مشاهدة النسخة كاملة : ثورة شعب وجذوة أمل ... { منى بنت الدي}


ام خديجة
02-14-2011, 03:16 PM
ثورة شعب وجذوة أمل

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__mouna_dey.jpg

بقلم: منى بنت الدي

أثارت غضبي تصريحات ساسة إسرائيليين في ندوة أقيمت في تل أبيب لتقييم ثورة شعب مصر، وتمحورت تلك النقاشات والتصريحات حول تداعيات (ما يحدث في مصر) على أمن إسرائيل واتفاقيات السلام وما يريدونه هم من هذه الدولة المركزية العظيمة ذات البعد الإستراتيجي المحوري وذات الثقل الديموغرافي الكبير وصاحبة العمق الحضاري الضارب في القدم والثراء والتنوع والعراقة. فانطلقت تصريحا ت الإسرائيليين موغلة في عدم الإنصاف والغبن بل والوقاحة حيث صرح بعضهم بأن الديمقراطية ليست مهمة في مصر وليست أساسية لشعبها وإنما يأتي الاستقرار في مقدمة الأولويات.

واستحضرت ذاكرتي موقف بعض الدوائر الغربية من نضال المعارضة الموريتانية عقب انقلاب 2008 من أجل إرساء ديمقراطية حقيقية في البلاد حيث صرحت تلك الدوائر خاصة إسبانيا وفرنسا أن الاستقرار في موريتانيا أهم من الديمقراطية ‘ وكأن الديمقراطية طريقة حكم لا تصلح لغيرهم ينظمون بها أمورهم وتستقر بها أوضاعهم و تنموا في ظلها مجتمعاتهم واقتصاد اتهم .

ماذا يعني الاستقرار في مصر لدى الساسة الإسرائيليين؟ وما ذا يعني الاستقرار لدى الغرب عموما ودوائره الإستخبارتية ومراكز القرار خصوصا، ماذا يعني في موريتانيا وغيرها من الدول العربية والإفريقية ودول العالم الثالث؟

الاستقرار في نظر هؤلاء يعني النوم الثقيل والسبات الطويل الذي غطت فيه أمة العرب منذ عقود طويلة ذلك السبات الذي خلفها عن ركب الأمم وقسمها كيانات صغيرة متشرذمة ومتناحرة في بعض الأحيان ومتنافرة في أكثرها .

ويعني الاستقرار أيضا الدكتاتوريات التي تدين بالولاء كل الولاء لأسيادها من المستعمرين والطامعين في ثروات البلاد العربية والقارة الإفريقية، ويعني الاستقرار أيضا إفساد المنظومة الأخلاقية والدينية وتحطيم القيم والمثل.

ويعني الاستقرار في نظر هؤلاء أن تظل مصر مغيبة عن دورها الريادي في قضايا أمة العرب، بتجويع أهلها ونهب خيراتها وتغييب مثقفيها ومفكريها عن شؤونها العامة كي تظل حارسا للكيان الصهيوني البغيض يحكم من خلالها حصاره الخانق والجائر على غزة الصامدة المتحدية ويترفه هذا الكيان بخيراتها غازا ونفطا وقطنا بأسعار تفضيلية أو بدون مقابل في أكثر الأحيان .

وكذلك يعني الاستقرار في موريتانيا أن يغيب شعبها ومفكروها وقادة رأيها عن شؤونها العامة ويتحكم فيها من يدين بالولاء لأسياده الغربيين فينصرف عن التنمية والبناء والعدالة إلى أن يكون شرطيا يمنع الهجرة السرية عن أوروبا ولو كان ذلك على حساب بلده الذي يبقى فيه منشدو الهجرة إلى الشمال يشكلون فيه عبئا آخر يزيد ثقل كاهله المثقل أصلا بالجوع والتخلف وشتى أنواع الصعوبات، ويعني الاستقرار أيضا أن يزج بالجيش الموريتاني خارج حدوده للدفاع عن فرنسا ومختطفيها في حرب مع إرهابيي القاعدة الذين أعجزوا أمريكا والعالم أجمع، تلك الحرب التي بدأت بوادر عجزنا وفشلنا فيها عندما أصبحت العاصمة نواكشوط وكل التراب الوطني مسرحا لعملياتها.

ويعني الاستقرار أن يظل الشعب الموريتاني جائعا تنهب خيراته من قبل النظام الذي يعطي حصة الأسد لأسياده الأجانب، فينهب السمك على مرأى ومسمع من الجميع، وتمر الشاحنات محملة بالذهب، وتمر البواخر محملة بالحديد والنحاس، وتوزع الرخص لاستغلال الكوارتز واليورانيوم وشتى أنواع المعادن، ومع هذا فإن الاستقرار يعني أن نظل جوعي ومرضى ومتخلفين يثري على حسابنا حكامنا ثراءا فاحشا، ويعني الاستقرار أن يمنع الوطنيون النزهاء من الحكم كي لا تتم القطيعة مع هذه الممارسات . ويتحجج المستعمرون والمستغلون والمخربون وأعوانهم وعملاؤهم بحجج شتى من أمثال :" الشعب ليس جاهزا للديمقراطية، والديمقراطية ليست هي الأمثل دائما، والتنمية أهم من الديمقراطية، والاستقرار أولا"

وكأنهم يريدوننا إن نكتفي بديمقراطية القشور، لتبقى في الجوهر دكتاتوريات ظالمة وطغاة مستبدون يمعنون في الإساءة لبلدانهم وشعوبهم.

لم تلب ديمقراطية القشور هذه مطالب الشعوب، وتردت الأحوال من سيئ إلى أسوأ، فانبثق وجه غير حضاري للغضب العربي والإسلامي تجلى في الانقلابات العسكرية حينا وفي التنظيمات الإرهابية حينا آخر، وظلت هذه الإرهاصات فاشلة لأن الانقلابات لا تأتي بالجديد بل تزيد الطين بلة، وسرعان ما تتلبس ثياب ديمقراطية القشور الرثة البالية ،وتزيد في الارتماء في أحضان الغرب من أجل قبولها، وتوغل في إهانة شعبها وتجويعه. والتنظيمات الإرهابية محل استهجان من الجميع لأنها عنيفة ودموية ومخربة ومتخلفة.

ولكن وجها حضاريا أطل برأسه من تونس الخضراء وعطرا وبخورا يضوع من سيد بوريد و يعم شذاه أرجاء الوطن العربي‘ ونورا انبثق من ربى تونس الجميلة أضاء سماء مصر اليوم ويشع في قلب كل عربي يدغدغ فيه مشاعر الكرامة والشهامة والنخوة ولا بد أن الله متم نوره ولو كره الحكام، وستشمل رحمته كل المعذبين والمهمشين والمحرومين في بلداننا العربية والإسلامية.

إنه التاريخ الذي يقف الآن في إحدى تجلياته شامخا يسطر في سجلاته فصولا بالمسك والعنبر ودماء الشهداء، ويرسم صورا مليئة بالحياة والأمل والحرارة، صورا يختلط فيها إصرار الثائرين على استكمال نصرهم بوعيهم ومدنيتهم و بحيرة أعدائهم وارتباك من يتحسسون رقابهم بعد سقوط فرعون العصر . وتزيد هذه الصور حيوية وحركية وتأثيرا عندما نجدها تقلب الموازين فجأة فيلهم الثوار رئيس أكبر امبريالية في العالم ما زالت جيوشها تحتل بلدانا عربية و إسلامية حتى اليوم ،يلهمه الثوار فينشد شعرا جميلا يتغنى بمجد بالثورة والثوار. لا قوة إذن تستطيع أن تؤثر في هذه الصور ولا أحد يستطيع أن يتحكم في مسار التاريخ عندما يبدأ في التحرك.

إنها صحوة بعد رقاد طويل وفجر بعد ليل امرئ القيس، إنها غيث بعد قنوط وأمل بعد إحباط وبسمة جميلة بعد دموع غزيرة.

ومن يظن أنه في مأمن من التاريخ وهباته فهو واهم، فبعد الآن لن يبقى بيننا في أرضنا ولا في منطقتنا مكان لطاغية ولا عميل ولا دكتاتور. إنها نسائم التغيير والبشر تهب علينا من الشمال والجنوب، ومن لم يكن على مستواها من سياسيينا وقادتنا سيعفو عليه الزمان ومن لم يسابقها سيبقي على الأثر ومن يقف في وجهها ستسحقه وتلفظه بعيدا.

عرفت الشعوب طريقها الحضاري السلمي الراقي، هذا واسترشدت عنوان حريتها بعد تيه. وسيبقى لسيدي بوزيد وقناة الجزيرة الفضل الأول في تحطيم أصنام القرن الحادي والعشرين، وسيحفظ لهما التاريخ أن كانا سر تنوير الشعوب وهدايتها إلي حقوقها وستكون ثورة مصر هذه نبراسا يهدي كل من ينشد الحرية والديمقراطية.


نقلا عن الأخبار