مشاهدة النسخة كاملة : بعد ابن علي ومبارك. . . الحكام العرب إلى أين؟ (عبد الله السالم بن محمد يحيى)


أبو فاطمة
02-19-2011, 04:22 PM
بعد ابن علي ومبارك. الحكام العرب إلى أين؟ (عبد الله السالم بن محمد يحيى)

أثارت الأحداث الدرامية التي جرت في تونس تساؤلات حول مصير الحكام العرب وكثير منهم حكام طاعنون في السن، مستبدون طال عليهم العهد، وهم متشبثون بكرسي الحكم.وبعد أن راهنت أبواق الدعاية الرسمية على أن ما حدث في تونس "يحفظ ولا يقاس عليه" ، جاء الرد سريعا؛ فقد لحق "مبارك" ب"ابن علي" في أقل من شهر، وبطلت مقولة "أبي الغيط" بأن من يتصور أن ما حدث في تونس يمكن أن يحدث في مصر واهم؛ وعن قريب ستبطل مقولة "إن تونس ومصر نموذجان شاذان".
بعد سقوط ابن علي ومبارك يتساءل الكثيرون: على من يأتي الدور الآن، في ظل الاحتجاجات التي تشهدها ليبيا والبحرين واليمن ، والتي بدأت تنتقل بسرعة إلى دول أخرى، خاصة وأن من بين حكام العرب من يحكم منذ ما قبل مبارك وابن علي. لا شك أن هؤلاء يعيشون الآن في وضع لا يحسدون عليه، وأن مقولة "الشعب يريد إسقاط الرئيس" تنطبق على شعوبهم؛ في حين أن حكاما آخرين حديثي عهد بسلطة يستطيعون استيعاب الدرس، والتفكير بعقلية جديدة تجعلهم يتخذون قرارات إصلاح جريئة، ويكتفون بفترات محددة دستوريا حتى لا تملهم شعوبهم. فمن هم أولئك ومن هؤلاء؟ هذا ما نجيب عليه مرتبين الجميع حسب أقدميتهم في الحكم.
القذافي عميد الحكام العرب
أقدم الحكام العرب هو الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، بل إنه ثاني أقدم حكام الأرض بعد الرئس المالديفي مأمون عبد القيوم. وهو يحكم ليبيا منذ 1 /9 / 1969 م بعد أن أطاح بالملك إدريس السنوسي الذي كان وقتها خارج البلاد، ولم يكن يتصور أن سقوطه سيتم على يد شاب من صغار الضباط.
القذافي رجل أثار جدلا واسعا بسبب تصريحاته الخارجة عن المألوف، ومواقفه التي توصف من قبل خصومه بالمتناقضة. فالرجل كان في الثمانينات عدو أمريكا، إلى حد أن الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان، وصفه بأنه "أخطر رجل في العالم"، وهو وصف لم تطلقه إدارة بوش على ابن لادن، ووصل الأمر بالأمريكان حد القيام بغارات جوية على ليبيا، وكاد القذافي يدفع حيلته ونظامه ثمنا لمواقفه، وتم فرض عقوبات على بلاده؛ لكن القذافي انتهج منذ تسعينات القرن20 نهجا تصالحيا، من خلال التعاون في قضية "لوكربي"، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل، وتحسين العلاقات مع الغرب. وبعد أن كان القذافي "أمينا على القومية العربية" وخاض تجارب وحدوية مع دول عربية لم يكتب لها النجاح تحول إلى التبشير بالولايات المتحدة الإفريقية، مرورا بالقيادة الشعبية الإسلامية.
ينظر القذافي بترقب لأحداث تونس ومصر التي يبدو أنها انتقلت إلى ليبيا من خلال المظاهرات العنيفة المطالبة بتنحيه، رغم أن القذافي يرى أنه في مأمن من العاصفة ذلك أن "كتابه الأخضر" و"نظريته العالمية الثالثة" قد حلا مشكلة السلطة في ليبيا، وأن السلطة بيد الشعب، بل يذهب أنصاره إلى أنه لا يوجد في ليبيا شيء يسمى بنظام القذافي، فهو مجرد مواطن عادي منذ سلم السلطة للشعب عام 1977 م؛ إلا أن خصومه يقولون إن هذا مجرد خداع، فالقذافي عندهم يحكم بنظام الحزب الواحد يسميه بغير اسمه، وهم يرون أن سقوط نظامه حتمي، فـ"مبارك" عن يمينه، و"ابن علي" عن يساره، وليس أمامه خيار غير ترك السلطة. وهكذا فإن الاحتجاجات المتصاعدة في الجماهيرية حاليا تحركها المعارضة الليبية التي ترغب في أن يكون الدور على القذافي الذي هلل كثير من أنصاره لسقوط جاره مبارك .
قابوس السلطان الهادئ
ثاني حكام العرب هو قابوس بن سعيد سلطان عمان الشيخ الأزدي الذي يحكم السلطنة منذ عام 1972 م بعد خلع والده. لا يبدو السلطان الهادئ الذي يعرف بعدم حب الظهور خائفا مما يجري حوله، فالمذهب الإباضي الذي تكاد عمان تنفرد به يوفر لها حصانة من المد الشيعي القادم من الجوار الإيراني، والمد السني القادم من الجوار العربي. أما الديمقراطية فإن البرلمان العماني الذي يتطور بمرور الزمن يمثل خطوة في طريق الإصلاح السياسي، وفضلا عن هذا فإن السلطان يقيم علاقات دولية متوازنة تجعله في مأمن من التجاذبات الدولية، بعد أن كان تمكن في سبعينيات القرن الماضي من إنهاء تمرد شيوعي مدعوم من اليمن الجنوبي السابق.
علي عبد الله صالح: تكاثرت الظباء على خداش.
لم يكن علي عبد الله صالح في عام 1978 سوى قائد عسكري عادي. لكن اغتيال سلفه أحمد حسن العشمي الذي اتهم حكام الجنوب الماركسيون به كان سببا لصعود هذا الضابط الشاب الذي ينحدر من قبيلة همدان ومن فرع حاشد تحديدا، لم يكن أحد يتوقع استمرار حكم الرئيس صالح هذه الفترة في بلد لم يشهد الاستقرار منذ سقوط حكم الإمامة. غير أن تحالف صالح مع الإسلاميين وزعماء العشائر مكنه من توطيد حكمه، حتى تمكن من توحيد شطري اليمن تحت حكمه في عام 1990 م وفي ظل نظام ديمقراطي، لم يلبث أن تعرض لتحديات أخطرها الحرب الأهلية التي كادت في عام 1994 أن تقضي على وحدة اليمن، وهي الحرب التي استغل صالح انتصاره فيها للانفراد بالحكم، والسعي لتوريثه، مما أدى إلى الأزمة الحالية.
يواجه رئيس اليمن أزمات عدة فالحراك في الجنوب والحوثيون في الشمال، والقاعدة في كل مكان، والمعارضة في الشوارع. الكل يمثل تحديا لنظام بات يدرك أن أيامه في السلطة باتت معدودة؛ فهو يحاول أن يكون خروجا مشرفا، لذا أعلن أنه لن يرشح نفسه لولاية جديدة، وأنه لن يورث الحكم لابنه. لكن هذا لم يوقف المظاهرات الشعبية التي تطالب برحيله الآن وليس غدا.
عمر البشير: هواجس ما بعد الانفصال.
لم يكن عمر البشير نشازا في تاريخ السودان. الذي امتاز تاريخه الحديث بتعاقب حكم طبقة سياسية مدنية تعتمد على مرجعية تاريخية لا تمكث في الحكم حتى تسقط بحكم عسكري مستبد، يمكث طويلا، ثم يتخلى عنه الجيش وهكذا. غير أن البشير يمتاز عن أسلافه بطول فترة حكمه، فهو يحكم السودان منذ 1989 حينما وصل إلى الحكم عبر انقلاب أطاح بحكومة الصادق المهدي، تعبيرا عن غضب الجيش من فشل الحكومة المدنية إزاء الانتصارات التي حققها متمردوا الجنوب. غير أن البشير لم يستطع إخماد التمرد الجنوبي، بل إن النتيجة كانت انفصال الجنوب، الأمر الذي لم يكن في بال حكومة "المهدي" يوم انقلب عليها البشير.
خصوم البشير يرون في فشل البشير في الحفاظ على وحدة السودان سقوطا لشرعية نظامه الانقلابي في نظرهم، وهم يتخوفون أن تؤدي الحرب في دارفور إلى انفصال غرب السودان. لهذا فهم يتربصون الدوائر بنظام الخرطوم، متمنين أن تصل إليهم عدوى الثورة في مصر المجاورة؛ معولين على أن النظام السوداني ـ خلافا للمصري ـ مغضوب عليه أمريكيا، وأن قائده مطلوب دوليا من قبل محكمة جرائم الحرب. غير أن البشير يصر على التحدي، ويحذر من محاولة تحريك الشارع ضده، رافضا إشراك معارضيه في الحكم، معتمدا على دعم الجيش له، مراهنا على التفكك العرقي في السودان، باعتباره كفيلا بإفشال أي تحرك ضد نظامه، الذي فقد كثيرا من حلفائه السياسيين، وأهمهم د حسن الترابي الذي كان ينظر إليه لفترة طويلة على أنه حاكم السودان الفعلي، قبل حصول طلاق بائن بينه وبين البشير، وصل حد اعتبار الترابي أشد خصوم البشير عداء له.
حمد بن خليفه... أمير الجزيرة .
يعتبر حمد بن خليفة أمير قطر خامس حكام العرب، إذ يحكم هذا الفتى التميمي هذه الإمارة الخليجية الصغيرة الغنية بالنفط منذ عام 1994منذ خلع والده . غير أن هذا الأمير لا يخشى من عدوى الثورات؛ فالأحوال المعيشية في بلده جيدة، يضاف إلى هذا أنه رجل منفتح على الرؤى الإصلاحية، بل هو أكثر رغبة في التغيير حتى من شعبه، لهذا فقد جعل من قطر الدولة العربية الأولى في حرية الإعلام، وجعل من قناة "الجزيرة" أهم وسيلة إعلامية يستغلها دعاة التغيير، إلى حد أن حكام العرب يتهمونها بأنها أداة قطرية تستخدم لتقويض الأنظمة. وفوق هذا وذاك فقد شهدت قطر إصلاحات سياسية منحها الأمير لشعبه دون أي مظاهرة. ومن شبه المؤكد أن إصلاحات أخرى ستتم قبل أن يطالب بها المواطن في بلد سني محافظ، لا يهتم سكانه بالسياسة، ولا يعانون من أي ظلم أو استبداد أو فقر، في وقت جمعت فيه قطر المتناقضات فهي من محور الاعتدال بحكم إجراءها اتصالات علنية مع إسرائيل، واحتضان قاعدة السيلية، وهي من محور الممانعة بحكم موقفها في الحرب على غزة، ورعايتها لقناة الجزيرة.
عبد الله بن الحسين والخيارات الصعبة
الحاكم السادس هو ملك الأردن عبد الله الثاني الذي ورث العرش الهاشمي عن والده في مطلع عام 1999 . رغم أنه لم يكن وليا للعهد ، إلا قبل وفاة أبيه بأسابيع قليلة . يرى كثيرون أن مستوى الحريات قد تراجع في عهده، ويشكو بعض الأردنيين من سوء الأحوال، في حين تتهم المعارضة الحكومة بتزوير الانتخابات، وتطالب بإصلاحات سياسية، تمهد لنظام ملكي برلماني، وتعديل القوانين الانتخابية التي تحد من فاعلية الأحزاب السياسية، وتضمن سيطرة الحكومة من خلال هيمنة المستقلين الذين أصبحوا بمثابة حزب للسلطة. ورغم أن المظاهرات الشعبية في الأردن لم تصل حد المطالبة بسقوط الملك، بل حملت المسؤولية للحكومة؛ إلا أن المراقبين يرون أن الشارع الأردني مل من الحكومات التي تمكث أشهرا معدودة دون أن تحقق تطلعاته؛ لذا فهم يرون وجوب إصلاح سياسي حقيقي. غير أن الإصلاح المنشود قد يؤدي إلى نظام برلماني يؤدي إلى قيام حكومات حزبية تسحب السلطة من القصر الملكي، في وقت ينظر فيه الغرب بقلق تجاه أهم هذه الأحزاب وهو "جبهة العمل الإسلامي" الذي يخاف الغرب من وصوله إلى السلطة، مما يهدد معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل.
حمد بن عيسى ... والمعادلة الطائفية
لم يمض شهر على وصول الملك عبد الله إلى عرش الأردن حتى توفي أمير البحرين عيسى بن سلمان آل خليفة في وقت كانت فيه أصغر الدول العربية مساحة تشهد احتقانا سياسيا ناتجا عن انتفاضة شيعية تطالب بحكم برلماني. لم يتأخر الأمير الجديد ـ الذي تحول إلى ملك ـ حمد بن عيسى كثيرا، حتى استجاب لهذا المطلب، فتم إقرار دستور أدى إلى قيام انتخابات برلمانية جعلت البحرين في مقدمة دول المنطقة ديمقراطيا. غير أن تطور الحياة البرلمانية جعلت القوى السياسة في البلد ، وخاصة القوى الشيعية تطالب بالمزيد. فبرزت مؤخرا الدعوة لانتفاضة تهدف إلى إصلاح دستوري يحول المملكة إلى نظام برلماني، تكون الحكومة فيه منبثقة عن الانتخابات، يكون بديلا عما هو جار به العمل في البلاد، التي تحكمها حكومة معينة من الملك، تهيمن فيها أسرة آل خليفة على وزارات السيادة. مشكلة البحرين أنها دولة تعاني من الصراع الطائفي بين السنة والشيعة. وإذا كان الشيعة يمثلون الأكثرية ـ حسب وجهة نظرهم ـ فإن السلطة السياسية تهيمن عليها الطائفة السنية. هذا الصراع يخشى من تجدده في حال استمر الشد والجذب بين السلطة والمعارضة في البحرين.
غيلا... الثورة قادمة
إذا كان حكام العرب وصلوا للحكم عبر الانقلاب أو موت الحاكم السابق؛ فإن الأمر في جيبوتي يختلف عن ذلك. فرئيسها الحالي عمر عيسى غيلا وصل إلى الحكم سنة 1999 بعد اعتزال أبي الأمة حسن غوليد الذي كان يرأس البلاد بعد استقلالها، لكنه قرر في تلك السنة عدم الترشح للحكم، تاركا السلطة لصديقه غيلا في مشهد غير مألوف عربيا. لكن غيلا قرر أن يستمر في الحكم، معتمدا على الدعم الفرنسي، غير أن آلاف الشباب خرجوا هذه الأيام إلى شوارع الدولة الصغيرة للمطالبة بسقوط الرئيس، مما يعني أن جيبوتي قد تشهد تغييرا سياسيا في الأيام المقبلة، قد يضع حدا لحكم الحزب الذي أدار دولة يغلب عليها العرق الصومالي.
بوتفليقة... بقية من عهد بومدين
رغم أن بو تفليقة هو تاسع حكام العرب حاليا، فقد وصل إلى الحكم سنة 1999 إلا أن خصومه يجعلونه في صف الجيل التقليدي من حكام العرب. فهذا الشيخ المسن هو امتداد في نظرهم لنظام بو مدين، الذي يفخر أنه كان الرجل الثاني فيه. وفوق هذا فهو لا يعدو ـ في نظرهم ـ أن يكون حاكما لا حول له، فحكام الجزائر الفعليون هم مجموعة من الجنرالات دأبوا على ممارسة السلطة عبر واجهات مدنية منتخبة انتخابات يشكك المعارضون في مصداقيتها، منذ ألغى الجيش نتائج الانتخابات التي كادت توصل الإسلاميين للحكم سنة 1992 . وينقم خصوم بوتفليقة عليه احتفاظه بالجنرالات، وفشله في تحويل قانون الوئام إلى مصالحة وطنية حقيقية، واحتفاظه بنظام الطوارئ المفروض منذ 1992 ، كما ينقمون عليه رغبته في الاستمرار في الحكم من خلال التعديلات الدستورية التي سمحت له بالترشح دون حدود. لهذا ظهرت الدعوات منذ نجاح ثورة تونس للقيام بمظاهرات تهدف إلى الإطاحة بالنظام، لكن الاستجابة لهذه الدعوات كانت محتشمة، إلا أن المراقبين يعتقدون أن المشهد الجزائري حافل بالمفاجئات التي تعود الجزائريون عليها. وفي انتظار ذلك نجد النظام لجأ إلى سياسة العصا والجزرة، فقد تصدت قوات الأمن بشدة للمظاهرات الصغيرة التي حدثت حتى الآن، وفي الوقت نفسه وعد النظام برفع حالة الطوارئ في غضون أيام.
بشار ...الولد سر أبيه
يعتبر بشار الأسد عاشر حكام العرب الحاليين. فقد وصل إلى الحكم بعد وفاة أبيه المفاجئة سنة 2000 ، ولا ينسى خصومه كيف تم تعديل الدستور السوري خلال ساعة واحدة بعد وفاة الأسد الأب، ليتمكن بشار من خلافته، فاتحا الباب للحكام العرب، ليبشروا بما سماه البعض ب"الجملوكيات" من خلال تمهيد السلطة لأبنائهم من بعدهم، وهو ما فشل في تونس ومصر، والحبل على الجرار. يرى الكثيرون أن بشار الأسد يمثل المقولة "الولد سر أبيه"، فبالنسبة لأنصاره، فهو يسير على نهج أبيه في دعم المقاومة، والتصدي للمخططات الصهيونية في المنطقة؛ في حين يرى خصومه أنه امتداد لأبيه من حيث استمرار حكم حزب البعث، وحكم حالة الطوارئ. لهذا يستغل خصومه الظروف الحالية في العالم العربي للتحضير لانتفاضة على النمط المصري السوري، وهو ما يلقى ترحيبا من القوى الغربية ومن إسرائيل، وذلك في محاولة للتعويض عن سقوط النظام المصري. لكن بعض قوى المعارضة السورية ـ وخاصة الإخوان المسلمين ـ ترى أن من الممكن أن يتم إصلاح النظام من داخله، لهذا عبر هؤلاء عن رغبة في الدخول في حوار مع النظام بهدف التغيير السلمي، وهو ما لم يحدث بعد.
محمد السادس...والتحول المنشود
وصل ملك المغرب محمد السادس إلى العرش بعد وفاة والده الملك الحسن الثاني سنة 2000 ، في وقت كان المغرب يخطو فيه خطوات نحو المزيد من الملكية الدستورية، بعد أن جرت إصلاحات مكنت من وصول المعارضة السابقة إلى الحكم في إطار ما عرف بحكومة التناوب. وقد تعزز ذلك في عهد محمد الثاني، حيث ضمنت الانتخابات التي جرت بشكل شفاف إلى وصول حزب الاستقلال بقيادة "عباس الفاسي" إلى قيادة الحكومة. غير أن عددا من القوى المغربية لا تزال تطالب بالمزيد من الإصلاحات بغية الوصول إلى حكم ملكي برلماني كامل، كما ينتقد هؤلاء ما لوحظ من تراجع في حرية الصحافة في عهد الحكومة الحالية، كانت قناة "الجزيرة" أبرز ضحاياه. كما أن هناك حركات سياسية تشكو من عدم الترخيص لها بالعمل السياسي، هذا إلى جانب بعض التوترات الاجتماعية في بعض أحياء المدن الفقيرة. كل ذلك أدى إلى ظهور دعوات على الفيسبوك ندعو لتحركات واحتجاجات بهدف المطالبة بمزيد من الإصلاحات.
خليفة بن زائد... تحديات ومبادرات
الحاكم الثاني عشر في عالم العرب هو خليفة بن زائد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي وصل إلى الحكم بعد وفاة والده سنة 2005 ، الذي أسس دولة اتحادية من سبع إمارات خليجية، حافظ على تماسكها رغم خلافات حدثت بينها في المراحل الأولى، بل وخلافات على السلطة في بعض منها، لكن الشيخ زائد استطاع بحكمته حل تلك الخلافات عبر الحوار؛ ويبدو أن ابنه يسير على النهج نفسه. وهناك بعض العوامل التي تطمئن رئيس دولة الإمارات، أهمها المستوى المعيشي الجيد لسكانها؛ لكن هناك تحديات تواجه الدولة أهمها: أزمة دبي المالية، والوضع في المنطقة، حيث يوجد نزاع مزمن بين الإمارات وإيران على ثلاثة جزر في الخليج. أما على مستوى الإصلاح السياسي فإن رئيس دولة الإمارات أعلن عن خطوات تستهدف توسيع المشاركة الشعبية في الحكم من خلال تحويل البرلمان من مجلس معين إلى برلمان منتخب، الشيء الذي يتوقع أن ينال رضا الرأي العام، تضاف إلى الحرية الإعلامية الواسعة.
محمود عباس... السلطة الوهمية
لم يكن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يتوقع أن يكون محمود عباس أبو مازن خليفة له في قيادة الشعب الفلسطيني، لكن يد الاغتيال الصهيوني لكوادر حركة فتح دفع بالرجل المنحدر من مدينة صفد داخل الخط الأخضر إلى الواجهة. فبعد أن رفض فاروق قدومي الرجل الثاني في فتح التوقيع على اتفاق أوسلو حل محله أبو مازن، الذي بات ينظر إليه على أنه الرجل المرغوب أمريكيا وإسرائيليا لخلافة عرفات؛ الشيء الذي حصل بعد وفاة عرفات التي يعد سببها لغزا من الألغاز. وهكذا "انتخب" أبو مازن في انتخابات قاطعتها " حماس" سنة 2005 . غير أن المفاجأة هي أن الشعب الفلسطيني انتخب حركة حماس في أول عام 2005 في انتخابات برلمانية شهد العالم على نزاهتها. وضع أبو مازن حكومة حماس في مواجهة أجهزة أمنية يقودها أشخاص مقربون من إسرائيل على رأسهم "دحلان" مما أدى إلى انقسام فلسطيني قسم ما تبقى من الوطن إلى قسمين أحدهما قطاع غزة المحاصر، الذي تحكمه حكومة حماس ، والثاني الضفة الغربية التي تعاني الاحتلال الصهيوني، ويقيم فيها عباس على رأس سلطة وطنية وهمية،رغم أنه أصبح رئيسا منتهي الولاية بحكم القانون الأساسي الفلسطيني، وهو يريد أن تكون سلطته نواة لدولة فلسطينية، يشكك الكثيرون في قابليتها للحياة في ظل غطرسة اليمين الصهيوني الصاعد، وتخاذل الحكام العرب، وضعف المفاوض الفلسطيني التابع لسلطة متهمة بالفساد، والتفريط في المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني، وهو ما أكدته الوثائق التي سربها موقع "ويكيليكس" إلى قناة الجزيرة مؤخرا. في وقت تخشى فيه إسرائيل من انتفاضة فلسطينية ضدها، وضد سلطة "أبي مازن"مما يهدد بسيطرة حماس على الضفة الغربية.
الملك عبد الله... ومستقبل النظام
الملك عبد الله بن عبد العزيز هو الحاكم الرابع عشر في عالم العرب، إذا حسبنا فترته من وفاة أخيه الملك فهد مطلع أغسطس 2005 ، وإلا فإنه كان الحاكم الفعلي للبلاد منذ منتصف التسعينات بسبب مرض أخيه. ورغم دعوات الإصلاح الصادرة عن بعض الأوساط الرسمية، إلا أن الأمر لا يزال في بدايته، فالبرلمان عبارة عن مجلس شورى معين، في حين يتولى افراد من عائلة آل سعود الوزارات الرئيسية في المملكة، وفي وقت يلف فيه الغموض مستقبل الحكم في البلاد، حيث إن الملك يعاني من المرض، وكذا ولي عهده، وعدد من أفراد الأسرة الحاكمة الطاعنين في السن، مما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار، في وقت يرى بعض المعارضين أن السعودية ليست بمنأى عما يجري في المنطقة، ورغم انتقاد الغرب للسياسة الداخلية السعودية، والمنهج "الوهابي" المتبع باعتباره رافدا لما يسميه بالإرهاب؛ إلا أنه يتخوف من البديل المتمثل إما في جماعات سياسية غير راضية عن العلاقات السعودية الغربية القائمة في إطار الدور المحوري للمملكة في محور "الاعتدال"، أو في تنظيمات سلفية مرتبطة بتنظيم القاعدة.
صباح الأحمد... والحراك الديمقراطي المتعثر
الحاكم العربي الخامس عشر أمير الكويت صباح الأحمد الذي تحول من أقدم وزير خارجية في العالم إلى أمير لهذه الدولة التي كان ينظر إليها على أنها أكثر أنظمة الخليج ديمقراطية. لكنها مع ذلك تشهد بين الحين والآخر احتجاجات تطالب بالانتقال إلى النظام الملكي الدستوري بشكل كامل. وتنظر المعارضة في الكويت إلى أن النظام الديمقراطي الحالي أصبح متجاوزا، كما تشتكي هذه المعارضة مما تعتبره تراجعا في مستوى الحريات، جسدته محاكمة عدد من الصحفيين وسجنهم، وقمع بعض الاحتجاجات إلى حد الاعتداء على بعض النواب، فضلا عن وجود مظالم اجتماعية قد تهدد النسيج الاجتماعي (مشكل البدون، والصراع السني الشيعي). لكن المعارضة لم تيأس بعد من الاستجابة لمطالبها، مما يعني أن السيناريو الموجود في الجارة البحرين غير مطروح حاليا في الكويت.
الطالباني والمالكي... تحديات من مناطق النفوذ
أما العراق فتحكمه منذ الاحتلال معادلة طائفية فرضها تحالف فريد بين الاحتلال الأمريكي، والنفوذ الإيراني؛ مكنت من استمرار حكم رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي، في وقت بدا فيه هذا القطر أبعد ما يكون من عودة الأمن والاستقرار، بل إن وضعه أشبه بالوضع الصومالي. ويراهن المالكي في بقائه على رأس هرم السلطة على البعد الطائفي، ودعم الاحتلال الأمريكي، والرضا الإيراني؛ لكنه يدرك أن التغيرات في المنطقة قد تعصف بهذه الرهانات ، لهذا نجده يصرح بأنه لن يسعى لتجديد فترته. ورغم ذلك بدأت الاحتجاجات تتصاعد في المحافظات الشيعية التي يعتمد عليها المالكي، وفي المحافظات الكردية التي يعتمد عليها رئيس الجمهورية الرمزي جلال الطالباني. وإذا كانت المطالب في الجنوب تتعلق بالأحوال العامة في العراق فإن الاحتجاجات في كردستان تبدو موجهة ضد قيادات الإقليم الذي هو أشبه بدولة مستقلة.
سليمان وميقاتي ... وصدى الصراعات الإقليمية
رئس لبنان ميشال سليمان تولى السلطة في إطار توافق سياسي تحركه قوى إقليمية نافذة، تعود اللبنانيون تدخلها لحل خلافاتهم. لبنان يعاني اليوم تجاذبات معسكري الممانعة والاعتدال في العالم العربي، مما مكن من انتقال السلطة من سعد الحريري المدعوم من معسكر الاعتدال إلى نجيب ميقاتي المدعوم من المعسكر الآخر؛ في حين أن الرئيس "التوافقي" ميشال سليمان لا يجد معارضة داخلية، فهو رئيس شرفي، غير قابل للتجديد حينما تنتهي ولايته. لهذا فإن صراعات اللبنانيين هي تجليات لصراع القوى الإقليمية أكثر مما هي ثورة على رئيس بصلاحيات محدودة، وفترة محدودة، أو رئيس حكومة يغيره نواب تعودوا على تغيير استراتيجياتهم حسب ما تمليه ظروف المنطقة.
محمد بن عبد العزيز ... قراءات مختلفة .
أما الرئيس الموريتاني محمد بن عبد العزيز فقد وصل إلى الحكم عبر انقلاب عسكري في أغسطس 2008 لكنه تمكن من إضفاء الشرعية على حكمه، عبر انتخابات جرت في ظل حكومة وحدة وطنية جاءت نتيجة اتفاق دكار. يرى أنصاره أنه غير معني بما يجري للحكام العرب، فهو في نظرهم فتح الباب أمام حركة التغيير التي يشهدها العالم العربي، وهو ب"إنجازاته" يمكن أن يحكم البلاد دون الخوف مما جرى؛ لكن خصومه يرون أن "عزيز" لا يختلف عن بقية الحكام العرب، وأنه امتداد للأنظمة التي حكمت البلاد منذ 1987 ، ويصل الأمر يبعضهم حد الدعوة للخروج في مظاهرات على النمط المصري التونسي؛ بينما يرى كثيرون أنه ينبغي أن تتاح الفرصة للرئيس الموريتاني للقيام بإصلاحات حقيقية، معتبرين أن الوقت لا يزال مبكرا للحكم على النظام الحالي، لكن يرى هؤلاء بأن على النظام الحالي أن يجري حوارا جادا مع قوى المعارضة يجنب البلاد الانزلاق فيما لا تحمد عقباه .
هكذا بدا لنا حكام العرب. حكام تفاوتوا في فتراتهم التاريخية. منهم من يخشى أن تصل إليه عدوى تونس ومصر، لكن منهم من لا تزال أمامه فرصة تاريخية للاعتبار والتأمل. فهل يفهم القادة الدرس جيدا؟

نقلا عن السراج الإخباري