مشاهدة النسخة كاملة : أوباما رجاء لا تساعدنا ... {عوني صادق}


ام نسيبة
02-14-2011, 01:54 PM
أوباما رجاء لا تساعدنا

عوني صادق

مثل شقيقتها التونسية، فاجأت الثورة المصرية الاستخبارات الأمريكية، فارتبكت مواقف إدارة الرئيس أوباما، وترنحت مراكز الدراسات وخزانات التفكير ورؤوس المستشارين . فمن الإمساك بالعصا من الوسط، إلى المراهنة على بعض “الأسماء”، إلى ما بدا في لحظة ما وكأنه “انحياز” إلى ثورة الشباب، لكن الولايات المتحدة لم تنكر يوماً، كما لم تنكر وهي لا تدري أي موقف تأخذ من الثورة المصرية، أن ما يهمها أولاً وأخيراً هو مصالحها في الدولة المعنية، وليس من يذهب ومن يأتي، وماذا سيحمل لشعبه أو لا يحمل، وهو ما يسقط أي زعم يصدر عن هذه الإدارة مدعياً أنها تؤيد مطالب الشعوب أو حقوقها في الحرية والديمقراطية .

بعد ثمانية عشر يوماً من الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات التي خرج فيها الملايين من أبناء الشعب المصري مطالبة بإسقاط النظام، سقط نظام حسنى مبارك واضطر الرئيس باراك أوباما أن يؤجل كلمة أعلن أنه سيلقيها بهذا الخصوص لعدة ساعات، ليكتشف المراقبون والمترقبون لها أن إدارة الرئيس أوباما ظلت متفاجئة ومرتبكة حتى بعد سقوط النظام . فماذا جاء في هذه الكلمة؟ هل استطاع الرئيس أوباما أن يغير الصورة التي تكونت في رؤوس سامعيه الذين تابعوه يتنقل ويتقلب ويتراجع مراراً خلال أيام الثورة الثمانية عشر؟

مرة أخرى لا بد من الاعتراف بأن الرئيس أوباما يمتلك لغة خطابية فخمة، وهي على ما يبدو كل ما يمتلك . لقد بدأت الكلمة المقتضبة بهذه العبارات ذات الوقع الدرامي الذي لا سبيل إلى نكرانه: “هناك لحظات قليلة جداً في حياتنا حيث لدينا امتياز أن نشهد التاريخ يحدث . هذه إحدى اللحظات” . هذه الإشادة البالغة والبليغة لم تمنع الرئيس أوباما من أن يتحول بعد كلمات قليلة إلى “نذير شؤم” للمصريين عندما قال لهم: “إنها البداية، أنا متأكد أنه ستكون هناك أيام صعبة مقبلة وتساؤلات تبقى من دون جواب” . لا شك أن الشعب الذي استطاع أن يشعل هذه الثورة يستطيع أن يجيب عن الأسئلة التي تطرحها، وليس على أوباما أن يقلق من هذه الناحية شرط أن تظل الولايات المتحدة بعيدة، وأن لا تحاول أن تضع لها الأجوبة . ذلك ما وجد أوباما نفسه مضطراً ربما للاعتراف به، فاستدرك قائلاً: “لكنني متأكد أن الشعب المصري يمكنه إيجاد الأجوبة” . في الوقت نفسه أكد أوباما أنهم “مستعدون لتقديم أية مساعدة” للحكومة المصرية المقبلة . وقد أكد هذا الاستعداد منافسه السابق في انتخابات الرئاسة، السيناتور الجمهوري جون ماكين الذي قال: إن واشنطن “مستعدة بالكامل” لمساعدة مصر “في البدء بالمهمة الصعبة التي يشكلها الإصلاح من أجل الديمقراطية” .

تلك هي المشكلة الحقيقية، هي أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تترك الشعب المصري وحده يجد الأجوبة التي تخصه . إن تلك الإشادة بالشعب والجيش والشباب المصري التي جاءت على لسان أوباما إنما جاءت لمعرفته بأن ما حدث “ستكون تداعياته كبيرة”، كما قال نائبه جون بايدن . وما لم يقله أوباما عن هدف تلك “المساعدة”، في كلمة كان الغرض منها النفاق أكثر من المجاملة، ولا علاقة لها بالفرح أو الابتهاج بانتصار الشعب المصري، أكده الناطق باسمه روبرت غيبس الذي قال: “من المهم أن تعترف الحكومة المصرية المقبلة باتفاقيات السلام الموقعة مع “إسرائيل”” . وقد اعتبر غيبس أن “الشراكة الأمريكية مع القاهرة جلبت الاستقرار للمنطقة، وخاصة معاهدة السلام مع “إسرائيل”” .

“الشراكة الأمريكية مع القاهرة” . . . هذا ما يهم أوباما ونائبه والناطق باسمه وإدارته، بل ومنافسه السابق أيضاً . وأهم ما في هذه الشراكة هو “معاهدة السلام مع “إسرائيل”” . أما “المساعدة” التي يتطوعون بها فيقصد بها المحافظة على هذه “الشراكة” وجوهرها “معاهدة السلام مع “إسرائيل”” . ليسمح لنا الساسة الأمريكيون أن نخبرهم بأن أقوالهم لا تنطلي على السامع العربي بل هي تستفزه إلى أبعد الحدود . لقد سمعنا عن حبهم للديمقراطية قبل أن تصلنا ونصطلي بنارها، لكننا عرفناها وعشناها واحترقنا بلهيبها عندما وصلتنا وحملوها لنا في غزوة العراق . ولعل أكثر ما يستفز هو ما قاله الناطق باسم البيت الأبيض عن ما جلبته “الشراكة الأمريكية مع القاهرة إلى المنطقة” . يقول غيبس إنها جلبت “السلام والاستقرار”، فعن أي سلام وأي استقرار يتحدث؟

ما نعرفه أنه منذ توقيع أنور السادات على اتفاقيات “كامب ديفيد” في العام 1979 وقعت الحروب التالية: (حرب اجتياح لبنان وأول احتلال “إسرائيلي” لعاصمة عربية في العام 1982) حرب غزوة العراق في العام 2003 (لو لم تكن هذه الشراكة ودور مصر مبارك لما أمكن الولايات المتحدة القيام بهذه الغزوة، فضلا عن أنها كانت من أجل “إسرائيل” أولا) (الحرب على لبنان في العام 2006) الحرب على غزة في نهاية العام ،2008 فأين هو السلام؟

أما الاستقرار، فقد أظهرت الثورتان التونسية والمصرية أي نوع من الاستقرار، وما هي مقوماته ذلك الذي توفره الدول “الشريكة” للولايات المتحدة . إنه الاستقرار القائم على الفساد والاستبداد ونهب ثروات الشعوب وإفقارها وتجهيلها وتركها في شروط حياة ترفضها جمعيات الرفق بالحيوان .

ذلك ما تجلبه “الشراكة” الأمريكية، وذلك ما تحمله معها “المساعدات” الأمريكية للدول والشعوب، حدث ذلك في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وحيثما قدمت تلك المساعدات كانت تلك الحصيلة المرة . لهذا كله، نرجوك يا أوباما، وشعب مصر أيضاً يرجوك، كلنا نرجوك ونقول لك: شكراً أوباما . . . لا تساعدنا .



نقلا عن الخليج