مشاهدة النسخة كاملة : مستبدون... لا يقرؤون و لا يفهمون ... {إسلم ولد محمد الكبير}


ام خديجة
02-16-2011, 07:33 AM
مستبدون... لا يقرؤون و لا يفهمون

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__isselmou.jpg

إسلم ولد محمد الكبير


قديما قِيل إنه "مِن مأمنِه يؤتَى الحذِر"، و هذا تماما ما حدث لمستبديْ تونس الخضراء و أرض الكنانة. فكلاهما حكم لسنين طويلة حتى خُيل إليه "أَنْ لَن يَقْدِرَعَلَيْهِ أَحَد"! فالمعارضات مشتتة محبَطة، و القِيم مقلوبة، و الشعوب مشغولة بقـوتِ يومها، و تعاني الغالبية العظمى منها "فقرا مُنسيا"، أما القلة القليلة من أصحاب الحظوة فتعيش "غِنىً مطغيا"... و كان أخر ما توقعه المستبدان أن تأتي الثورة من قِبل الشباب، أو ليس هذا هو الشباب نفسه الذي منذ أن فتح عينيه لم يجد حاكما غيرهما؟ فهو يراهما في كل نشرة أخبار – مهما كانت موجزة – و يرى صورهما على الجدران أينما يمم و جهه!
بَـيـد أن مشكلة بن علي و مبارك أنهما لم يفكرا كالحكام، بل إن قُصور النظرِ لدى كليهما جَلِي كالشمس رأد الضحى...
و لنبدأ بدكتاتور تونس، فقد ظل يسوم شعبه سوء العذاب طيلة أربع و عشرين سنة، و لم يفكر يوما في أن يقرأ ما بين السطور ليكتشف الشحنة الرمزية الهائلة التي يحملها النشيد الوطني لبلاده. و قد كان "الظالم المستبد" لا يسمح بمثقال ذرة من أشكال التعبير الحر، في حين غفل تماما عن حقيقة أن النشيد الوطني يُسهب في دعوة الشعب – مستخدما ياء النداء – لحب الوطن و الموت من أجله، و يرسم للشعب خُطط الانتصار:
حماة الحمى يا حماة الحمى **** هلموا هلموا لمجد الزمن
و هي دعوة صريحة للتغيير و للسعي نحو الأفضل، و قد استخدِم فيها فعل الأمر مرتين، لحث الناس على عدم الخنوع و الإستكانة
لقد صرخت في عروقنا الدماء **** نموت نموت و يحيا الوطن
و هذا البيت يوضح أن التونسيين الأحرار وصلوا إلى مرحلة لم يعدوا معها مستعدين لقبول المزيد من العسف و هضم الحقوق، فصاروا على أتم استعداد للموت في سبيل حياة الوطن
إلى عز تونس إلى مجدها **** رجال البلاد و شبانها
لا حظ أن التوانسة مدعوون هنا إلى "عز" تونس، و من الغريب أن "البوعزيزي" هو من أشعل الثورة، و كأن اسمه مُشْـتَـق من العزة القعساء! ثم إن البيت يختم بدعوة شبان تونس، و هم المعول عليهم في أنجاح الثورة...
فلا عاش في تونس من خانها **** و لا عاش من ليس من جندها
و كأن الخطاب موجه إلى بن علي، فـيَوم تتحرر تونس لن تجد لك مكانا فيها، بل عليك الخروج صاغرا ذليلا
و أخيرا يبين النشيد حتمية انتصار الشعب، حين يثور عن بكرة أبيه:
إذا الشعب يوما أراد الحياة **** فلا بد أن يستجيب القدر
و لا بد لليل أن ينجلي **** و لا بد للقيد أن ينكسر
و هذا ليس ما يوده "الظالم المستبد" في تونس، فهو لا يود لليل أن ينجلي، فحاله كما قال الشاعر:
فَـوَدَّ الليل زِيد عليه ليل **** و لم يُخلق له أبدا نهارُ!
أما بخصوص مبارك، فقد فشل أيضا في قراءة الشحنة الرمزية الهائلة داخل النشيد المصري، كما أخفق في فك شفرة رموز أخرى عديدة، فالنشيد يقول:
بلادي بلادي بلادي **** لكِ حبي و فؤادي
الواضح هنا أن المصري سيقدم نفسه رخيصة يوم تحتاج إليه مصر، و هو إنما يدخر نفسه "ليوم كريهة و سداد ثغر". و يمضي النشيد قائلا:
يا بلادي عيشي حرة **** و أسلمي رغم الأعادي
و هذه دعوة واضحة إلى تحرير البلاد، ليس من نَـيْـرِ العدو الخارجي فقط، و إنما من رِبقة المستبد الداخلي كذلك، و لذلك جاءت "الأعادي" بصغة الجمع...
ثم إن نظام مبارك لم يستوعب الدرس عندما صرح الشباب المصري "كلنا خالد سعيد" ، و هو ما يعني أن الشعب "خالدٌ" أي باقٍ بعد النظام، و "سعيد" أي حر طليق يَنعم بالرفاه الإجتماعي... ثم إن "فرعون" مصر لم يدرك على ما يبدو المعنى الحرفي لكلمة "القاهرة" التي طالما قهرت الجبابرة، و لا لماذا اختار الشعب الإعتصام في "ميدان التحرير" يوم النفير... و خلاصة القول إن الديكتاتورية في تونس و مصر لم "تفهما" أو "تدركا" مغزى الكثير من الرموز، فهما بامتياز من جنس العرب "الذين لا يقرؤون، و إذا قرؤوا لا يفهمون"!

*كاتب مقيم في الولايات المتحدة


نقلا عن الأخبار