مشاهدة النسخة كاملة : وصايا لولد عبد العزيز قبل فوات الأوان!


ام نسيبة
02-17-2011, 11:45 AM
وصايا لولد عبد العزيز قبل فوات الأوان!

http://img121.imageshack.us/img121/4732/indexphprexresize180war.jpg

أحمد يعقوب ولد سيدي، إعلامي

قد يكون الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز مختلفا بالفعل عن المخلوعين بن علي وحسني مبارك، ليس لأن متملقي الحزب الحاكم شهدوا له بذلك، ولا لأنه قاد ثورة شعبية، أو كرس ديمقراطية حقة، أو قضى على الفساد، ففي ذلك كله كلام كثير، ولكن باختصار لحداثة عهده بالسلطة ولأنه شرع استيلاءه على الحكم بانتخابات توافقية شاركت فيها المعارضة، واعترفت ولو متأخرة بنتائجها..

ويبدو ولد عبد العزيز ممسكا حتى الآن بالعديد من أوراق اللعبة في موريتانيا، تسنده في ذلك الطبيعة "المسالمة" للشعب الموريتاني وغياب الروح الثورية لديه، إضافة إلى انخفاض سقف مطالب المعارضة التي خسرت ورقة رهان مهمة بعد اعترافها بنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة وبشرعية نظام ولد عبد العزيز.

بيد أنه ـ ووفق ما علمتنا الأيام الأخيرة المليئة بالدروس والعبر ـ فإن تلك "المناعات" كلها تبقى شكلية وغير قابلة للصمود أمام عواتي الثورات التي تهب دون سابق إنذار..

فبالإضافة إلى التأثير النفسي لهذه الظاهرة خاصة على الشعوب المولعة بالتقليد، لا يحتاج متتبع الشأن الموريتاني لكثير من الحصافة من أجل اكتشاف بؤر احتقان هنا وهناك ناجمة عن عوامل عدة من أبرزها قتامة الأفق وانعدام الأمل لدى الكثير من الشباب، وسياسة التهميش والإقصاء وانتشار الظلم والغبن وغياب العدالة الاجتماعية، والقلق الذي يساور البعض بعد دخول البلاد طوعا أوكرها ـ لا فرق ـ في مواجهة مفتوحة مع تنظيم القاعدة. وأعتقد أنه لا خيار آخر أمام محمد ولد عبد العزيز ـ كغيره من الحكام العرب ـ إن أراد أن يجنب نفسه وشعبه وبلده منزلقات قد لا تتحملها دولة هشة مثل موريتانيا، أن "يفهم" ـ ولديه متسع من الوقت للفهم ـ أنه لا بد من انتهاج سياسة مغايرة جملة وتفصيلا للسياسات والممارسات المتبعة حاليا وفي شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية..

ولكي لا أتهم بالبيداغوجية والتنظير المفتقر للآليات العملية المحددة والملموسة، أضع بين يدي رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز خارطة طريق، لا تجنب النظام والبلاد مآلات غير محسوبة العواقب فقط، وإنما أيضا ـ وهذا هو الأهم ـ تضع البلد على السكة الصحيحة للوصول إلى ما نصبو إليه جميعا من تقدم ورفعة وازدهار.. وتشكل الخطوات التالية أبرز معالم خارطة الطريق هذه:

الخطوة الأولى: إطلاق حوار سياسي موسع وشامل لكافة القضايا، يكون من بين أهدافه ضمان تنظيم الانتخابات المقبلة بشكل متفق عليه ومقبول من طرف الجميع، بحيث توضع آلية تمنع تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة، واستخدام وسائل الدولة لصالح جهة سياسية معينة، وتحظر كافة أشكال التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين.

وهنا أفتح قوسا لأقول إنني أرى شخصيا أنه من الضروري إشراك الجميع في تسيير البلد خلال هذه المرحلة، فمنطق "أغلبية تحكم ومعارضة تراقب" منطق سليم إن لم يكن حقا أريد به باطل، لكن إشراك الجميع في الحكم ضرورة يمليها واقع ديمقراطيتنا وهشاشة ولاءاتنا السياسية التي تحتاج جرعة كبيرة من المناعة تجعل المواطن موقنا بأن حقه في التوظيف والعيش الكريم ليس مربوطا بالضرورة بولائه السياسي..

الخطوة الثانية: إبعاد رموز الفساد عن الواجهة، ولم لا التحقيق معهم ومحاكمتهم على ما نهبوه من خيرا ت هذا البلد الذي يعيش قرابة نصف سكانه تحت خط الفقر.

فقد اتفق الجميع بمن فيهم ولد عبد العزيز نفسه على أن العقود الثلاثة الأخيرة انتشر فيها الفساد في بر موريتانيا وبحرها وجوها، ولا شك أننا لم نصل حدا من ضعف الذاكرة يجعلنا لا نتذكر بالأسماء كل رجال ونساء تلك المرحلة، أحرى إن كانوا ما زالوا موجودين في كل مفاصل الدولة: في الرئاسة في البرلمان، وفي الوزارات والإدارات والمؤسسات العمومية، وفي المعارضة أيضا، وفي عالم المال والأعمال... فأي معنى لإصلاح يقوده المفسدون، أو لدعوات إصلاح تصدر عن هؤلاء؟؟..

ستكون مبادرة ترفع من رصيد لولد عبد العزيز أن يأمر النيابة العامة بفتح تحقيقات مع هؤلاء الذين أثروا على حساب الشعب الموريتاني، وأن يبعد كل من شارك في تسيير تلك الحقب الفاسدة عن الواجهة ويستعين بخبرات وطنية صادقة وجديدة، والقول بأن هؤلاء هم وحدهم الذين يمكن أن يسيروا البلاد هو تماما ما تعللت به النظم الديكتاتورية قبل أن تجرفها الثورات الشعبية.

الخطوة الثالثة: أن ينأى النظام بنفسه عن رجال الأعمال الذين أثبتت الأيام انخفاض ـ إن لم نقل انعدام ـ الحس الوطني لديهم، وكون همهم الأول هو تحقيق الربح وبأية وسيلة..، خاصة إذا كانت هناك أواصر قرابة أو علاقات شخصية من أي نوع كان تربطهم بالنظام، فلا يمكن "أن تنهى عن خلق وتأتي مثله".. ولا بد أن نستحضر هنا أن من أهم الأسباب التي ولدت النقمة على النظامين التونسي والمصري وسرعت من رحيلهما هو هذا الزواج بين المال والسلطة، الذي يفضي إلى تربح غير مشروع لأقارب الرئيس ورموز السلطة ولرجال الأعمال المقربين من النظام.

الخطوة الرابعة: فتح وسائل الإعلام العمومية أمام الجميع ولا أقصد الأحزاب المعارضة فقط، وإنما أيضا أمام المواطن البسيط الذي له الحق في أن يحصل من خلال مؤسساته الإعلامية على الخبر الذي يهمه، وأن تعبر عن مشاكله وهمومه.

ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تجديد القائمين على المؤسسات الإعلامية العمومية، وليس المديرين فحسب وإنما كذلك مديري قطاعات الأخبار والبرامج، وضخ دماء شابة جديدة ليست معتادة على تقديس النظام، ولا تتسم بالنهم وحب التكسب على حساب المهنة والرسالة النبيلة، فإصلاح الإعلام يحتاج أولا إلى توافر إرادة إصلاح لدى الصحفيين، كما لدى القائمين على المؤسسات الإعلامية..

الخطوة الخامسة: إعلان تعبئة عامة ضد الرق ومخلفاته، ولن ندخل هنا في جدال حول الرق وأشكاله الموجودة، فالمهم أننا متفقون على استنكاره وتجريمه، لذا من اللازم القيام بحملة إعلامية ودينية للقضاء على هذه الظاهرة، وذلك لتقوية اللحمة وتعزيز الوحدة الوطنية وقطع كل الألسن التي يتهمها البعض بالاصطياد في الماء العكر، وأحيانا بالمتاجرة بهذه القضية.

يجب أن يشارك في هذه الحملة المسؤولون والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأئمة والعلماء ووسائل الإعلام، وأن تصاحب في نفس الوقت بالبدء الفعلي في تطبيق صارم للقوانين المجرمة للاستعباد، وتعزيز وتوسيع سياسة التمييز الإيجابي لصالح أبناء هذه الشريحة خاصة فيما يتعلق بالحقوق الأساسية كالتعليم والصحة والغذاء والعمل..

الخطوة السادسة: إعادة توزيع الثروة بين المواطنين من خلال إطلاق سياسة اقتصادية صارمة تتحكم في موارد الدولة وتسترجع ما نهب منها وتوظف المساعدات الدولية بشكل رشيد ومحكم، وتجسيد ذلك من خلال رفع سريع ومعتبر للأجور وتوظيف العاطلين عن العمل، وخلق بنية تحتية تحسن من ظروف وفرص المواطن، وتجلب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

الخطوة السابعة: مراجعة الإستراتيجية الأمنية خصوصا فيما يتعلق بالحرب على ما يسمى الإرهاب، بحيث يتم تنقيتها من أية شوائب قد توصمها بأنها حرب بالوكالة عن جهات أجنبية، والتنسيق في المقابل مع دول الجوار...

هذه إذا نقاط أعتبرها أولوية للوقاية من عدوى الثورات ولتحقيق التنمية وترسيخ الديمقراطية، ولا شك أنها تحتاج إلى قرار شجاع وجرأة كبيرة لتحويلها إلى أرض الواقع، خاصة وأن المثبطات أمامها كثيرة، وأول هذه المثبطات البطانة السيئة التي لن تكون بحال من الأحوال مرتاحة لخارطة طريق من هذا القبيل.

ومهما يكن.. فإن سياسة النعامة ودفن الرؤوس في التراب لن تكون ناجعة باستمرار لتجنب المخاطر..


نقلا عن الأخبار