مشاهدة النسخة كاملة : الجماهيرية الأولى والأخيرة \ م. محفوظ بن أحمد


ام خديجة
02-23-2011, 01:22 PM
الجماهيرية الأولى والأخيرة

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__indexcatuivpi .jpg

بقلم: م. محفوظ بن أحمد

لئن كان عدد من حكامنا العرب يكتفي بالحكم المطلق والسيطرة على البلاد والعباد.. فإن من بينهم من لم تسد تلك الصفات ثغرات نفسه ولم يرو الطغيان عطش سلطته، فأراد العيش فوق مستوى بشريته وسولت له نفسه الخلود.
ولا ريب أن المجلي من هؤلاء كان العقيد معمر القذافي، فقد كان دون شك أشدهم قبضة وأغربهم أطوارا وأطولهم مكوثا.. فرغم كونه استلم السلطة بانقلاب عسكري تقليدي دون أي مؤهلات علمية، ولا تجارب عملية من الحياة، فقد طلب لنفسه مكانة طاولت النبوءة ورنت للألوهية!

فهذا الشاب الذي أخذ الحكم في بلد عربي مترامي الأطراف يسوده ـ مثل معظم البلاد العربية ـ التخلف والامية والقبلية.. ما لبث أن فاجأ العالم بحل عويصات مشاكل البشرية المتأصلة منذ القدم في مجالات الحكم والاقتصاد والفلسفة.. بواسطة "الكتاب الأخضر" فقط، الذي سماه أولا "النظرية العالمية الثالثة" قبل سقوط ثنائية القطبين.
وبما أن الرجل زعم أنه حل بهذا الكتاب أزمات الفكر النظري البشري، فقد أراد أن يحل مشاكل العالم العملية بنفس البساطة عبر سلسلة من قرارات الوحدة العربية هنا وهناك، نجحت فقط في إشعال حروب وأزمات مع الأشقاء والجيران.

ولأن أي أحد خارج ـ وربما داخل ـ ليبيا لم يقابل هذه الحلول المعجزة بغير السخرية، فقد رأى القذافي أن الأمر عائد إلى تخلف وبلادة العالم، بل وتآمره؛ فهو وحده المصيب والبشرية كلها على خطأ! ومن ثم كرس ثروة ليبيا الهائلة لخدمة أفكاره الخاصة ومواقفه المتناقضة، واستثمر إمكانياتها الاقتصادية والبشرية في شيء واحد هو صناعة الشعارات.

وهكذا تحول الكتاب الأخضر من كراسات تبحث عن قارئ مغفل، إلى هيئات ومؤسسات عملاقة تنفق المليارات.. ناهيك عن المغامرات العسكرية والتدخلات في الخارج لتشجيع ثورة هنا وتمرد هناك وتفجير في الأرض أو السماء..
ليبيا التي يحكمها القذافي بقبضة من حديد تحولت إلى دولة شاذة أيضا؛ فهي رسميا لا تملك دستورا ولا علما مميزا ولا رئيسا ولا حكومة.. والقذافي نفسه ليس رئيس دولة ولا ملكا ولا سلطانا.. لأن الشعب يحكم نفسه بنفسه! هكذا يقول إعلام الكتاب الأخضر. ولكن القذافي مع ذلك لم يعتزل أو يتقاعد ويشعر أن دوره ـ بعد أن حكم الشعب نفسه بنفسه ـ قد اكتمل وانتهى!

لم تقف غرابة أطوار القذافي عند حد من الحدود.. مهما كان مستوى الفشل والخيبة، بل تجاوزت ذلك إلى أمور أكثر تناقضا.. فبعد التفريط في"أمانة القومية العربية" أعلن القذافي الردة عن الوحدة العربية والإيمان بدلها بالوحدة الإفريقية.. وغير خارطة "الوطن العربي الكبير" إلى خارطة القارة الإفريقية. لقد وجد في فاقة الأفارقة وبساطة فهم بعضهم للإسلام، مرتعا خصبا لطور جديد من أطوار عظمته العالمية! فتوج نفسه ملك ملوك إفريقيا التقليديين وزعيما قبليا يرتدي الملابس المزركشة .. وعمم نفسه إماما دينيا وعالما متبتلا.

ويبدو أن للزعيم الليبي مع الدين حكاية ربما كانت في الأصل محاولة لاحتواء تعاظم شأن التيارات الإسلامية وخاصة في ليبيا نفسها.. ففي البداية استحسن لقب "رسول الصحراء"، ثم اقترح تعديلات في المصحف الشريف من باب حذف كلمات منه مثل قوله تعالى [قل] في أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتكرر في القرآن الكريم، ومثل إلغاء السنة النبوية الشريفة من التشريع الإسلامي.. الخ.

امتدت سلطة القذافي وبدعه "الفكرية" إلى أمور أخرى مثل تغيير سنة التاريخ الهجري من الميلاد النبوي إلى الوفاة.. وتغيير أسماء الأشهر الشمسية نفسها من مسمياتها العربية والعالمية إلى مسميات ابتدعها، مثل شهر الطير وشهر الماء وشهر الفاتح (العظيم!).. الأمر الذي كلف الليبيين في إداراتهم ومدارسهم ومعاملاتهم جهودا وأموالا كثيرة. فإذا أراد أحدهم تحرير مستند في ليبيا فعليه أن يكتب مثلا: "حرر في الجماهيرية العربية الشعبية الاشتراكية العظمى بتاريخ الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف من وفاة الرسول الموافق للرابع والعشرين من ربيع الأول لسنة ألف وأربعمائة وثلاثين هجرية الموافق للعشرين من شهر النار عام ألفين وعشرة ميلادي الموافق للعشرين من شهر مايو عام ألفين وعشرة إفرنجي"!!

كذلك ابتدع القذافي، ربما منافسة لحكام السعودية، صلاة جديدة جوالة هي "صلاة المولد النبوي" التي يقيمها كل سنة في رحلات كرنفالية وضجيج من الإعلام ومشاريع التمويل والعطايا.. والشعارات طبعا.

تراجع القذافي ـ دون أن يعلن ذلك طبعا ـ عن الكثير من المشاريع والمواقف التي حسمها الفشل، مثل تغيير بعض الأنظمة ومثل امتلاك أسلحة غير تقليدية والموقف من الغرب عموما؛ فسلم مواطنيه لبريطانيا وسلم مشاريع التسلح للولايات المتحدة ودفع مليارات الدولارات ديات مضاعفة لأنفس لا يعترف بقتلها.. وليته فعل ذلك في حينه أو لم يفعله مطلقا، لكنه فعله بعد فوات الأوان، أي بعد عقدين من العقوبات والحصار والإهانة. مع ذلك احتفظ الكولونيل بشيء واحد ثابت في حياته هو قبضة الاستبداد الحديدية على الحكم في ليبيا، بل إنه مع ازدياد قناعته باستحالة البقاء في الحياة أخذ يحث الخطى لتوريث ديكتاتور آخر صغير هو نجله وولي عهده سيف الإسلام الذي رغم نفوذه الهائل وتمثيله البارع في مسرح الإصلاح، لا يملك أي منصب أو صفة رسمية (وتلك شنشنة أعرفها من أخزم!).

واليوم وقع ما لم يكن في حسبان الزعيم: لقد استيقظت جماهير الجماهيرية نفسها تحتشد وتهتف بشيء آخر: بسقوط المفكر والفيلسوف والثائر المسلم وملك الملوك وإمام المسلمين.. الخ. لطالما تحدث الزعيم عن الجماهير والثورة.. وها هي الجماهير تثور.. ولكن في الجانب الذي كان يحذر. هذا منكر بالطبع في عرف رجل أقام نظاما فيه كل شيء إلا خدمة بلده وشعبه الذي ازدادت قبليته وازدادت فاقته رغم ثروته البترولية الهائلة وظل يدفع فواتير مغامرات وحماقات حاكمه المجنون في الداخل والخارج.. وكانت خاتمة ابتكاراته وعطائه اقتراحه على شعبه أن يرحل من ليبيا ويهاجر إلى مناكب الأرض في أوروبا وإفريقيا!

حتى لو سلمنا بأن إنجازات القذافي لا تعدو تلك النظريات الساذجة والاختراعات الكلامية مثل الجماهيرية واللجان الثورية و"اسراطين" و"ديمو كراسي"..الخ فإنه يبدو أنها أصبحت مثل مصيره هو نفسه في مهب الريح.

فما نراه الآن ـ رغم مأساويته الفظيعة ـ قد يكون المشهد الأخير في مسرحية سرك "تاريخية" استمرت أكثر من أربعين سنة، لكنه مشهد واقعي مفعم بالجدية هذه المرة، يستخدم فيه الزعيم البطل كل قوة جيوشه وأسلحته الحقيقية لقمع الثورة الحقيقية وسحق الجماهير الحقيقية دون رحمة أو تمييز.. لنشاهد المفكر الإنساني الذي يتبرأ من ممارسة السلطة يتشبث بها حتى إراقة آخر قطرة دم ليبي كما يقول نجله وولي عهده.. والجماهيرية التي بشر بها كمستقبل للبشرية تتمرد على ترسانة الشعارات واللافتات، التي قامت عليها لتكون آخر جماهيرية في التاريخ بعدما تفاخرت بأنها الأولى.

هذا هو القذافي وذلك مصيره المحتوم فما هو مصير القذافيين إن أمكن أن نصدق أن هناك قذافيين، هل يتعلم مثقفو العرب ونخبهم أن تأييد الشعوب ومساندة الحق أجدى وأنفع من مساندة الطغاة واللصوص، مهما عمرت خزائنهم وكثرت عطاياهم.

في بلادنا الشنقيطية بالفعل أظهر المحل والجوع قذافيين كثر.. منهم من أجمل في التقذف ومنهم من ابتغى أكثر فبايع ـ باسم حزبه وبلده ـ الزعيم على المنشط والمكره.. وقد جاء وقت المكره!
في النهاية ـ ولو في حين آخر بعد هذه الأحداث ـ سيفتقد العالم حاكما من أغرب حكامه وأكثرهم إثارة للجدل والسخرية ولاشمئزاز.


نقلا عن الأخبار