لا....
إن الذي يعزز وشائج القربى والإخاء هو الاعتراف للآخر بحقه كإنسان والاعتراف لجماعته الاجتماعية بحقها كجماعة، لا أن تفرض عليها الوصاية وتختزل في الآخر، وتسمى بأسماء وألقاب "ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم".

والله ولي التوفيق


نقلا عن الأخبار