مشاهدة النسخة كاملة : هل لا يزال يفيدنا الاشتعال؟ (عبد الله العالم )


أبو فاطمة
02-20-2011, 10:37 AM
هل لا يزال يفيدنا الاشتعال؟ (عبد الله العالم )

عندما كتبت في حلقة سابقة، بان هجوم النعمة يدعونا إلي الانخراط في مسلك وطني يتجاوز الإدانة إلي ديناميكية كفاحية يسمو بها ألمها إلي مرحلة التضحية.، إذ لم يعد السب يكفي لصد الرياح التي تذر الرصاص، أجابتني بعض النخب بالإمعان في تبادل التجريح وسب المنافس، فكانت عملية الرياض وإضرام يعقوب ولد دحود النار في نفسه أمام مجلس الشيوخ بمثابة الرد النسقي الذي أبانت عنه الإحداث ........ فهل نحن متعظون؟ .... وهل نحن حقا حماة وطن.... أم خالقي أرباب جدد؟.
لسب ادري؟
غير أن حوادث الرياض ومجلس الشيوخ وأخيرا فصالة ثم باسكنو، وبقدر ما تدعونا إلي الاتعاظ ، لتلزمنا بمعالجة ظاهرة الإرهاب الداخلي التي طالما مارستها النخب المزيفة عن طريق اجترار محاربة الكفاءة والإمعان في الحرمان الذي من رحمه يولد المتطرفون.
إن هذه النخب ذات الوهج التايواني مطالبة الآن بالكف عن المغالطة والمشاركة الفعالة في عملية الإصلاح، الذي طالما تضرر المطالبون به من قرصنة تمارس الكذب المفضي إلي الخواء السياسي الآئل إلي تحكم الرداءة.
وإذا كانت هذه النخب لا تحصد إلا بقدر ما تغالط،فان سلامتها اليوم مرتبطة بما تنتج من الانعتاق من مكاسبها الآثمة.
علي هذه النخب - والحال هذه- التخلي عن فكرة الجمركة التي لا تروم إلا الحماية، بقطع النظر عن الاستمرارية وما يتطلبه ذلك من إتقان...
عليها إذن، تجاوز تقنية السير في ظلال المنفعة و التفكير في انتهاج سياسة تشجع التفاعل وتلاقح الأفكار التي لا تخاف التنافس لكونها تعتمد الجودة وتوطد الثقة في المنتوج.
إن تعزيز اللحمة الاجتماعية في ظل جوار ثوري شديد الاشتعال، وغداة فاجعة بدء تساقط الضحايا، يفرض علينا، التأمل فيما أوصلتنا إليه فلسفة الطواحين الساعية إلي حجب الشمس بالغربال والقائمة علي تخويف السلط المتعاقبة من الكفاءات والخبرات الوطنية الرافضة للهوان السياسي الذي علمنا التاريخ إلي أين يوصل
إن إعادة اجترار اسطوانة الرجل الضرورة، ذي التوجيهات النيرة الذي لا تحسن النخب العربية غيره ، هو كفر سياسي بواح وتوجه خطير يحور فكرة الدولة إلي مجرد نظام للنهب وتعطيل المطالبة بالإصلاح.
فهل هذا هو ما ينقصنا؟
لست ادري؟
علي النخب أن تجيب علي الأسئلة المحرجة التي تلتقطها من أحاديث الأطفال في مدارسهم، والأمهات في البيوت ، تلك الأسئلة التي ترسم حقائق رهيبة علي حائط الأخلاق المنهار بفعل تواصل التزييف.
ولقد وصل الأمر حد إشعال الناس أنفسهم في مشهد،فاجعي، يشي بحرمان الضعفاء و تدني العفة لدى أصحاب النفوذ ، وهذا غريب ومشين
و مجال الاستغراب ، ليس فعل التضحية الفائق الشجاعة كما قام به يعقوب ، وإنما عمق القناعة ورسوخ الإيمان بجدوائية ممارسة اليأس ، كما يستشف من الإحداث المتلاحقة هنا في انواكشوط وعلي وقع شتاء فصالة
غير انه مهما يكن، إيغار الشرخ الاستفهامي لهذه الأفعال، فان السؤال المناسب الآن هو كيفية اكتساب القدرة العقلية الضرورية لمواجهة تجويف السياسات
فلماذا لا تخلق سياسة مكافحة الفساد، منظومة متطورة تحول دون استفراد المسيرين بما يمكن أن يعتبره المرء نصيبه من الثروة الوطنية؟
ولماذا لا تحد هذه السياسات من سلطان إرادة الإداريين والعاملين الجدد علي هامش الاستنفاع من الجاه الانتخابي ؟
ولماذا لا تحول فلسفة الانحياز إلي الفقراء والمستضعفين دون تدمير جزء من المقدرات القومية للأمة التي تم إشعالها في مركز فصالة الإداري تعبيرا عن رفض حياة لا تضمن الحد الأدنى من الكرامة ؟
فالاشتعال، الذي هو ثقافة أزلية مارستها الشعوب للتعبير عن الخنق وعدم الاستعداد للاستمرار في المهانة ،يعود للواجهة في هذه الأيام الرديئة من زماننا العربي المكلوم
ولقد ظهر الاشتعال أول ما ظهر كنمط تعبيري لدى الشعوب السلتيةCeltes وخصوصا الغاليون Gaulois الذين هم فرسان تعرضوا للظلم ومن ثم السيطرة الرومانية العنيفة علي منا طقتهم التي قسمها الإمبراطور أغسطس 500 سنة قبل الميلاد
وعلي الرغم من تدني التدين ، يضفي الغاليون هالة من الطقوس علي الاشتعال تلبسه اللبس الروحي و هو ما يتقاطع في أجزاء متعددة مع ما قام به يعقوب ولد دحود مؤخرا أمام مجلس الشيوخ
فمن هذه الطقوس أن الإنسان يحترق داخل بيته ، ولان بيت يعقوب غمرته مياه آفطوط الساحلي - بفعل سوء تسيير المشروع- ،فقد استعاض عنه بالسيارة
ومن الطقوس كذلك صب الخمر علي البدن، وهو ما قام به يعقوب، لكن بواسطة بالبنزين، ربما لأسباب دينية .
غير أن الأهم هو أن نعرف ما إذا كنا راغبين في الفهم ؟ والي أي حد نحن مؤمنون بقيم الحق؟ أم هل نحن مجرد عابثين؟
لست ادري؟
إلا أن الأحاديث المتداولة علي الانترنيت بخصوص ما يجري في فصالة لا تبشر بان النخب استوعبت الدروس
فمحاولة إلغاء المسؤولية علي جناح وتحميله الوزر كله ،تبدوا أيسر الحلول في الوقت الراهن ،لكنها الأقل مرد ودية من الناحية الإستراتيجية
فما الفرق بين أن يكون العمدة هو المسؤول عما يجري؟ أليس العمدة احد أفراد هذه النخب المزيفة التي بلينا بها؟ ، ومن جعل من العمدة عمدة؟
وماذا يفيد أن يكون الأمر مجرد خلاف قبلي علي نقطة ماء ؟ فمن هم القادة القبليون ومن جعل منهم قادة ومنحهم الزخم الانتخابي؟
كيف يمكن أن نبرر انعدام الكفاءة وركاكة السلوك الإداري ، بتقنين استقالة الدولة وفتح المجال لسيادة مفاهيم غابرة، كالقبلية التي قضينا عليها في الستينيات، ثم أعدنا إنتاجها ، في مسعى الولاء لأنظمة الاستبداد اللاحقة كي يتم استغلالها في إطار البحث عن شرعية الاستثناء و التخلي عن الوطنية وحصار المتميزين
إنما ألحقته بنا تلك الخُطب كلفنا الكثير، وسيكلفنا أكثر، غير أن الموضوع الآن ليس هذا
فالأخبار الواردة من فصالة وان كان الإنصاف يقضي باعتبارها أنباء، وليست معلومات دقيقة ، تنبئ في جميع الأحوال بفداحة نتاج دمار النخب المزيفة والتي ستتفنن في التنصل من المسؤولية ، في مشهد سريالي شديد البؤس لا يقيم وزنا للتبعات الخطيرة للحدث
وسيكون التنصل غامطا لحقائق المنظفة ذات الوضعية الشديدة الخصوصية ، لكونها:
- منطقة حدودية، تفترض فيها حساسية الولاء،
- ولكونها منطقة محاذية لحزام التطرف وتجارة الممنوعات
- وأخيرا لكونها منطقة يفترض أن احد أبنائها يقود الحكومة
فهل يعقل أن لا تكون الحكومة، والتي أعطت نصيبا معتبرا من التعيينات لتلك المنطقة، علي دراية بما يجري في افقها؟
ولماذا لا يملك المعينون البعد السياسي الذي يضمن لهم القدرة علي التنبئ بما حصل واستباقه، إذا كانوا عاجزين عن السيطرة المستمرة علي المشهد؟

نقلا عن الأخبار