مشاهدة النسخة كاملة : ولادة "شباب 20 فبراير" في المغرب


أبو فاطمة
02-20-2011, 03:38 PM
ولادة "شباب 20 فبراير" في المغرب

الدعوة التي أطلقتها حركة الشباب المغاربة التي أصبحت من الآن تحمل اسم 20 فبراير/شباط، نسبة إلى موعد المسيرة أو المسيرات التي يعتزم أصحاب هذه الدعوة تنفيذها في مجموع التراب الوطني المغربي، لا يمكن تجاهلها أو النظر إليها بعين تبخيسية على أنها مجرد حركة “صبيان” أو قاصرين، فالمثالان التونسي والمصري يرنان في الآذان ويحشدان في العيون آلاف الصور عن صمود الشباب، وكيف أن الدعوات تبدأ صغيرة ثم تكبر وتتوحد تياراتها بسبب المطالب الكبرى التي توحد جميع فصائلها . لكن هل حالة الشبيبة المغربية أو بعضها على الأقل ممن دعا إلى هذه المسيرة الوطنية مختلف عن بقية المشاهد التي كتبها منذ أيام في قرطاج وقاهرة المعز؟ الجواب الطبيعي هو أن الشباب المغاربة أو مطالبهم لا يمكن أن تشكل استثناء، لأنها من صميم الملفات المطلبية في عدد من البلاد العربية، وعلى رأسها مطلب الحريات الأساسية ومطلب الشغل والعيش بكرامة .
ثم لماذا يروج البعض لمقولة الاستثناء المغربي، وعلى أي أساس يستند في ذلك؟ لعل الجواب يكمن في ما ورد في حديث للحبيب المالكي، وهو عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، ووزير سابق في حكومة التناوب التي قادها عبدالرحمن اليوسفي، يقول، مفنداً قصة الاستثناء المغربي “أعتبر أن صيغة استثناء لم يعد لها أي معنى . نحن نعيش في سياق جديد يتميز بعولمة المطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان، والخصوصية أو الاستثناء لا يجب أن يستعمل كذريعة لتبرير نوع من الجمود أو الحفاظ على الوضع القائم، واللجوء الممنهج والتبسيطي لمثل هذه المراجعات يؤدي إلى العمى السياسي، وهذا أمر خطير” .
وربما يكون هذا الرأي والصادر عن القيادي الاتحادي وصاحب التجربة السياسية البارزة من بين أجرأ الآراء وأشدها وضوحاً في المرحلة الراهنة، بل أنه يضيف أن أفضل حصن ليس هو الخوف، بل الديمقراطية هي أفضل حماية .
وعن مطالب الإصلاحات السياسية والدستورية التي ترفعها حركة 20فبراير/شباط الداعية إلى المسيرة الوطنية، يرى الحبيب المالكي أن الملكية البرلمانية مطلب الاتحاد الاشتراكي منذ مدة طويلة، وأن الحزب ومنذ مؤتمره الثامن في 2008 فتح نقاشا حول الملكية البرلمانية، التي يجب أن تكون مرحلة تتميز بتغيير عميق في المؤسسات والاختصاصات، وهو مرتبط أيضا بدور الأحزاب وبالتحولات السياسية والاجتماعية الجارية .
ويمكن اعتبار هذه المواقف الصادرة عن رجل من عيار الحبيب المالكي، محاولة من الحزب في عدم التخلف عن الحركة الجارية داخل المجتمع المغربي واللحاق بها والوجود من داخلها، بعد أن تبين أن أسلوب الهجوم على دعوات بعض المغاربة للخروج إلى الشارع، لا يفيد شيئاً، بل يذهب رأساً في تكريس المطالب التي يرفعها هؤلاء ومنحها المشروعية بحكم واقعيتها، وبالنظر إلى الاستحقاقات الاجتماعية والسياسية التي لم تلق أي جواب في المعالجات الحكومية المطروحة . يقول المالكي “التغيير يلاقي دائماً مقاومات على مستوى العقليات والممارسات . هناك مصالح تتحرك ضد تسريع الديمقراطية . ولكن الثقة في المؤسسات والثقة في دور الأحزاب، والثقة في شبابنا، تسمح لنا بالتحضير للمستقبل على أساس كبير من الاطمئنان” .
المسيرة حقيقة واقعة
على مستوى آخر ، يجري التحرك بسرعة من قبل الحكومة، لضمان تأطير الأحزاب السياسية لهذه المسيرة الشعبية، وعدم ترك الميدان للشباب الداعي للمسيرة كي يستفرد بها، ومخافة أن يجري نزول مكثف وكبير للإسلاميين، وبالأخص جماعة العدل والإحسان، التي عبرت عن مساندتها للحركة الشبيبية التي أطلقت على “الفيسبوك”، وأكدت نزولها إلى الشارع، كما من المحتمل جدا أن ينزل حزب العدالة والتنمية بكل ثقله إلى الشارع، بسبب الضغوط التي تعرض إليها في الآونة الأخيرة، وبالأخص بعد أن جرى اعتقال أحد قيادييه “جامع المعتصم” بتهم الفساد والتزوير، وهي التهم التي يعتبرها الحزب ملفقة وتخدم أجندة سياسية محددة، وتدخل في سياق الضغوط الممارسة على الحزب من قبل أطراف في الداخلية .
وإذا ما جرى تحالف كل هذه الخطوط في مسيرة الأحد المقبل، فإن لا أحد يمكن أن يتكهن بالتطورات التي ستحصل، وخصوصاً بعد أن أرسل الناطق الرسمي باسم الحكومة ما يشبه “الضمانات” إلى الساعين لتنظيم المسيرة، مفادها أنه لن يقع تدخل بالعنف من أجل فض المسيرة طالما أنها تقام تحت الضوابط والشروط المعروفة . ورغم أن الوجوه “الفيسبوكية” الداعية إلى مسيرة الأحد كشفت عن نفسها، أن المؤطرين الحقيقيين يتجاوزون المقدرات الفعلية لهؤلاء الشباب الذي لم يخض في السابق أي شكل من أشكال الاحتجاج، وأن الأيادي المحركة لا شك أنها تملك خبرة كبيرة راكمتها من “أيام الشباب”، في إشارة إلى بعض التنظيمات اليسارية التي يرجح أن تكون الذراع الخلفية للحركة الشبابية تلك .
لكن ماذا تقول هذه الحركة التي تحمل أسماء مجموعات متقاربة من حيث الاسم والداعية إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟
في بيانها الذي يختصر مطالبها تؤكد هذه حركة “شباب 20 فبراير/شباط” أن المغرب يمر بانحباس في تطوره السياسي والاجتماعي يفرض على كل أبناء وبنات الشعب المغربي وقفة وطنية سلمية من أجل التغيير، والاستجابة لنداء الانتفاضات وروح بطولات الشعوب بتونس ومصر واليمن والأردن .
وانضم إلى هذه المجموعات الشبابية عدد من النشطاء الحقوقيين والنقابيين، في المسيرة المزمع تنظيمها في الرباط للمطالبة ب”الديمقراطية” .
ويعتبر هؤلاء أن مسيرة 20 فبراير/شباط 2011 نقطة نظام لانبثاق الأمل بعد أن تعمق الإحباط، وانتشر اليأس من التغيير والإصلاح السياسي . ويشير البيان الصادر في هذا الصدد إلى أنه “بعد عقد من انتظار تحقق شعارات العهد الجديد، والمفهوم الجديد للسلطة، والإصلاحات الكبرى، تأكد أن اختيارات الدولة وممارستها لن تتغير بالانتظار أبداً . وأصبح النظام أكثر إصراراً على رفض الإصلاحات السياسية والدستورية الكفيلة وحدها بإرساء دعائم دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية، واستمرت الانتهاكات الجسيمة وغير الجسيمة لحقوق الإنسان، والاعتقالات التعسفية، والمحاكمات الصورية، وتم التضييق بشكل ممنهج على حرية التعبير والصحافة، وأصبح معتاداً القمع العنيف للاحتجاجات السلمية للحركات الحقوقية والعمال والمعطلين وعموم المواطنين الذين تضطرهم ظروف حياتهم القاسية للاحتجاج” .
ويرى البيان أنه بدل تأصيل الديمقراطية، عادت الدولة إلى قاموسها اللاديمقراطي القديم وخلقت حزب أغلبية جديداً دعمته بكل الوسائل بما فيها تجنيد رجال السلطة وخرق القانون وتوظيف القضاء لنصرة الحزب الجديد وبسط سيطرته على الحياة العامة وكل المجالس والمؤسسات . واستمرت الدولة في التحكم في سير الانتخابات وتجويف المؤسسات .
ويشير البيان إلى أن هذه المسيرة هي نقطة نظام على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . فالأرقام والمؤشرات تدحرج المغرب في سلم الترتيب الدولي في ميادين التعليم والصحة والتكنولوجيا والدخل الفردي والتنمية البشرية والتجارة الخارجية ومناخ الأعمال والاستثمار والتنافسية الاقتصادية وحرية الصحافة والشفافية والحكامة .
وتعتبر أن هذه هي بداية استرجاع زمام المبادرة، من قبل الشعب المغربي عبر إصلاح عميق للنظام السياسي بتحويل الملكية المطلقة إلى ملكية برلمانية يؤطرها دستور ديمقراطي يضمن للشعب المغربي حقه في أن يكون مصدر السلطة وممارسة سيادته كاملة عن طريق هيئات تمثيلية منتخبة انتخاباً حراً ونزيها، تنبثق عنها حكومة مسؤولة عن وضع السياسة العامة للبلاد، وتنفيذها في كافة المجالات، يقر فصل السلطات، واستقلال القضاء، ويقنن شروط التداول الديمقراطي على السلطة، ويضع مبادئ احترام الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان . وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني باعتماد استراتيجية اقتصادية جديدة منطلقها توفير شروط ومقومات إقلاع اقتصادي حقيقي، يضع حداً لاقتصاد الريع ويمكن من إعادة توزيع الثروة الوطنية على قواعد الإنصاف والعدالة الاجتماعية، ويستجيب لتلبية حاجيات المواطنين والمواطنات في السكن اللائق والصحة والتعليم والنقل وباقي الخدمات الضرورية للعيش بحرية وكرامة .
وتحرير الإعلام العمومي من الوصاية الخانقة للدولة، ليتحول إلى إعلام يعكس تعددية المجتمع المغربي السياسية والثقافية واللغوية، وليمارس مسؤوليته في متابعة أداء السلطات الثلاث الأخرى بحريه ونقل هذا الأداء إلى الشعب مصدر السلطات . وتطالب هذه الحركة بحل البرلمان الحالي بمجلسيه، وإقالة حكومة عباس الفاسي، وتغييرها بحكومة ائتلاف وطني تعمل على توفير الشروط لانتخابات تشريعية في أجل لا يتعدى ستة أشهر، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين والحقوقيين، وإحداث هيئة لوضع مشروع دستور جديد للبلاد يتماشي مع قيم الديمقراطية الحقيقية ويتم من خلاله الاتفاق على القيم الأساسية التي ترتكز عليها الدولة، وتمكين المغرب من نظام سياسي برلماني يضمن للشعب أن يستعيد حقوقه وحرياته في إبداء الرأي ويقرر ما يراه في إدارة شؤون وطنه، والعمل على تنفيذ تطبيق كافة توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وإحداث هيئة وطنية للتحقيق في كل جرائم الفساد والثراء غير المشروع وتبديد ونهب أموال الشعب وأصول الدولة وتقديم كل المتهمين للمحاكمة العادلة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة باسترداد ما نهب من موارد البلاد وثرواتها . وإحداث هيئة لمراجعة قانون الأحزاب ومدونة الانتخابات، لتحقيق شروط التنافس الديمقراطي والتكافؤ بين الأحزاب . ووضع الآليات القانونية لضمان عدم تدخل السلطة التنفيذية في الانتخابات وإحداث هيئة مستقلة للسهر على العمليات الانتخابية .
الدستور، تعديل أم تغيير؟
ويبدو النهج الديمقراطي صريحاً في موقفه الراديكالي الداعي إلى التغيير، وذلك بتفكيك الأجهزة المخزنية للدولة وعلى رأسها الأجهزة القمعية السرية والموازية واعتماد الشفافية ودولة الحق والقانون في الحفاظ على الأمن، وجهاز السلطة لوزارة الداخلية وإعادة بنائها بما يرفع يدها عن باقي الوزارات والمرافق ويجعلها في خدمة المواطن، وجهاز القضاء وإعادة هيكلته بما يضمن استقلاله التام عن السلطة . هذا ناهيك عن إقالة الحكومة وحل البرلمان الذي لا يمثل قطعاً الإرادة الشعبية، ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم السياسية المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الاقتصادية المرتبطة بسرقة خيرات البلاد وتبذير المال العام ومصادرة ممتلكاتهم، والمطالبة بتغيير جذري للدستور، بوضع دستور ديمقراطي يجسد إرادة الشعب باعتباره صاحب السيادة ومصدر كل السلطات، يضمن فصلاً حقيقياً للسلطات، يعترف بالثقافة واللغة الأمازيغية باعتبارهما ثقافة وطنية ولغة رسمية، يساوي فعلا بين المرأة والرجل في جميع الحقوق والواجبات وعلى جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما يدعو الحزب إلى إقامة سلطة ديمقراطية محلياً وإقليمياً وجهوياً ووطنياً تعتمد مبدأ الانتخاب في إطار دولة الحق والقانون وإقرار جهوية ديمقراطية تتمتع فيها الجهات بصلاحيات حقيقية في التقرير والتنفيذ متفاوض حولها مع السلطة المركزية مع إعطاء أقصى حد ممكن من التسيير الذاتي على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية للمناطق التي تتمتع بشخصية متميزة تشكلت خلال السيرورة التاريخية للمغرب . بالإضافة إلى مطالب اقتصادية واجتماعية مع الدعوة إلى بناء جبهة وطنية للنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية على أرضية برنامج حد أدني ديمقراطي . وهم مطمح لا يمكن تجسيده اليوم بسهولة، نظراً إلى الحالة التي توجد عليها القوى السياسية في البلاد، بينما سارعت أكثر من جهة نقابية إلى الإعلان عن وقفات محلية في عدد من المدن المغربية الرئيسية، في إشارة إلى الجو العام الإيجابي الذي يخيم على مسيرات 20 فبراير/شباط التي انطلقت فكرته من الفيسبوك، لكنها إشارة تخفي شيئاً مهماً، وهو ضعف آليات التنسيق في هذه المرحلة الأولى من الاحتجاج الاجتماعي في المغرب ووجود رغبة في القفز على المكتسبات المفترضة لهذه الحركة الاحتجاجية التي لم تر النور بعد .

نقلا عن دار الخليج